المستشار محمد شعبان: نحتاج مصالحة مجتمعية.. تعديلات "الإجراءات الجنائية" مهددة للحريات.. والحكومة سبب أزمة الرسوم القضائية (حوار)

ينتقد المستشار الدكتور محمد شعبان، وكيل النائب العام الأسبق وعضو حملة "نحو قانون عادل للإجراءات الجنائية" والجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع الحاصل على درجة دكتوراه الفلسفة في القانون الجنائي، استمرار أزمة زيادة الرسوم القضائية، وتمرير مجلس النواب لقانون الإجراءات الجنائية الجديد. ويشتبك مع أزمات عميقة مثل قانون الإيجار القديم، وحقوق الإنسان، والحبس الاحتياطي، وتراجع الحوار الوطني.

وفي الحوار الشامل الذي يأتي ضمن سلسلة حوارات فكّر تاني، التي تتناول قلق المراقبين بشأن توسع أزمة العدالة في مصر، حيث يتقاطع القانون مع السياسة، وتتداخل المسارات الحقوقية والمجتمعية، يطرح المستشار شعبان رؤى إصلاحية متكاملة، يرى أنها لا تكتفي بالنقد، بل تسعى إلى البناء، وذلك عبر مداخل تشريعية، وإصلاح مؤسسات التعليم، وإقرار الاستقلال الكامل للقضاء، وتهيئة مناخ من الثقة بين الدولة والمواطن.

المستشار محمد شعبان مع الزميل طارق حافظ في حوار جديد من حوارات منصة فكر تاني - تصوير محمد ليل
المستشار محمد شعبان مع الزميل طارق حافظ في حوار جديد من حوارات منصة فكر تاني - تصوير محمد ليل

فإلى نص الحوار:

ما تحتاجه الإجراءات الجنائية

بعد تمرير البرلمان قانون الإجراءات الجنائية الجديد رغم انتقاداتكم.. من يمكنه وقف هذا المسار الآن قانونًا؟

الإمكانية القانونية موجودة من حيث المبدأ، فالدستور يمنح رئيس الجمهورية صلاحية إعادة القوانين إلى البرلمان لإعادة مناقشتها. وأتمنى من رئاسة الجمهورية، التي تملك هذه الصلاحيات، أن تبادر بإعادة القانون لمزيد من المناقشة، أو على الأقل إحالته إلى مجلس الشيوخ، الذي ينص الدستور على أن من مهامه مراجعة القوانين التي تُحال إليه من الرئاسة أو مجلس النواب.

هذه ليست دعوة إلى وقف القانون بشكل نهائي، بل دعوة إلى التريث، وعدم الاستعجال في إصدار نصوص قد تكون لها تداعيات خطيرة على الحقوق والحريات.

لكن، بصراحة، لا أظن أن هناك من سيستجيب لأصواتنا، وإن كنت أتمنى ذلك؛ لأن هناك من يرى أن القانون جرى الانتهاء منه بعد مجهود كبير ولجان متعددة، وأن نقابة المحامين كانت حاضرة في جلسات الحوار المجتمعي، ولم تُبدِ اعتراضًا رسميًا حاسمًا. وبالتالي، قد يُصدر القانون بصيغته الحالية، وهو ما يُثير القلق مجددًا بشأن طريقة تطبيقه، خاصة إذا تعامل معه أعضاء النيابة والقضاة بشكل وظيفي بيروقراطي، لا بمنظور مهني حقوقي.

الحل، في تقديري، لا يتوقف فقط على نص القانون، وإنما على مَن يُطبّق القانون. فلابد من رفع كفاءة القضاة وأعضاء النيابة العامة، وإعادة تأهيلهم بشكل مستمر في مجالات حقوق الإنسان والعدالة الجنائية.

المستشار محمد شعبان - تصوير محمد ليل
المستشار محمد شعبان - تصوير محمد ليل

في السابق، كانت هناك دورات تُنظَّم بتمويل من المعونة الأمريكية لتدريب القضاة في مكافحة الفساد وإقرار حقوق الإنسان، وشارك فيها العديد من دفعات النيابة، بمن فيهم جيلي ومَن سبقونا. أما الآن، فتأثير التدريبات الرسمية على التكوين النفسي والمهني لأعضاء النيابة الشباب قد يؤثر سلبًا على حيادهم القضائي.

نحن بحاجة إلى أن يتشكَّل وعي رجل النيابة والقاضي على أنه رجل عدالة أولًا وأخيرًا، لا رجل أمن كما يريد البعض.

وعندما يغيب هذا الوعي، يغيب العدل، ويصبح النص القانوني – مهما بدا محكمًا – أداة محتملة لانتهاك الحقوق لا لحمايتها.

علينا أن نتذكَّر أن قانون الإجراءات الجنائية وُلِد في حقبة كانت بعيدة كل البعد عن ترسيخ مفهوم الحريات العامة، وتحديدًا خلال الحقبة الناصرية، التي يمكن القول إنها أعدمت فكرة الحرية الشخصية بشكل شبه تام، ولم تكن هناك ضمانات كالتي نتمسك بها اليوم.

ورغم ذلك، فإن القضاء العادي آنذاك، عندما كان يُطبّق القانون، كان يفعل ذلك بحرفية. وهذا يقودنا إلى ملاحظة محورية: ليس القانون وحده هو ما يصنع العدالة، وإنما طريقة تطبيقه. فبإمكانك أن تمتلك أكثر القوانين تقدمًا وتأييدًا للحقوق والحريات، لكنها تُفرغ من مضمونها إذا لم تجد سلطة تنفيذية أو قضائية تطبقها برشد ونضج.

رؤية بديلة لقانون الإجراءات الجنائية

ماذا أضافت حملة "نحو قانون عادل للإجراءات الجنائية" لمشهد مواجهة تلك التعديلات المعيبة من وجهة نظركم؟

الحملة كانت محاولة جادة لتقديم رؤية موازية لمشروع القانون المطروح، وهي رؤية تستند إلى قواعد العدالة الدستورية والجنائية، وتستعين بمبادئ المحكمة الدستورية ومحكمة النقض، وآراء الفقه في التوازن بين سلطات الدولة وضمانات الأفراد.

مؤتمر حملة "نحو قانون عادل للإجراءات الجنائية" (تصوير: داليا موسى)
مؤتمر حملة "نحو قانون عادل للإجراءات الجنائية" (تصوير: داليا موسى)

وقد دُعيتُ من قبل القائمين على الحملة، وعلى رأسهم المحامي الحقوقي خالد علي، وشارك معنا العديد من الشباب والباحثين القانونيين في إعداد مشروع قانون بديل متكامل، حيث جرت مناقشته في جلسات حوارية مفتوحة.

الرؤية التي قدمناها ركزت بدرجة كبيرة على تعزيز الحريات الفردية التي يجب أن يكفلها قانون الإجراءات الجنائية، وهو قانون تأثر تاريخيًا بالبيئة السياسية السائدة؛ ففي الحقبة الملكية، مثلًا، كان أكثر احترامًا لحقوق الأفراد، بينما شهد تراجعًا كبيرًا بعد ثورة يوليو 1952، وهو ما انتقده كبار فقهاء القانون مثل الدكتور محمود مصطفى والدكتور محمود نجيب حسني.

