من قلب القاهرة، انطلقت مساء أمس فعاليات ملتقى القاهرة الدولي للحكي، حاملةً معها دفئًا إنسانيًا تعيد عبره الكلمة المنطوقة إلى مكانتها الأولى. وبين موسيقى الطنبورة التي تنبش الذاكرة الشعبية، ومسرح يسائل خلفيات الصورة، وصالونات فكرية تناقش الموت والحضارة، وندوات تُعيد إحياء التصوف والتراث وتضعه في مواجهة العصر، لا يكفّ المشهد الثقافي المصري عن التمدد. في هذه النشرة، نرصد تنقلات الثقافة ما بين الفوتوغرافيا والحرافيش، وما بين الشعر والموسيقى، في أيام تحمل زخمًا يُشبه روح المدينة: متعدّدة، ونابضة لا تهدأ.
إلى مزيد من التفاصيل..

أخبار الفن والثقافة
*ارتفع الستار أمس الأربعاء في السابعة مساءً على المسرح القومي بالعتبة، وبدأت أولى ليالي ملتقى القاهرة الدولي للحكي، الذي تنظمه مؤسسات "اسمعونا" و"بيت الحواديت" و"وصلة" للفنون برعاية وزارة الثقافة، في احتفالية هي الأولى من نوعها في مصر، ويستمر حتى 22 أبريل الجاري.
تحمل هذه الدورة اسم المخرج حسن الجريتلي، مؤسس فرقة "الورشة المسرحية" وأحد أبرز رواد فن الحكي في مصر، تكريمًا لإسهاماته في هذا المجال.

وبداية الحكايات لميار منصور الحكاءة عن فتاة من الإسكندرية تواجه أزمة مع أحذية الكعب العالي، ثم عرض فيلم تسجيلي بعنوان "احكي" تضمن لقطات مختارة من عروض حكي قدمها عدد من الفنانين، تنوعت موضوعاتها بين تجارب حياتية شخصية، وحكايات عن الأخوة، والذكريات، وتفاصيل الحياة اليومية. شارك في الفيلم مجموعة من الفنانين من بينهم سيد رجب، وشريف دسوقي، وآخرون، حيث عبرت الحكايات عن ملامح إنسانية قريبة من الجمهور.
شارك بالحضور رئيس مجلس أمناء الملتقى الدكتورة إيناس عبد الدايم وزيرة الثقافة الأسبق، والمخرج هشام عطوة رئيس البيت الفني للمسرح، وعدد من الفنانين، وغيرهم من النقاد والإعلاميين والجمهور .
خلال الافتتاح، عبر كل من رئيس الملتقى الفنان عادل حسان، والمدير الفني الفنان محمد عبد الفتاح "كالابالا" عن امتنانهما لكل من ساهم في إعداد وتنظيم هذه الدورة من الملتقى. كما دعوا الحضور للوقوف دقيقة حدادًا على روح الفنان الراحل مصطفى درويش، زوج الفنانة عارفة عبد الرسول، والذي وافته المنية منذ أيام. وأكدا في كلمتيهما أن الراحل كان فنانًا مميزًا، وحكاءً موهوبًا ترك أثرًا لا يُنسى في الساحة الفنية.
في لحظة افتتاح رسمية، ألقت الدكتورة إيناس عبد الدايم كلمتها، مشيدة بهذا الفن الإنساني العابر للغات. قالت في كلمتها إن فن الحكي ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل هو أحد الفنون التي تعبر بصدق عن هوية الإنسان وروحه، وعن ذاكرته الجمعية وعن أحلامه.
جاءت فقرة التكريمات لتمنح الاعتراف والتقدير لأسماء شكلت أثرًا في عالم الحكي، فتم تكريم مشروع عربة الحواديت الذي يقدمه هيثم عبده ربه، إلى جانب ثلاثة من صناع الحكاية الآخرين.
كما تم تكريم الفنان شريف الدسوقي، الذي ألقى كلمة مؤثرة عبر فيها عن امتنانه العميق للمخرج والمُعلم حسن الجريتلي، ودعا الجمهور لحضور عرضه يوم السبت، مؤكدًا أن الحكاية مستمرة.
أما الفنان سيد رجب، فكانت كلمته لحظة صادقة من الامتنان، وجه فيها تحية إلى الحاكي الأكبر الفنان حسن الجريتلي، واصفًا إياه بـ معلمه وأستاذه، مشيرًا إلى أن وجوده اليوم في الملتقى هو امتداد لتلك الرحلة التي بدأت منذ سنوات في الورشة.

