مع اقتراب ذروة الاستهلاك الصيفي، تحاول الحكومة تأمين الاحتياجات المتزايدة من الغاز الطبيعي، في مواجهة تراجع الإنتاج المحلي وارتفاع الطلب. وهي في هذا تتبنى استراتيجية متعددة المحاور، تتضمن تحفيز الاستثمارات الأجنبية في قطاع الاستكشاف والإنتاج، وتأمين إمدادات خارجية عاجلة وطويلة الأمد، وتوسيع البنية التحتية لاستقبال الغاز المسال. فهل تنجح مساعيها لتوسيع البنية التحتية الحيوية لاستقبال الغاز المسال في الوقت المناسب لتجنب لجوء جديد لتخفيف الأحمال؟ وإلى أي مدى يمكن لهذه الإجراءات أن تسد الفجوة الحرجة؟ وما هي رؤى الخبراء حول التحديات الآنية والفرص المستقبلية الماثلة أمام قطاع الطاقة المصري؟
إغراءات لجذب استثمارات الغاز
في الفترة الأخيرة، كثفت الحكومة عمليات سداد مستحقات شركات النفط الأجنبية المتأخرة، ووفرت لهذا الغرض 1.2 مليار دولار؛ ما يرفع إجمالي المبالغ التي سددتها مصر خلال عامين إلى 5.7 مليار دولار.
كما سمحت وزارة البترول لشركة "إكسون موبيل" الأمريكية بزيادة حصتها؛ بتنمية منطقتي "كايرو" و"مصري" في البحر المتوسط، من 15% إلى 40% من الإنتاج لتحفيزها على تسريع خطط التنمية والاستكشاف؛ سدًا لاحتياجات البلاد من الغاز الطبيعي وزيادة أسعار شرائه.
وفي الوقت ذاته، قررت الحكومة زيادة سعر شراء إنتاجها شركات الأجنبية، إذ زادت سعر الشراء من "إيني" الإيطالية من مناطق الامتياز البرية، بنسبة 60%؛ ليصل إلى 4.25 دولار للمليون وحدة حرارية، بدلًا من 2.65 دولار.
وزادت سعر شراء الغاز المُستخرج حديثًا من حقول 3 شركات؛ هي "أباتشي" الأمريكية، و"كايرون بتروليوم" الإنجليزية، و"آي بي آر الوسطاني للبترول" التابعة لمجموعة "آي بي آر" للطاقة، بنحو 61%؛ ليصل سعر المليون وحدة حرارية بريطانية إلى 4.25 دولار مقابل 2.65 دولار في المتوسط بالاتفاقيات السابقة.
وشملت القرارات الحكومية أيضًا زيادة فترة استرجاع تكاليف المشروع لنحو 7 سنوات بدلًا من 5 سنوات، من أجل تشجيع الشركة على زيادة استثماراتها والإسراع في عمليات التنمية.
فترة الاسترداد هي المدة الزمنية التي يستغرقها استرداد تكلفة الاستثمار أو المدة الزمنية التي يحتاجها المستثمر للوصول إلى نقطة التعادل.
وتشير فترات الاسترداد الأقصر إلى استثمارات أكثر جاذبية، في حين أن فترات الاسترداد الأطول أقل استحسانًا. ويتم حساب فترة الاسترداد عن طريق تقسيم مبلغ الاستثمار على التدفق النقدي السنوي. وتُستخدم فترة الاسترداد عادةً من قبل المستثمرين والمحترفين الماليين والشركات لحساب عوائد الاستثمار.
وبالتزامن مع الدعم المستمر للشركات الأجنبية العاملة في التنقيب بمصر، تعتزم الحكومة توقيع عقود طويلة الأجل لتوريد الغاز الطبيعي من الجانب القطري بما يسهم في تأمين إمدادات الغاز الطبيعي لتلبية الاحتياجات المحلية.
وقد طالب المهندس كريم بدوي وزير البترول والثروة المعدنية، خلال زيارة الدوحة أخيرًا، بدور قطري أكبر في مجال البحث والاستكشاف وزيادة معدلات الإنتاج من مناطق الامتياز التابعة لشركة قطر للطاقة في مصر، لا سيما وأن شركة قطر للطاقة عضو رئيسي ببوابة مصر للاستكشاف والإنتاج.
توسيع محطات التغويز لتعزيز الواردات
كذلك، وقعت الحكومة عقد استئجار لمحطة عائمة ثالثة لمعالجة واردات الغاز الطبيعي المسال. وقالت وزارة الاقتصاد الألمانية إن وحدة التخزين العائمة وإعادة التغويز "إنيرجوس باور" تم تأجيرها من الباطن لصالح مصر بموجب عقد بين الوزارة والشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية "إيجاس".