في مراجعتنا لمشروع القانون الجديد، ناقشنا مواده في ضوء التغيرات السياسية التي شهدها المشهد المصري منذ عام 2011، وبالنظر إلى ما جاء به دستور 2014 من ضمانات غير مسبوقة، رأينا أن هذه الضمانات تمثل توجهًا مؤسساتيًا يجب ترجمته إلى نصوص قانونية، لا أن تبقى مجرد مواد دستورية دون أثر تنفيذي.

وعند اطلاعي على مشروع القانون للمرة الأولى، لم أجد فيه تغييرًا استراتيجيًا حقيقيًا في فلسفة الإجراءات الجنائية. صحيح أنه تضمّن بعض القواعد الجديدة لسد ثغرات قائمة، مثل تنظيم المحاكمات عن بعد وتنظيم المنع من السفر، وهما أمران لم يكن لهما إطار قانوني واضح سابقًا، ما تسبب في حرج قانوني للدولة، خاصة في قرارات المنع من السفر التي كانت تصدر دون معايير واضحة أو آجال زمنية محددة أو ضمانات للطعن.

لكن في المقابل، أغفل المشروع عدة قضايا جوهرية تتعلق برؤية العدالة الحديثة، من بينها غياب النصوص الخاصة ببدائل الدعوى الجنائية مثل التسوية والوساطة، وهي وسائل معمول بها في نظم قانونية متقدمة مثل فرنسا وإنجلترا. كذلك غاب دور منظمات المجتمع المدني في تقديم المعونة للضحايا أو تحريك الدعوى، كما هو معمول به في فرنسا، حيث يحق لبعض منظمات مكافحة الفساد جمع الأدلة وتقديمها للنيابة.

كما بقيت الصلاحيات الواسعة للنيابة العامة على حالها، خاصة في القضايا التي تمس الحياة الخاصة، مثل التنصت والمراقبة، إذ لا تزال النيابة تصدر مثل هذه الأوامر أحيانًا بناءً على تحريات قد تكون غير جدية، ودون رقابة حقيقية من القاضي الجزئي، بخلاف ما تنص عليه المبادئ القانونية السليمة.

من المحاور الأساسية التي شاركت فيها كان ملف التصالح في جرائم الفساد، بحكم تخصصي الأكاديمي. رأيت أن المادة (18 مكرر ج) الخاصة بالتصالح مع الفاسدين تفتقر إلى التوازن، إذ تمنح سلطة كاملة للجنة إدارية تابعة لمجلس الوزراء، دون دور رقابي أو تحقيقي للنيابة العامة، وتمنح اللجنة صلاحية تقرير التصالح دون معايير واضحة أو مراحل جزائية، بخلاف ما هو معمول به في قوانين مثل الكسب غير المشروع.

في قانون الكسب غير المشروع، هناك تصاعد في الغرامات والعقوبات كلما تقدّمنا في مراحل التقاضي، أما في مشروع القانون الجديد، فلا يوجد أي معيار؛ فقد يربح المتهم من المال العام، ويغسله، ثم يعيده لاحقًا كما هو، دون غرامة أو عائد مستحق للدولة، ما يفتح الباب أمام الاستغلال. وكان الأجدر بالمشرّع أن يوازن بين تشجيع التصالح وردع الفساد.

لا مفر من إنهاء مأساة "الإيجار القديم".. والدولة مطالبة بحلول متوازنة للملاك والمستأجرين

أما فيما يتعلق بالحبس الاحتياطي، فالأصل فيه أن يكون استثناء لا قاعدة، لكن ما نراه في الواقع هو تقديمه غالبًا على التدابير البديلة، وهو خطأ واضح. وقد ناقشتُ اقتراحًا بتوسيع استخدام التدابير الاحترازية مثل الإقامة الجبرية والتوقيع الدوري في قسم الشرطة، بل طرحتُ بديلًا تكنولوجيًا متاحًا، وهو "السوار الإلكتروني". وقيل حينها إنه مكلف، لكنني أرى العكس؛ فالسوار يُستخدم عالميًا، ويمكن تعقبه بالأقمار الصناعية، ويُعاد استخدامه مع متهمين آخرين، وهو أقل كلفة من الإنفاق على المحبوسين احتياطيًا.

كما انتقدنا عودة النص الذي يسمح بإعادة الحبس الاحتياطي بعد إخلاء السبيل دون ضوابط صارمة، وهي مسألة تفتح الباب لسوء الاستخدام.

تحفظتُ أيضًا على التوسع في صفة "مأمور الضبط القضائي"، إذ هناك خلط بين من يملك الصفة ومن يحق له مباشرة التحقيق. لا يُعقل أن يُنتدب عمدة أو غفير للتحقيق أو الاستجواب، وهذا يستدعي وضع قيد قانوني صارم على من يباشر هذه المهام.

وأخيرًا، أبدينا ملاحظات على المحاكمات عن بعد، حيث ظهرت مشكلات كبيرة في التطبيق بسبب ضعف التقنيات، وعدم وجود المتهم بجوار محاميه أو أمام قاضيه، ما يمس حقه في الدفاع والمحاكمة العادلة، وهو مبدأ لا يجوز المساس به.

وقد أعددنا مسودة قانون متكاملة وطرحناها في مؤتمر عام، كما أرسلت الحملة هذه المسودة إلى البرلمان وإلى رئاسة الجمهورية. وقد تبنتها الهيئة البرلمانية للحزب المصري الديمقراطي، التي قدمت الكثير من مقترحاتها أثناء مناقشة القانون. ولكن، للأسف، لم يُؤخذ بأي من هذه التعديلات، وشهدت جلسات المناقشة نوعًا من الاستقطاب السياسي، وصل إلى اتهام بعض النواب للهيئة بأنها استعانت بخبراء من خارج البرلمان من ذوي التوجهات السياسية المختلفة، رغم أن الاستعانة بخبراء تمثل أساسًا للحوار المجتمعي.

القضاء الجالس وزيادة الرسوم

نذهب إلى أزمة زيادة الرسوم القضائية.. كيف ترى تأثيرها على حق التقاضي وغضب نقابة المحامين ضدها؟

أُشاطر نقابة المحامين موقفها الرافض للقرارات الصادرة عن رئيس مجلس رؤساء محاكم الاستئناف، والمتعلقة بفرض الرسوم الجديدة وزيادتها. فمجرد فرض هذه الرسوم، باعتبارها من الأعباء العامة، يحمل في جوهره طابعًا سياسيًا في الأساس.

ذلك أن فرض أي ضريبة أو رسم هو اختصاص أصيل للبرلمان، الذي يتولى موازنة الأبعاد السياسية والاقتصادية المختلفة، بما يضمن تحقيق قدر من التوازن في تحميل الأعباء على المواطنين. ومن ثم، فإن تقرير الرسوم من حيث المبدأ، أو تحديد قيمتها، يدخل في نطاق الملاءمة السياسية، وهي مسألة تقع خارج اختصاص القضاء تمامًا.