واُختتم اليوم بعرض فني لفرقة الورشة بقيادة حسن الجريتلي، الذي أعاد الجمهور إلى لحظات من الحنين والصدق، وتحدث خلال عرضه عن علاقة الفرقة بالفنان سيد رجب، مؤكدًا أن ما يحدث في القاهرة اليوم لا ينفصل أبدًا عن الألم الجاري في غزة وفلسطين.
وفي واحدة من اللحظات المؤثرة، قدم الشاب بهاء حكاية طفل من غزة، تركت في النفوس أثرًا عميقًا.في اليوم الأول من الملتقى، لم يكن الحكي مجرد عرض.. بل طقس إنساني حي، ومكان للذاكرة والمقاومة، ومساحة للدفء.
وجه الفنان شريف الدسوقي في حديثه فكّر تاني، دعوة مفتوحة للجمهور لحضور عرضه المرتقب يوم السبت المقبل، مؤكدًا على أهمية فن الحكي بوصفه فنًا بسيطًا ونقيًا، وخاليًا من التعقيدات. وأوضح أن هذا الفن يعتمد بشكل أساسي على الموهبة الفطرية والصدق في الأداء، معربًا عن رغبته العميقة في أن يصل فن الحكي إلى جمهور أوسع، خاصةً أن هناك جيلًا كاملًا، كما قال، لا يعرف شيئًا عن هذا الفن الأصيل، الذي يحمل في طياته الذاكرة والهوية والدفء.
وأثناء الاستماع إلى آراء الحضور، عبر أحد المشاركين عن سعادته البالغة بالمشاركة في الملتقى لـ فكّر تاني، واعتبره خطوة مهمة نحو إحياء فن الحكي وإعادة تقديمه إلى الناس بصورة معاصرة. وأوضح أن الملتقى يفتح نافذة جديدة لهذا الفن، تُقربه من الجمهور وتكسر الصورة النمطية التي قد تحيط به، ما يسهم في إبراز جمالياته وبساطته. كما أعرب عن امتنانه لكونه جزءًا من هذا الحدث، لا سيما بصفته أحد ممارسي فن الحكي، مؤكدًا أن مثل هذه الفعاليات تمنح الرواة طاقة متجددة، ومساحة حقيقية للتعبير والتواصل الإنساني العميق مع الجمهور.
وفي حديثه مع فكّر تاني، أكد محمد عبد الفتاح المدير الفني للملتقى على أهميته في جذب اهتمام الجمهور لهذا الفن العريق، مشيرًا إلى أن الحكي لم يعد مجرد قصة تُروى، بل أصبح أداة فعالة تدخل في العديد من المجالات الحيوية.
وأوضح عبد الفتاح أنه قدم مؤخرًا ورشة حكي في أحد المراكز الطبية، استهدفت مقدمي الدعم النفسي، حيث استُخدم الحكي كوسيلة من وسائل العلاج النفسي، كما عمل مع صحفيين ومحامين لتطوير مهاراتهم في السرد، لما للحكي من قدرة على توصيل المعنى وتعزيز التأثير.

وأشار إلى أن فكرة الحكي تتجاوز السرد التقليدي، فهي شكل من أشكال التعبير المرتبط بالهوية والذاكرة الإنسانية. ويرى عبد الفتاح أن الملتقى يشكل فرصة حقيقية لتوسيع مساحة الحكي في المجتمع، وجعل هذا الفن أكثر حضورًا وانتشارًا بين الناس.
وكشف عن خطة قادمة تبدأ في مايو المقبل، تتضمن انتقال ورش الحكي إلى عدد من المحافظات المختلفة، بهدف اكتشاف ودعم الحكائين المحليين الذين يمتلكون مواهب فريدة. فبحسب قوله، هناك من يروي في مجالات التراث والتاريخ، ومن يحكي في قضايا التعليم والهوية، ولكل منهم أسلوبه الخاص وسردياته المميزة، ما يعكس ثراء هذا الفن وتنوعه في أنحاء مصر.
ورأت إحدى الحاضرات في حديثها مع فكّر تاني، أن فكرة الملتقى تعد خطوة بالغة الأهمية في مسار فن الحكي، وتُسهم في خلق مساحة حقيقية لظهور المواهب الجديدة، وتفتح آفاقًا أوسع لانتشار هذا الفن الملهم. وأكدت أن مثل هذه الفعاليات تسهم في إعادة إحياء الحكاية كجزء أصيل من الثقافة المصرية.