- التغويز هو تحويل الغاز من الصورة السائلة إلى الغازية.
وتستقبل مصر سفينة التغويز التركية "بوتاش" خلال يونيو المقبل، لتزويد السوق بإمدادات تصل إلى 500 مليون قدم مكعب يوميًا من الغاز؛ سعيًا لتعزيز قدرات توليد الكهرباء خلال الصيف المقبل .
كما وقعت "إيجاس"، اتفاقية مع شركة "نيوفورترس" الأمريكية، لاستئجار وحدة تغييز عائمة جديدة والتي من المقرر أن يتمركز تشغيل الوحدة على الرصيف البحري لميناء سوميد في العين السخنة، ومن المتوقع بدء عملياتها خلال النصف الثاني من عام 2025 بهدف استقبال وتخزين الغاز الطبيعي المسال وإعادته الي الحالة الغازية.
ومن شأن هذه المحطات الجديدة أن تُعزّز من إقبال مصر المتزايد على شراء الغاز الطبيعي المسال من السوق الفورية، في الوقت الذي تسعى فيه وزارة البترول لتوسيع وارداتها من الغاز المسال وضخه في الشبكة القومية.
تراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى 4.1 مليار قدم مكعب يوميًا، فيما تبلغ الاحتياجات اليومية حوالي 6.4 مليار قدم مكعبة، وترتفع بشكل أساسي في فصل الصيف إلى حوالي 7 مليارات قدم مكعب يوميًا، في ذروة الاستهلاك خلال شهر يوليو.
الغاز القبرصي.. فرصة أخرى لتعويض النقص
وتراهن الحكومة على توقيع اتفاقيتين جديدتين للتوريد مع قبرص؛ تلبيةً للطلب المتزايد على الطاقة في مصر، إذ تشمل صفقات التوريد القبرصية التطوير المشترك لحقل غاز كرونوس، وتديره شركة إيني، وتم اكتشافه عام 2022 في القطاع البحري القبرصي رقم 6، بموجب اتفاقية ملزمة للحكومة المضيفة "قبرص".
ومن المرجح أن يتم إنتاج اكتشاف كرونوس الذي يبلغ حجمه 2.5 تريليون قدم مكعب من خلال البنية التحتية البحرية الحالية المرتبطة بتطوير حقل ظهر التابع لشركة إيني قبالة مصر، ثم يتدفق الغاز إلى مصنع تسييل دمياط على ساحل البحر الأبيض المتوسط في مصر.
وتغطي مذكرة تفاهم ثانية غير ملزمة تطوير حقل أفروديت التابع لشركة شيفرون، والذي يحوي 3.5 تريليون قدم مكعب واتفق الطرفان على "مواصلة المفاوضات" بشأن تصدير حوالي 800 مليون قدم مكعب يوميًا من الغاز إلى مصر.
وتعتمد كلتا الصفقتين على موافقة مصر للسماح بإعادة تصدير الغاز الطبيعي المسال، ما يمنح القاهرة اليد العليا في التفاوض على مستقبل أي صادرات للغاز الطبيعي المسال من شرق البحر الأبيض المتوسط، نظرًا لتاريخ مصر في تحويل المواد الخام للغاز من المحطات إلى شبكتها، وفقًا لـ مصادر قبرصية رفيعة المستوى.
ملف الطاقة.. مزيج غير متجانس
يقول الدكتور أحمد سلطان، خبير النفط والطاقة، إن استهلاك الكهرباء في مصر عادةً ما يتراوح حول 31 جيجاوات في الظروف الطبيعية، إلا أن هذه المعدلات شهدت قفزة ملحوظة خلال صيف العام الماضي، ووصلت إلى ما بين 37 و40 جيجاوات، ما يمثل زيادة بنحو 12% مقارنة بعام 2022. بينما يؤكد أن هذا الارتفاع غير المعتاد في الطلب استلزم توفير كميات إضافية من الغاز الطبيعي والوقود لتغطية الفجوة.

ويشير إلى أن النقص الحاد في إمدادات الغاز الطبيعي مثّل إحدى أكثر الأزمات إلحاحًا التي واجهها الاقتصاد المصري خلال الصيف الماضي، في وقت يشهد فيه البلد نموًا سكانيًا سريعًا يرافقه تصاعد غير مسبوق في استهلاك الكهرباء.