غضبة المحامين ضد زيادة الرسوم القضائية - خاص فكر تاني
غضبة المحامين ضد زيادة الرسوم القضائية - خاص فكر تاني

حين يتدخل القاضي في فرض هذا النوع من الرسوم، فإنه يغادر موقعه الطبيعي في الفصل في المنازعات وتطبيق القانون، ليتقمص دور المشرّع، ما يُعد انتهاكًا واضحًا لمبدأ الفصل بين السلطات. والمعلومة المتداولة أن بعض الجهات القضائية، عند مطالبتها وزارة المالية باعتمادات مالية لتسيير أعمالها أو تطوير بنيتها، يُقال لها ببساطة: "مافيش اعتماد.. دبروا نفسكم!"، أي أن الدولة أوكلت مهمة تدبير الموارد للجهات القضائية، فاختارت الأخيرة المسار الأسهل وهو تحميل المواطن هذا العبء من خلال زيادة الرسوم، وهو أمر غير مقبول على الإطلاق.

هناك بدائل أخرى يمكن من خلالها تدبير الموارد دون المساس بحق المواطن في التقاضي، كرفع أسعار إيجارات الكافيتريات التابعة للمحاكم، أو الاستفادة من الموسوعات القانونية لمحكمة النقض، أو تقديم خدمات إلكترونية مدفوعة عبر المنصات الرسمية للجهات القضائية. أما أن يُشترط دفع رسوم باهظة للوصول إلى العدالة، فهذه كارثة حقيقية.

لقد دفعت الحكومة السلطة القضائية إلى أزمة حقيقية، ووضعتها في مواجهة مباشرة مع المحامين وجمهور المتقاضين، بينما اكتفت بدور المتفرج، رغم أن جوهر الأزمة حكومي. فالحكومة هي من ترفع باستمرار شعارات "التطوير"، و"العدالة الرقمية"، و"الميكنة"، لكنها لا ترغب في تحمل تكاليف هذا التحول.

ينبغي على الدولة أن تتحمل هذه النفقات، كما تتحمل تكلفة إنشاء الطرق والكباري عبر قروض من البنوك والمؤسسات الدولية. فلماذا لا تُموّل البنية التحتية للعدالة من المنح أو القروض نفسها؟ المواطن يدفع ضرائب، وقيمة مضافة، وفواتير خدمات، فهل من المنطقي أن يُحمَّل أيضًا عبء تمويل منظومة العدالة؟ المواطن أصلًا يشكو من أزمة في تحقيق العدالة، فكيف نضيف إليه عبئًا ماليًا جديدًا؟ هذه أزمة كان ينبغي تحييد السلطة القضائية عنها تمامًا.

تعديلات الإجراءات الجنائية قد تُهدد الحريات.. والتدخل الرئاسي مطلوب لإعادة النقاش

ما الحل من وجهة نظرك؟

تقع مسؤولية هذه الأزمة السياسية والاقتصادية بالكامل على عاتق الحكومة، وبشكل خاص وزارة العدل التي أرادت تمويل "تارجيت" سياسي للتطوير دون تحمل تبعاته المالية. وإذا تأثر مرفق العدالة أو توقف العمل بسبب هذه الأزمة، فإن المسؤولية تقع مباشرة على وزير العدل، الذي يجب أن يُسأل أمام البرلمان والحكومة.

أخشى أن تكون هناك نوايا مبيتة وراء الكواليس، تهدف إلى إثارة فتنة مقصودة بين المحامين والقضاة، وهو أمر كارثي في حال صحّ ذلك.

وقفة للمحامين لرفض زيادة الرسوم القضائية -خاص فكر تاني
وقفة للمحامين لرفض زيادة الرسوم القضائية -خاص فكر تاني

فالمحامون والقضاة يشكلون في الأصل جبهة واحدة تهدف إلى حماية العدالة وتعزيزها. وعندما مر القضاء بأزمة في عام 2006، عقب إحالة القاضيين محمود مكي وهشام البسطويسي إلى مجلس الصلاحية، كانت نقابة المحامين في طليعة المدافعين عن استقلال القضاء، وقدّمت كل أشكال الدعم للقضاة.

أنا، الذي كنت أرتدي سابقًا ثوب القضاء واليوم أرتدي ثوب المحاماة، أحرص أشد الحرص على أن يكون القاضي أو وكيل النيابة في أفضل حال مادي ونفسي، ليؤدي عمله بأمانة، وألا يُحمّل بأعباء إضافية من الدولة. لكن يجب على الحكومة أن تتحمل مسؤولياتها في حل هذه الأزمات، لا أن تحيلها إلى السلطة القضائية لتصبح بدورها هدفًا لغضب الرأي العام.

يمكن احتواء الأزمة سياسيًا برفع الموضوع إلى رئاسة الجمهورية، باعتبار أن الرئيس يرأس المجلس الأعلى للهيئات والجهات القضائية، أو بإدراج الملف ضمن أجندة الأحزاب السياسية، خاصة أحزاب الأغلبية مثل "مستقبل وطن" و"حماة الوطن"، لإيجاد حل سياسي سواء عبر تعديل تشريعي أو توفير اعتمادات مالية مباشرة من الحكومة.

هل تؤيد تصعيد المحامين واللجوء إلى إضراب شامل كما هو مطروح؟

الأمر يحتاج إلى حل سياسي مسؤول، لا إلى تصعيد نقابي مفتوح.

أطمح أن يأتي التراجع عن القرارات من داخل المؤسسة القضائية نفسها، احترامًا للقانون، وتنفيذًا لقاعدة ذهبية وردت في الوثيقة العمرية عن أبي موسى الأشعري: "ولا يمنعك قضاء قضيته أمس فراجعت اليوم فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق". فالرجوع إلى الحق لا يُعيب القاضي، بل يُجله ويكرّسه رمزًا للعدالة.

لو اجتمع مجلس القضاء الأعلى، ووزير العدل، والمجلس الأعلى للهيئات والجهات القضائية، وأصدروا بيانًا موحدًا برفض فرض أي رسوم دون سند قانوني، فإن الوضع سيتغير فورًا.

الإبقاء على الإشراف القضائي الكامل ضرورة لا غنى عنها.. وتجربة "تحالف الأمل" تركت أثرًا نفسيًا سلبيًا وأدى بالبعض إلى الانسحاب الكامل من المجال العام.

تعديلات قانون الإيجار القديم

هناك تفسيرات مختلفة حول مشروع قانون الإيجار القديم.. أين تقف أنت في هذه الأزمة وما الحل؟

الحديث عن قانون الإيجار القديم، بصراحة، حديث محفوف بالمخاطر؛ لأنه يلامس أوضاعًا اجتماعية شديدة الحساسية تراكمت عبر عقود، لكن في الوقت نفسه، نحن أمام واقع قانوني واقتصادي لم يعد ممكنًا استمراره.

أنا شخصيًا، والدي مستأجر إيجار قديم لمحلات، لكن بموضوعية، لا يمكنني تجاهل أزمة المالك. عشت التجربتين، وأفهم معاناة الطرفين.

لذلك أرى أن المشروع المطروح حاليًا - بفكرة المدة الانتقالية وزيادة القيمة الإيجارية تدريجيًا - هو طرح منطقي ومتوازن. خمس سنوات بفارق تصاعدي في الإيجار قد تخلق عدالة حقيقية، تصل بنا إلى قيمة إيجارية عادلة بنهاية المدة.

المستأجرون لديهم أعباء، نعم، لكن الملاك أيضًا لديهم التزامات وحقوق مهضومة.