جدير بالذكر أن ملتقى القاهرة الدولي للحكي تحت رعاية وزارة الثقافة المصرية، ويضم مجلس أمناء تترأسه الدكتورة إيناس عبدالدايم، والسفيرة نبيلة مكرم وزيرة الهجرة الأسبق ورئيسة مجلس أمناء مؤسسة "فاهم" للدعم النفسي"،والشاعر جمال بخيت، والمستشار أحمد حلمي الشريف، والدكتور محمد فتحي رئيس مجلس أمناء مؤسسة "اسمعونا" وأمين عام مجلس الأمناء، والفنانة وفاء الحكيم المشرف العام، والمخرج المسرحي عادل حسان رئيس الملتقى، والفنانة منى سليمان المديرة التنفيذية، والفنان محمد عبد الفتاح (كالابالا) المدير الفني.
وتتضمن الدورة الأولى، مجموعة متنوعة من الفعاليات، تشمل ورشًا للحكي، والعروض الفنية، والدورات التدريبية حول فنون الحكي المختلفة ويقام حفل الختام على مسرح السامر بالعجوزة ويشهد تكريم خاص للحكاءة عارفة عبد الرسول، فضلا عن تكريم اسمي الراحلين رمضان خاطر، وسهام عبد السلام.
*افتتح الدكتور أحمد فؤاد هنو وزير الثقافة، أمس الأول بقصر الفنون -دار الأوبرا المصرية "ترينالي مصر الدولي السادس للطبعة الفنية"، الذي يعود إلى ساحة الفعاليات بعد توقف دام 19 عامًا وينظمه قطاع الفنون التشكيلية برئاسة الدكتور وليد قانوش، ويشارك فيه أكثر من 200 فنان من 35 دولة، ليعرضوا نحو 350 عملًا فنيًا، في دورة تمتد لشهرين.
حضر حفل الافتتاح عدد من السفراء والدبلوماسيين، منهم السفير صالح بن عيد الحصيني، سفير المملكة العربية السعودية؛ والسفيرة فوزية بنت عبد الله زينل، سفيرة مملكة البحرين؛ والسفير أمجد العضايلة، سفير المملكة الأردنية الهاشمية؛ والسفير دينيس توسكانو أموريس، سفير دولة الإكوادور؛ ونائب سفير جمهورية باكستان.
أيضًا في حضور الدكتور وائل عبد الصبور، القوميسير العام للترينالي؛ والدكتور هاني الأشقر، قوميسير الجناح المصري؛ وأعضاء لجنة التحكيم الدولية برئاسة الدكتور أحمد نوار، بالإضافة إلى عدد من ممثلي الدول المشاركة، وعمداء وأساتذة كليات الفنون، وكوكبة من الفنانين.
*أعلنت "بيت الحكمة" للثقافة عن وصول رواية "11 مهمة لاستعادة العالم" للكاتب علي قطب ورسوم الفنانة نرمين بهاء، ورواية "حلم الآنسة واو" للكاتب عادل موسى ورسوم الفنانة سمر صلاح الدين، من إصدارات بيت الحكمة للثقافة إلى القائمة الطويلة لجائزة الملتقى العربي لناشري كتب الأطفال، في دورته الثانية عشر.

اقرأ أيضًا:النشرة الثقافية..من القاهرة لأسوان “محفوظ في القلب” و”الست” لأفلام المرأة
فعاليات
*17 أبريل: تُحيي فرقة الطنبورة أمسية موسيقية مميزة تقدم خلالها باقة من أغاني التراث المصري المشبعة بمزيج من الشجن والبهجة، وذلك على مسرح الضمة، في تمام الساعة التاسعة مساءً.
*17 أبريل: ينظم صالون "Artery – شريان الفن" ندوة بعنوان "سؤال الموت: بين القصيدة والقصة القصيرة"، وذلك في تمام السابعة مساءً بمركز نوار الفني، يدور النقاش حول سؤال الموت في الشعر والقصة القصيرة مع الشاعر والناقد الدكتور حسام جايل، ومقاربة المجموعة القصصية "زغرودة تليق بجنازة" للأديب الدكتور أحمد إبراهيم الشريف، ومختارات من شعر محمود درويش مع الشاعر والمترجم أسامة جاد ويدير النقاش الكاتب والناقد أحمد حلمي.
*17 و 18 أبريل: تقدم فرقة مسرح القصر العرض المسرحي "روح الصورة"، من تأليف وإخراج محمود جمال حديني،على مسرح الهوسابير في تمام الساعة الثامنة مساءً. ويتناول العرض فكرة الشخصيات الهامشية في الخلفية السينمائية، عبر طرح تساؤلات حول أحلامهم ومكانهم في ذاكرة الصورة.
*19 أبريل: تنطلق جولة "كوزموس للسينما" من التاسعة صباحًا حتى الرابعة عصرًا، وتقدم تجربة فريدة لعشاق السينما تشمل زيارة مواقع تصوير، واستوديوهات سينمائية، ودور عرض عريقة، إلى جانب فيلم قصير ووقفة طعام، احتفاءً بأكثر من 100 عام من الإبداع السينمائي في مصر.