ويضيف سلطان، في حديثه لـ فكر تاني، أن الحكومة وجدت نفسها أمام معضلتين متداخلتين: الأولى تتعلق بتوزيع الغاز بين التصدير والاستهلاك المحلي، والثانية بموازنة النمو السنوي في الطلب المحلي مع التراجع الطبيعي في إنتاج الغاز، نتيجة تقادم الحقول وتأثيرات الخزان الطبيعي.
اقرأ أيضًا: غاز مصر.. هل دقت ساعة الأزمة؟
وبينما يلفت إلى عدد السكان الذي تجاوز 107 ملايين نسمة، والتوسع في استخدام الغاز في القطاعات المختلفة، وهما عاملان ساهما في تفاقم التحديات، يقول إن البلاد شهدت خلال العام الماضي مزيجًا غير متجانس من العوامل الضاغطة، أبرزها تراجع إنتاج الغاز الطبيعي، وارتفاع درجات الحرارة بشكل قياسي، وازدياد غير مسبوق في الطلب على الطاقة.
ويؤكد سلطان أن الحكومة تحاول التصدي لهذه التحديات عبر تنويع مصادر الطاقة والعمل على تقليص الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، بما يعزز من أمن الطاقة الوطني في منطقة تشهد توترات إقليمية متكررة.
ويضيف أن جذب الاستثمارات الأجنبية في قطاع الغاز الطبيعي يمثل خيارًا استراتيجيًا لمصر في سعيها لتحقيق الاكتفاء الذاتي، نظرًا للدور المحوري الذي يلعبه الغاز في توليد الكهرباء وتشغيل الصناعات. وشدد على أن استعادة مستويات إنتاج الغاز مرهونة بالاكتشافات التجارية الجديدة، على غرار حقل "ظهر"، مع ضرورة تسريع عمليات تنمية الحقول الحالية وربط الاكتشافات الجديدة بخريطة الإنتاج.
أزمة الغاز.. هل هناك حلول؟
ووفق المهندس عمر الجمال خبير الطاقة، فإن قطاع الطاقة في مصر يمر بمنعطف حاسم، إذ شهد إنتاج الغاز المحلي تراجعًا نتيجة التحديات التقنية المتزايدة في الحقول القديمة، في وقت يتصاعد فيه الطلب المحلي بفعل التوسع الصناعي، والنمو الاقتصادي، والزيادة السكانية المستمرة.
ورغم هذه الضغوط، يشدد الجمال على أن مصر لا تزال تستند إلى قاعدة صلبة في قطاع الطاقة، بفضل بنية تحتية متطورة، وموقع جغرافي استراتيجي يربط بين قارات عدة، إضافة إلى تبني الدولة نهجًا مرنًا وديناميكيًا للتعامل مع التحديات وتحويلها إلى فرص.
ويعرب الجمال، في حديثه لـ فكر تاني، عن تفاؤله بإمكانات مصر في استعادة دورها كمركز إقليمي للطاقة، مشيرًا إلى أن شرق البحر المتوسط ما زال يُعد من أبرز المناطق الواعدة لاكتشافات الغاز الطبيعي. ويؤكد أن الشراكات مع كبرى الشركات العالمية في قطاع الطاقة من شأنها أن تسهم في تحقيق اكتشافات جديدة تُعزز الاحتياطيات وتدعم الاستقرار الطاقوي على المدى الطويل.
ويضيف أنه بفضل تقنيات الاستكشاف المتقدمة، وتحليل البيانات المُحسّن، والاستثمار المستمر في تطوير الحقول البحرية، تتمتع مصر بفرصة قوية لاكتشاف حقول غاز جديدة وكبيرة، ومن خلال الخطوات الاستراتيجية الصحيحة، لا تستطيع مصر فقط استعادة وضعها من ناحية الاكتفاء الذاتي، بل أيضًا تعزيز دورها كمصدر رئيسي للغاز الطبيعي في المنطقة.
ويرى أن الحكومة في هذا الشأن تتخذ خطوات استباقية لضمان استدامة الطاقة على المدى الطويل، بفضل وجود دفعة قوية لتعزيز أنشطة الاستكشاف والإنتاج، مع التركيز بشكل خاص على احتياطيات المياه العميقة غير المستغلة في البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، وبالإضافة إلى ذلك، تستثمر مصر بكثافة في مشاريع الطاقة المتجددة، مثل مزارع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لتنويع مزيج الطاقة وتقليل الاعتماد على محطات الطاقة التي تعمل بالغاز.