الفكرة ليست أن يدفع المستأجر القيمة السوقية الفورية، بل قيمة عادلة متدرجة تراعي دخله وفي نفس الوقت تعيد للمالك حقه الطبيعي في التصرف في ملكه.

أرى كذلك أهمية ربط القيمة الإيجارية بضريبة العقار. فمثلًا، القيمة الإيجارية لشقة في مصر الجديدة لا يمكن أن تكون مثل شقة في البساتين، لأن الضريبة العقارية نفسها مختلفة.

المستشار محمد شعبان - تصوير محمد ليل
المستشار محمد شعبان - تصوير محمد ليل

بالتالي، يمكننا استخدام معيار نسبي: مثلية الضريبة أو مضاعفاتها. بهذا نضمن معيارًا موضوعيًا ومتحركًا يعكس الواقع الاقتصادي لكل منطقة.

فكرة إنهاء الامتداد القانوني بعد خمس سنوات ليست طردًا مباشرًا، بل نهاية طبيعية لعقد بُني على ظروف لم تعد قائمة، بعد إعطاء فترة كافية لتوفيق الأوضاع، وزيادات تدريجية تراعي التضخم.

وهناك حلول واقعية تم طرحها في ندوات قانونية سابقة، من بينها ندوة عقدتها الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي عام 2021، تضمنت مقترحات مثل توفير "إسكان بديل" لبعض الحالات الإنسانية الصعبة، عبر وحدات يتم تقسيطها على 30 أو 40 سنة، أو وحدات بنظام "مقابل الانتفاع" مدى الحياة.

هذا الطرح مناسب لفئات مثل كبار السن، أو الأسر المعيلة، أو البنات غير المتزوجات المقيمات مع والدهن طوال حياته في الشقة. يمكن حصر تلك الحالات ضمن منظومة "الأولى بالرعاية"، ومنحهم وحدات مؤقتة دون نقل ملكيتها، لكنها تضمن لهم حياة كريمة.

الدولة لن تخسر، بل ستكسب. حين تعود الوحدة للمالك، ستخضع لضريبة عقارية جديدة تعكس قيمتها الحقيقية. فمثلًا، شقة إيجارها الحالي 200 جنيه، وسعرها السوقي 4 ملايين جنيه، لا يمكن أن تظل خارج المنظومة الضريبية العادلة.

وأيضًا، الدولة تقوم أساسًا ببناء وحدات سكنية ضمن مشاريع الإسكان الاجتماعي والأولى بالرعاية، وهذا التحول قد يُوظف لصالح الاستقرار السياسي والعدالة الاجتماعية. هناك فرصة لتوازن واقعي يرضي الجميع – المالك، والمستأجر، والدولة.

هنا الدولة دورها محوري في ضبط الإيقاع وتحقيق هذا التوازن.

حكم المحكمة الدستورية

هناك مخاوف لدى البعض من عدم دستورية هذا الطرح ورفض المحكمة له عقب صدوره؟

علينا أن نفرق جيدًا بين دور المحكمة الدستورية ودور المشرّع.

المحكمة تفصل في مدى دستورية النصوص القائمة، لكنها لا تحل محل المشرّع في وضع السياسات العامة أو تقدير الحاجة إلى تغيير التشريع بالكامل.

الحكم الصادر من المحكمة تعامل مع نص قانوني معين، ورأى أنه غير دستوري من زاوية محددة، لكنه لم يُلزِم المشرّع بإبقاء العلاقة الإيجارية إلى الأبد.

المحكمة الدستورية العليا (وكالات)
المحكمة الدستورية العليا (وكالات)

المشرّع يتمتع بسلطة تقديرية واسعة في التشريع، شريطة ألا يصطدم مباشرة بأحكام المحكمة الدستورية.

ما يحدث الآن ليس مخالفة للحكم، بل إعادة تنظيم للعلاقة الإيجارية بشكل شامل، وفق تصور جديد يعالج أزمة تأبيد العلاقة بين المالك والمستأجر.

الحكم الدستوري حين يصدر يكون في قوة القانون وملزمًا للجميع.

وإذا قضى بعدم دستورية نص ما، فعلى المشرّع سدّ الفراغ التشريعي، وهذا ما يحدث الآن. الدولة لا تسعى إلى صدام مع المحكمة، بل إلى إصلاح وضع مشوّه عمره عقود. ولا أرى أن المحكمة ستقضي ببطلان قانون أُعد بروح التدرج والعدالة الانتقالية.

تعديلات قانون السلطة القضائية

كيف ترى التعديلات التي طرأت على قانون السلطة القضائية في السنوات الأخيرة؟

لدي وجهة نظر واضحة منذ عام 2017، ومن اللحظة الأولى أرفض التعديلات التي جرت.

الأقدمية المطلقة صحيحة أنها قد تأتي أحيانًا بشخص صالح، وأحيانًا أخرى تأتي بمن لا يملك الكفاءة الكافية لإدارة شؤون القضاء، لكن على الرغم من ذلك، كان للنظام القديم مزاياه.

كل من يصل إلى تلك المناصب هم قضاة على أعلى مستوى، وقضاة في أعلى محكمة في البلاد، وبالتالي نفترض فيهم الكفاءة القضائية، لكن ليس كل من كان كفؤًا قضائيًا يصلح لإدارة الجهاز القضائي.

قد يكون هناك قضاة يملكون "ملاكات إدارية" عالية تمكنهم من إحداث طفرة داخل المنظومة القضائية. لدينا نماذج سابقة مثل المستشار فاروق سيف النصر، أو المستشار ممدوح مرعي، الذي ترأس المحكمة الدستورية العليا في 2006، وكان يتمتع بكفاءة إدارية لافتة.

هؤلاء أحدثوا نقلة نوعية لأن لديهم القدرة على إدارة الأمور بشكل مختلف، لكن هل يمكن الاعتماد على هذا الاستثناء لبناء قاعدة قانونية؟ بالتأكيد لا.

حينما نضحي بفكرة الأقدمية المطلقة، نرتكب مخاطرة جسيمة.

النظام القضائي، لسنوات طويلة، استقر على قاعدة عرفية تقول إن الأقدم هو من يتولى القيادة. ورغم أن الأقدمية ليست دائمًا مرادفًا للكفاءة الإدارية، إلا أن هذه القاعدة أرست نوعًا من التوازن، وضمنت استقلال القضاء ومنعت التدخل في شؤونه. تغيير هذا النظام يؤدي إلى خلخلة داخل المؤسسة.

دار القضاء العالي
دار القضاء العالي

اليوم، بدلًا من اختيار واحد من بين ثلاثة، أصبح رئيس الجمهورية يختار من بين سبعة، وهذا يفتح الباب لممارسات لا تليق بجلال المنصب القضائي. تتخيل أن سبعة قضاة يعلمون أنهم مرشحون، فيبدأ كل منهم في السعي، سواء عبر المقابلات أو إبداء الرغبة في نيل ثقة القيادة السياسية.

هذا يشوه فكرة الترشح القضائي، ويدفع إلى تقديم تنازلات لا تليق بمن يسعى إلى قيادة مؤسسة يفترض فيها الاستقلال والوقار.

أبسط حقوقنا أن نختار بأنفسنا من نراه أهلًا لهذه المسؤولية، وأن نُقصي من نراه غير مؤهل وفق معاييرنا، لا معايير غيرنا.