*19 أبريل: يعقد مركز التراث "تكية مسافر" ندوة ثقافية بعنوان "الصوفية في الإسلام ومفهوم التكية"، في السادسة مساءً، يلقيها الدكتور فهر محمود شاكر أستاذ الأدب العربي بكلية الآداب جامعة القاهرة، والمتخصص في الأدب العربي القديم.
*22 أبريل: ينظم نادي الساقية للفلسفة لقاءً بعنوان "صورة الحضارة المصرية في إيطاليا"، في السادسة والنصف مساءً. يدير اللقاء الدكتور الصاوي الصاوي أحمد، ويشارك فيه الأستاذ الدكتور سامح الطنطاوي، أستاذ الفلسفة وعلم الجمال بجامعة حلوان.
*23 أبريل: بمناسبة يوم التراث العالمي، ينظم مركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي بالتعاون مع كلية الآثار بجامعة عين شمس ندوة بعنوان "فن توثيق التراث: من الخبرة إلى الابتكار"، وذلك في الحادية عشر صباحًا بقاعة 171 في الكلية.
تتضمن الندوة عرضًا تقديميًا للدكتور أيمن سليمان، وجلسات تناقش الذكاء الاصطناعي، وتوثيق التراث الوثائقي، والتجربة الرقمية لمركز CULTNAT.
*23 أبريل: يستضيف ملتقى الفوتوغرافيا المصور محمد بدران في ندوة بعنوان "الحياة البرية بلا حدود"، ويدير اللقاء المصور محمد هشام، وذلك في السادسة مساءً بقاعة الكلمة في ساقية الصاوي.
*23 أبريل: تستضيف مكتبة ديوان بفرعها في الزمالك، في السابعة مساءً، الندوة الرابعة من برنامج "ديوان محفوظ" في حضور الكاتب والمترجم أحمد عبد اللطيف، لمناقشة ملحمة "الحرافيش" عبر عدة محاور: المجاز في رواية الحرافيش، وهل واقعية محفوظ أدب واقعي؟ وكيف صاغت الحرافيش الأسئلة الكبرى في عالم ملموس؟. إلى جانب تتبع أثر السؤال الوجودي حتى رواية الحرافيش، والرؤية المحفوظية لقاهرة الحرافيش. وهل تختلف الرؤية المحفوظية عن قاهرة القرن العشرين؟ وأخيرًا قيمة الحرافيش في الأدب العالمي عبر الترجمات المختلفة والرؤى المختلفة لها عالميا. تدير النقاش مديرة البرنامج الكاتبة هبة عبد العليم.
*25 أبريل: تقدّم فرقة الحضرة ليلة روحية من ليالي الذكر والمديح، في قبة الغوري المجاورة للجامع الأزهر والمواجهة للمقام الحسيني، وسط أجواء روحانية تبدأ في السابعة والنصف مساءً وتستمر حتى العاشرة.
اقرأ أيضًا:النشرة الثقافية.. ثمانية فصول من تاريخ الأسطورة المصرية.. وسينما العيد
يصدر قريبًا
*عن بيت الحكمة للثقافة المجموعة القصصية "خوف بارد" للكاتبة والصحفية الإماراتية عائشة سلطان، عبر الواقعية الحية والخيال تتناول المجموعة قصصا تنتقل بين الموضوعات لتكتشف الرهافة في طابع الإنسان وتكشف عن وجوه متعددة لما اعتدنا رؤيته من منظور واحد.

ومن أجواء المجموعة: "عندما يخيم الضباب على حيِّهم في الشتاء لعدة أيام ويعتم الحي، أو لا تمطر السماء لمواسم متتالية ولا تظهر الشمس لأيام، يجتمع كبارهم ويتشاورون، ثم يشيعون أن هناك من ارتكب معصية أو خطأ وأن هذا جزاء ذاك، وعليه فإن على صاحب الخطيئة أن يعترف بخطئه واضعًا خرقة على فمه يتمتم فيها بما فعل حرصًا على ألا يفتضح أمره، ثم يربط الخرقة ويذهب وحده إلى مكان في الخلاء البعيد عن الحي خصَّصوه لذلك، فيفتح تلك الخرقة كأنما يُبدِّد خطيئته في الهواء وينثرها بعيدًا لتحملها رياح الشتاء فيتطهر الحي وينفك الكرب وينقشع الضباب، وربما تساقط المطر.
وفي أحد أيام الضباب تلك، فضح أحدهم أمر نفسه حين وقف وسط السوق وقال: أنا السبب في الضباب المخيم عليكم منذ أيام".