للأسف، هذا ما حدث بالفعل. للمرة الأولى في تاريخ السلطة القضائية، يحدث أن قرار تعيين أعضاء النيابة العامة، وبعد اعتماده من مجلس القضاء الأعلى صاحب الولاية، يطرأ عليه تغيير من رئاسة الجمهورية. نحن نحترم مؤسسة الرئاسة، لكن اختيار القضاة ليس من اختصاصها.

هذا اختصاص حصري للسلطة القضائية، لأنها من تجري التحريات وتقوِّم مدى أهلية كل مرشح. كيف يعقل أن يُستبعد مرشح فقط لأن زوج خالته كان له انتماء سياسي؟ بينما أسرته الصغيرة متماسكة، وله أخ قاضٍ وآخر طبيب، ووالده مناضل، وأسرته معروفة بالنزاهة؟ القضاء هو الجهة الوحيدة التي تملك التقدير في مثل هذه الحالات.

والأدهى أن تعيين أعضاء النيابة بات مشروطًا بمرورهم على "الأكاديمية العسكرية". هذا أمر غير مقبول.

القاضي يجب أن يُدرّب على العمل الذهني والنفسي، على الحياد والنزاهة والتمييز العقلي، على تحليل الوقائع، واستنباط النتائج، لا على الطابور والاستعداد والانتباه!

لدينا مركز قومي للدراسات القضائية، وهو المختص بتأهيل القضاة عبر برامج تشمل العلوم القانونية، علم النفس القضائي، منهجيات التعامل مع الجهات المعاونة، وكيفية تطوير المنظومة القضائية. هذا هو المسار الطبيعي فقط.

استعادة الديمقراطية تبدأ بتهيئة المجتمع وبناء كوادر مؤهلة للعمل العام..والمجتمع بحاجة لإصلاح جذري يبدأ من الجامعات.

البعض يطالب بتصحيح قانون السلطة القضائية الراهن.. هل تتفق مع ذلك؟

أوافق بالطبع. التعديلات الأخيرة على قانون السلطة القضائية، حين أُقرت، كان واضحًا منذ البداية أنها تعاني من شبهة عدم دستورية، لأنها تمس بشكل مباشر استقلال القضاء كسلطة دستورية مستقلة.

لكن حتى مع إدراجها في الدستور، يجب ألا يمنعنا ذلك من إعادة النظر فيها.

هناك مساران لتعديل هذا النص دستوريًا: إما أن يتقدم رئيس الجمهورية نفسه بطلب تعديل، أو أن يتقدم البرلمان بطلب تعديل، بشرط الحصول على الأغلبية المنصوص عليها في الدستور. بعد ذلك، يجب عرض الأمر على مجلس الشيوخ لأخذ رأيه من حيث المبدأ، وإذا تمّت الموافقة، تبدأ الإجراءات المتبعة وفقًا لنصوص الدستور.

استقلال القضاء ليس ترفًا، بل هو ركيزة أساسية لأي دولة قانون.

الحبس الاحتياطي تحول لعقوبة نفسية.. والبدائل القانونية موجودة لكن لا تُفعل

توحيد القضاء

هناك دعوات يُعاد طرحها مؤخرًا بشأن توحيد الجهات القضائية.. ما تعليقك؟

دمج الجهات والهيئات القضائية وتوحيد القضاء تحت مظلة واحدة لن يحل الأزمات، بل من المرجح أن يزيدها تعقيدًا.

هذه الفكرة ليست جديدة، فقد طُرحت منذ عام 2012، لكنها لم تلقَ قبولًا آنذاك، لعدة أسباب جوهرية تتعلق بالفلسفة القضائية التي يقوم عليها النظام القانوني المصري.

تنقسم الأنظمة القضائية في العالم إلى اتجاهين رئيسيين: الأول يُعرف بالنظام اللاتيني، وهو النظام الذي يتبنى القضاء المزدوج، والثاني هو النظام الأنجلوساكسوني (أو الأنجلوأمريكي)، الذي يعتمد على قضاء موحد.

في النظام اللاتيني، كما هو معمول به في مصر، هناك تفرقة واضحة بين نوعين من المنازعات: المنازعات التي تدور بين الأفراد وبعضهم البعض أو بين الأفراد والدولة في إطار علاقة خاصة، وهذه يختص بها القضاء العادي، والمنازعات التي تنشأ بين الأفراد والدولة بصفتها سلطة عامة ذات إرادة عليا، وهذه يختص بها القضاء الإداري.

أما في النظام الأنجلوساكسوني، المعمول به مثلًا في إنجلترا والولايات المتحدة، فالدولة تُعامل كفرد عادي أمام القضاء، وتخضع لنفس القواعد والإجراءات التي يخضع لها المواطن، وهو ما يجعل قضاءهم موحدًا.

المستشار محمد شعبان - تصوير محمد ليل
المستشار محمد شعبان - تصوير محمد ليل

اختار النظام القانوني والدستوري المصري منذ بدايات تأسيسه الحديث السير في الاتجاه اللاتيني، ليس فقط في القضاء، بل في معظم التشريعات، والنظام السياسي، والهياكل الدستورية. وبالتالي تأسس النظام القضائي المصري على فكرة القضاء المزدوج، بما يتناسب مع خصوصيته السياسية والاجتماعية والتاريخية.

لذا، فإن القول بأن ما يصلح في دولة من دول الخليج - التي تعتمد القضاء الموحد - يصلح بالضرورة لمصر، هو قول غير دقيق.

دول الخليج، مثلًا، لديها منازعات أقل حجمًا وتعقيدًا، وظروفها السياسية والاجتماعية مختلفة تمامًا عن مصر التي تمتلك إرثًا سياسيًا وتاريخيًا ودستوريًا كبيرًا، انعكس بشكل مباشر على شكل وتركيبة القضاء فيها.

توحيد القضاء يعني ببساطة إلغاء مجلس الدولة، وضم اختصاصاته للقضاء العادي، وهذا أمر بالغ الخطورة.

أولًا، لأن القضاة المتخصصين في القضاء الإداري – الذين تم تأهيلهم وتكوينهم عبر سنوات – لن يكون لهم موقع واضح في النظام الجديد.

ثانيًا، لأن ذلك يعني فقدان خصوصية التخصص، التي تعد ميزة كبرى في مجلس الدولة، حيث توجد دوائر متخصصة في العقود الإدارية، والحريات العامة، والتعليم، والتراخيص، وغيرها من التخصصات التي لا يملك القضاء العادي البنية المؤسسية أو الفكرية لاستيعابها.

إضافة إلى ذلك، فإن القضاء الإداري نشأ وتطور على أساس فلسفي، وليس فقط على أساس وظيفي.

العقيدة الراسخة في مسألة القضاء المزدوج تمثل جزءًا من البنية القضائية والدستورية المصرية، وأي مساس بها سيؤدي دون شك إلى اضطرابات حقيقية في النظام القضائي بأكمله، وارتباك في آليات الفصل في المنازعات، وإضعاف في ضمانات حماية الحقوق والحريات.

لذلك، فإن الدعوة إلى توحيد القضاء لا يمكن أن تكون حلاً للمشكلات، بل قد تُحدث مشكلات أكبر وأعمق، وتقوض منجزات تاريخية في بناء قضاء متخصص ومستقل، يُعد صمام أمان للعدالة والحقوق في مصر.

ضمانات نزاهة الانتخابات المقبلة

مع اقتراب الانتخابات البرلمانية المقبلة، ما هي الضمانات التي تراها ضرورية لضمان نزاهة هذه الانتخابات؟

أعتقد أن أهم الضمانات التي لا يمكن بأي حال من الأحوال الاستغناء عنها هي الضمان القضائي الكامل، والمقصود به الإشراف القضائي الشامل على العملية الانتخابية برمتها، بدءًا من فتح لجان الاقتراع وحتى إعلان النتائج.

من وجهة نظري، هذا الضمان لا يمكن الاستغناء عنه لا بعد خمس سنوات ولا حتى بعد عشرين أو ثلاثين سنة.

نحن لا نعيش في بيئة سياسية تتغير فيها الثقافة الانتخابية بسهولة، وبالتالي فإن وجود قاضٍ على كل صندوق هو الضمان الوحيد الراجح والظاهر لضمان نزاهة العملية الانتخابية وعدم التلاعب بإرادة الناخبين أو توجيهها.

القضاء هو صمام الأمان للعملية الانتخابية، وهو ما يجعل إشرافه ضرورة مطلقة لا يجوز التنازل عنها.

الهيئة الوطنية للانتخابات
الهيئة الوطنية للانتخابات

ولو كانت هناك تعديلات دستورية مرتقبة، كما يبدو من المناخ العام، فأرى أنه من الضروري إعادة النظر في المادة الخاصة بمدة الإشراف القضائي، بحيث يتم تثبيت هذا الإشراف الدائم وعدم ربطه بأي إطار زمني ينتهي لاحقًا.

حتى وإن كان مكلفًا من الناحية اللوجستية أو المادية، فإن كلفة فقدان الثقة في الانتخابات أخطر بكثير، لأن سمعة الدولة أهم، خصوصًا في الظروف الحالية التي تشهد الكثير من التشكيك.

من غير المقبول الاعتماد فقط على موظفين إداريين، حتى ولو كانوا تابعين للهيئة الوطنية للانتخابات، للإشراف على اللجان. هؤلاء ليس لديهم لا الصلاحية ولا الحصانة ولا الاستقلالية التي يتمتع بها القاضي، وبالتالي لا يحققون الضمان الكافي للنزاهة والشفافية.

وبالإضافة إلى ذلك، هناك ضمانات أخرى مكملة لا تقل أهمية، أولها حياد الدولة الكامل، خاصة خلال الفترة الانتخابية.

يجب أن نضمن مناخًا سياسيًا مفتوحًا يسمح بتكوين التحالفات السياسية وتشجيع التكتلات الحزبية على تقديم قوائمها ومترشحيها من دون ملاحقة أو تضييق.

لدينا تجارب سابقة مثل تجربة تحالف الأمل، التي بدأت كتحالف سياسي مشروع وانتهت إلى اتهامات أمنية وتحول سياسيين شباب إلى متهمين في قضايا إرهاب.

هذا النموذج ترك أثرًا نفسيًا سلبيًا لدى كثير من الراغبين في المشاركة السياسية، وأدى بالبعض إلى الانسحاب الكامل من المجال العام، بل والنظر إلى العمل السياسي باعتباره مقامرة غير مأمونة العواقب.

كذلك من الضمانات الضرورية عدالة التغطية الإعلامية للمترشحين. لا بد أن يحصل الجميع، سواء من الموالاة أو المعارضة، على فرص متكافئة في عرض برامجهم على الجمهور.

أيضًا، لا بد من وجود رقابة صارمة على الإنفاق المالي في الحملات الانتخابية، لأن التجاوزات في هذا الجانب فادحة. هناك من يستغل حاجات الناس بتوزيع مواد تموينية كالأرز والسكر والزيت، وهو ما يندرج صراحة تحت بند الرشوة الانتخابية.

هذه الظواهر السلبية معروفة، ولا تحتاج إلى أدلة جديدة لإثباتها، فهي موثقة ومستمرة منذ سنوات.

 حقوق الإنسان في مصر تمر بأزمة شديدة وواقع مأزوم. والحوار الوطني لم يحقق أهدافه.. ونحتاج إلى مصالحة داخلية تُعيد الثقة بين المواطن والدولة"

أزمة الحبس الاحتياطي

ربطت بعض الأحزاب الديمقراطية مشاركتها في الانتخابات بإنهاء أزمة الحبس الاحتياطي.. كيف يمكن إنهاء هذه الأزمة؟

الحبس الاحتياطي من أخطر الإجراءات المقيدة للحرية، ورغم كونه إجراءً احترازيًا في جوهره، إلا أنه أصبح في كثير من الأحيان عقوبةً سابقةً على صدور الحكم.

للأسف، أقولها بصراحة: أصبح الحبس الاحتياطي في بعض الحالات أقرب إلى رد فعل نفسي منه إلى تقدير قضائي مهني دقيق.

هناك من أعضاء النيابة العامة أو قضاة المحاكم من بات يتعامل مع مسألة الحبس كإجراءٍ مفروضٍ لا بد منه، أو كمعيار للجدية، وهذا خلل خطير في فلسفة العدالة.

أنا شخصيًا، حين كنت وكيلاً للنيابة، دخلت أحد أماكن الاحتجاز أثناء التحقيق في واقعة انتحار أحد السجناء، وكانت تجربة لا تُنسى: الزحام الخانق، الروائح الكريهة، سوء التهوية، الأوضاع الصحية المزرية، وسهولة انتقال الأمراض المعدية داخل هذا الحيز المغلق.. كل هذا لا يمكن أن يراه من بيده القرار ثم يقرر ببساطة الزج بإنسان فيه دون ضرورة قصوى.

ولا أقول هنا إن الحبس الاحتياطي يجب أن يُلغى تمامًا، لكن المؤكد أنه لا يجوز أن يكون هو القاعدة.

ما نراه حاليًا من حبسٍ احتياطي يمتد لعامين أو أكثر، ثم تبدأ دورة جديدة من التحريات ومحاضر جديدة تفتح الطريق لحبس جديد، يخلق انطباعًا مؤلمًا بأن الحبس الاحتياطي تحول إلى وسيلة إطالة للعقوبة دون محاكمة. هذا يهدد سلامة الإجراءات، ويضرب الثقة في نوايا سلطة التحقيق، ويضع المؤسسة القضائية في موضع الخصم لا الحكم، وهو وضع شديد الخطورة.

لابد من إعادة تشكيل الوعي القانوني والثقافي لدى سلطة التحقيق، بحيث لا يبقى الحبس هو الإجراء الأول أو التلقائي، بل يكون هو الاستثناء، وتكون التدابير البديلة هي الأصل.

هذه التدابير موجودة بالفعل في القانون، لكن نادرًا ما يُلجأ إليها.

ومن هذه البدائل، على سبيل المثال: المنع من مغادرة محل الإقامة، أو الحظر من ارتياد أماكن معينة، أو إلزام المتهم بالتوقيع الدوري في قسم الشرطة التابع له، وهو إجراء بسيط لكنه فعّال في ضمان عدم الهروب من العدالة، ويمكن ربطه بأنظمة مراقبة إلكترونية.

إن إصلاح هذا الملف يبدأ بإعادة بناء "النية القضائية" نفسها، وبإعادة ضبط الميزان بين ضرورات التحقيق وضمانات الحرية.

شرعية العالم تُدار من خلف المصالح.. وغزة فضحت عجز العدالة الدولية

حقوق الإنسان في مصر

هذا يحيلنا إلى أوضاع حقوق الإنسان في مصر في ظل الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان.. ما تقييمك لها؟

حقوق الإنسان في مصر تمرّ بأزمة شديدة.

الأزمة لا تقتصر على جانب الحقوق المدنية والسياسية، كما قد يتبادر إلى الأذهان، بل تشمل بدرجة أكبر وأخطر الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وهي التي تمسّ المواطن المصري في حياته اليومية بشكل مباشر وعنيف.

أبدأ معك بالحق في الصحة، الذي يُمثّل أحد أوجه الأزمة الكبرى. ومن واقع تجربتي الشخصية، رأيتُ بعيني كيف يُعاني الناس الأمرّين.

ننتقل إلى التعليم، وهو جرح مفتوح في الجسد الاجتماعي. كل وليّ أمر اليوم أمام معادلة مستحيلة؛ فلا يتلقّى الطالب تعليمًا حقيقيًا، بل تتشوّه شخصيته التربوية أيضًا.

أما الثقافة، فقد تراجعت إلى حدّ الغياب.

قد تكون هناك جهودٌ مبذولة في إطار ما يُسمّى "الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان"، لكن الواقع يقول إننا نحتاج إلى ما هو أعمق من الخطط: نحتاج إلى ثقافة جديدة، وبيئة سياسية منفتحة وآمنة للمشاركة والتعبير.

حرية التعبير، هي الأخرى، تمرّ بمأزق. وهذه ليست فقط مشكلات قانونية، بل مشكلات ثقافية كذلك.

نحن إزاء أزمة ثقافة مجتمعية. لا القوانين وحدها تستطيع أن تحلّها، ولا الدساتير.

ما لم يتغيّر وعي المجتمع، ويترسّخ فيه احترام الاختلاف وحرية الرأي وحقوق الآخر، فلن تُفلح أي استراتيجية، مهما كانت محكمة.

والدولة – وأنا أقول هذا بإدراك عميق – تواجه تحديات جسيمة من كل الاتجاهات: الغرب، الجنوب، الشرق، والشمال. قضايا الغاز، والأمن القومي، وحروب المياه، كلّها حاضرة في حسابات السلطة. وقد ترى الحكومة أو القيادة السياسية أن فتح المجال العام قد يُهدّد الاستقرار في وقتٍ صعب.

لكن علينا أن نتذكّر أن الدولة بلا مواطن لا وجود لها، كما أن المواطن بلا دولة لا أمان له. هما وجهان لعملة واحدة، ولا بدّ من تحقيق التوازن بين أمن الدولة وحرية المواطن.

نحتاج إلى رؤية متوازنة، تؤمن بأن للرأي قيمة، وأن التعبير ليس خطرًا، وأن الشراكة بين الدولة والمجتمع المدني هي السبيل الوحيد للخروج من الأزمة، لا سيّما في مجال حقوق الإنسان.

الحوار الوطني لم يحقق أهدافه

في ظل خفوت دوره حاليًا.. كيف ترى مستقبل الحوار الوطني وهل فاته قطار التغيير؟

رغم ما أُحيط به من زخم إعلامي وتطلعات جماهيرية، لم يُحدث الحوار الوطني اختراقًا حقيقيًا في القضايا الجوهرية التي تمس الواقع السياسي والاجتماعي في مصر. فعلى خلاف ما كان مرجوًا منه، لم يتحول إلى أداة لترميم الداخل أو لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة.

التوقعات كانت أن يُشكّل هذا الحوار بوابة لحوار سياسي شامل يعيد ترتيب المشهد من الداخل، ويطوي سنوات من الانقسام والاستقطاب التي أنهكت الدولة والمجتمع.

كان من المأمول أن يستند إلى إيمان راسخ بأن جميع الأطراف شركاء في الوطن، وأن الخلاف السياسي لا يرقى إلى حد التخوين، بل هو تعبير مشروع عن التعدد والاختلاف في الرؤى، طالما ظل في إطار القانون والدستور.

من المؤسف أن الحوار لم يفتح الملفات الأهم، وفي مقدمتها ملف المصالحة المجتمعية، وقضايا المسجونين، لا سيما من لم يتورطوا في العنف. فالعقوبة إذا نُفّذت يجب ألا تظل تلاحق الفرد كوصمة اجتماعية دائمة، بل يجب أن نفتح باب العودة إلى المجتمع، انسجامًا مع مبادئ العدالة والإصلاح.

اجتماع مجلس امناء الحوار الوطني والحكومة - فيس بوك
اجتماع مجلس امناء الحوار الوطني والحكومة - فيس بوك

الوضع الداخلي لا يزال محتقنًا، رغم تراجع التهديدات الأمنية. هناك أسر مفجوعة، وأبناء نشأوا في ظل غياب أبائهم، وزوجات ما زلن ينتظرن عودة أحبّتهن. لذا، فإن الوقت قد حان لمبادرة وطنية حقيقية تعيد الثقة لا فقط بين المعارضة والدولة، بل بين كل مكونات المجتمع، بعيدًا عن خطاب الإقصاء أو الاتهام الذي يُبقينا أسرى لزمن مضى، لم يعد يتناسب مع التحديات الراهنة.

إن مواجهة التحديات الإقليمية والدولية تتطلب جبهة داخلية متماسكة، كما فعل الرئيس الراحل أنور السادات حين مهّد لمعركة أكتوبر بقرارات انفتاح سياسي ومجتمعي. فالتماسك الداخلي هو مفتاح أي مشروع وطني، ولا سبيل لتحقيقه بالحوار الوطني بصورته الحالية، الذي يبدو، حتى اللحظة، أقرب إلى عملية استهلاك سياسي لا تُنتج نتائج ملموسة على الأرض.

المشهد العام في مصر

في هذا الإطار، كيف ترى المشهد المصري؟

المشهد العام في مصر يشي بحالة من الانكماش على المستويين القيمي والمؤسسي، وهو ما لا يعكس بالضرورة نظرة تشاؤمية، بل قراءة واقعية لما تمرّ به الدولة من تحديات متشابكة. فالتراجع الملحوظ في القيم والسلوكيات العامة لا يقتصر على مظاهر فردية، بل يمتد ليطال البنية التربوية والثقافية، مؤثرًا بصورة مباشرة على أداء المؤسسات، وعلى رأسها منظومة العدالة.

الخلل في المنظومة القيمية انعكس سلبًا على الكفاءة المهنية والفكرية في قطاعات حيوية مثل القضاء، والتعليم، والإعلام، والإدارة المحلية، ما أدى إلى تآكل الثقة بين المواطن وهذه المؤسسات. ويبدو أن الحلول القانونية وحدها غير كافية لتدارك هذا الانهيار؛ إذ يتطلب الأمر إعادة بناء العقل الجمعي المصري على أسس من الانفتاح والتفكير النقدي، وثقافة تقبل الآخر.

رغم جسامة التحديات، لا تزال الفرص قائمة، شريطة أن تتوافر الإرادة السياسية للإصلاح، إلى جانب وعي مجتمعي حقيقي بالمخاطر التي تحدق بمستقبل البلاد. فلا يمكن تصور دولة قوية دون مجتمع حر، ولا عدالة مستدامة دون ثقافة تؤمن بالعدل، ولا نهضة حقيقية دون توازن بين الحرية والمسؤولية.

إصلاح المشهد يبدأ من الجامعات والمؤسسات التربوية والدينية، التي يفترض أن تُعاد لها مكانتها كمحاضن للتفكير الحر وتكوين الوعي الوطني. ولعلّ أحد مفاتيح الإصلاح يكمن في استعادة استقلال القرار الأكاديمي، عبر السماح بانتخابات حرة للعمداء ورؤساء الجامعات، وضمان الحريات داخل الحرم الجامعي، بما يعيد للجامعات دورها كمراكز إنتاج للمعرفة لا كمصانع لتخريج موظفين.

إن الاستثمار في الإنسان المصري يبدأ من إعادة الاعتبار لقيم التربية والعدالة والتعليم، وهي المعارك الحقيقية التي يجب أن تخوضها الدولة إذا أرادت بناء مجتمع منتج ومتماسك وقادر على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

المسار الديمقراطي

هل نحن في حاجة إلى استعادة المسار الديمقراطي كما يطالب البعض؟

المسار الديمقراطي في مصر يواجه، في اللحظة الراهنة، تحديات جوهرية؛ فغياب النظر السياسي العميق يمثّل العقبة الأولى أمام أي تقدُّم حقيقي نحو الديمقراطية.

المشكلة الأساسية أننا لم نخلق بيئة حاضنة للتجربة السياسية، ولا نمتلك البنية التي تسمح للناس بالتدرّب على الممارسة الديمقراطية الحقيقية.

الممارسة السياسية ليست مجرد هواية أو نشاط وقتي، بل هي التزام ومسؤولية تتطلب إدراكًا عميقًا لطبيعة الكلمة وأثرها. فالكلمة في السياسة مسؤولية، ويجب أن تُقال بعد دراسة وتبصّر، لا أن تُلقى جزافًا فتتحول إلى دعاية أو مادة للمناورة.

الحركة المدنية الديمقراطية
الحركة المدنية الديمقراطية

اليوم، إذا نظرنا إلى الحوار السياسي السائد، نكتشف حالة من الهشاشة والضحالة الفكرية، تعكس غيابًا للوعي السياسي الجاد، وهي حالة تعيق بالضرورة إمكانية استعادة المسار الديمقراطي.

لا يمكن اختزال الديمقراطية في مجرد شعارات أو ديكورات مؤسساتية؛ بل يجب أن تُبنى على أسس تعليمية وثقافية سليمة، وفي مناخ يضمن حرية التعبير، وتداول السلطة، والشفافية.

نحن أمام تصوُّر ضيّق للسياسة، حيث يتم اختزالها في فكرة "المعارضة" فقط، في حين أن العمل السياسي أوسع بكثير من مجرد الاعتراض؛ فهو حوار، وتفاوض، وتراكم معرفي، ومشاركة حقيقية في صنع القرار.

لكن، في ظل غياب الفرصة، وتهميش صوت الشباب، واختزال التأهيل السياسي في برامج لا تُتاح للجميع — مثل برنامج "تأهيل الشباب للقيادة"، الذي تحكمه اعتبارات أمنية وتنظيمية مغلقة — فإننا نغلق الأبواب أمام أي تجديد سياسي حقيقي.

واستعادة المسار الديمقراطي لن تحدث تلقائيًا، بل تتطلب إرادة سياسية واضحة وفعلية من الدولة أولًا، ومن الفاعلين السياسيين والمجتمعيين ثانيًا.

نحن بحاجة إلى بناء سياسي تدريجي، يبدأ من المحليات إلى البرلمان، ويعتمد على التدريب والاحتكاك، لا على الإقصاء والتهميش. كما أننا بحاجة إلى خلق حياة حزبية حقيقية وفاعلة، من خلال دعم الأحزاب الجادة، وتوفير مناخ يسمح لها بالنمو والاندماج، لا التشظي والتفكك.

غزة فضحت عجز العدالة الدولية

ختامًا، كرجل عدالة، هل يشكّل القانون الدولي طوق نجاة لغزة؟

من الناحية النظرية، يتيح القانون الدولي عدة مسارات يمكن أن تشكّل أدوات لمساءلة مرتكبي الجرائم والانتهاكات بحق المدنيين في غزة، سواء من خلال القانون الدولي الإنساني أو عبر الآليات القضائية مثل المحكمة الجنائية الدولية. إلا أن الإشكالية لا تكمن في غياب النصوص، بل في محدودية تطبيقها وغياب الإرادة السياسية القادرة على فرضها.

القانون الدولي بفروعه المختلفة - كالقانون الدولي العام، والقانون الدولي الإنساني، والقانون الجنائي الدولي - يضع قواعد واضحة تجرّم ممارسات الاحتلال من قتل المدنيين، وتهجيرهم قسرًا، واستهداف المنشآت الطبية والتعليمية، وهي أفعال تصنَّف صراحة في نظام روما الأساسي باعتبارها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

صورة مكسورة من غزة (تصميم سلمى الطوبجي)

غير أن تفعيل هذه النصوص يصطدم بعقبة رئيسية: من يملك سلطة إلزام الجناة بالمثول أمام العدالة الدولية؟ ومن يضمن تنفيذ القرارات الصادرة عن المحكمة الجنائية أو مجلس الأمن؟ في ظل هيمنة الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، على القرار الدولي، أصبحت الشرعية القانونية رهينة لمعادلات القوة والمصالح الاستراتيجية، ما يمنح الكيان الإسرائيلي عمليًا نوعًا من "الحصانة السياسية" تمنع إخضاعه لأي مسار قانوني فعال.

حتى المحكمة الجنائية الدولية، التي يُفترض أنها هيئة مستقلة، تبدو مكبّلة بضغوط سياسية، ومترددة في فتح تحقيقات جادة ضد مسؤولين إسرائيليين رغم وفرة الأدلة، وتوافر ملفات موثقة، وشهادات تؤكد ارتكاب انتهاكات ممنهجة.

رغم ذلك، فإن التمسك بالمسار القانوني الدولي يبقى خيارًا لا غنى عنه، ليس باعتباره حلاً سريعًا، بل بوصفه أداة استراتيجية لتثبيت الحقوق، وتسجيل الجرائم، ومنع تسويق الرواية الإسرائيلية في المحافل الدولية.

كل إجراء قانوني - مهما بدا رمزيًا - يشكّل لبنة في مواجهة تسييس العدالة، ويسهم في مقاومة اختطاف القانون الدولي من قبل قوى الهيمنة. فالنضال القانوني، من خلال التوثيق، وتقديم الشكاوى، ومخاطبة الرأي العام العالمي، والضغط على المنظمات الدولية، لا يُعد ترفًا حقوقيًا، بل ضرورة سياسية وأخلاقية تسهم في صون الحق، وتكشف الجريمة، وتحافظ على ذاكرة الضحايا من النسيان.

 

 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة