لم يكن ربيع السودان الثالث تحت وطأة الحرب نذير أملٍ أو بشير سلام. فبينما كانت البلاد تستعد لتأبين عامين كاملين من الجحيم المتقد، تجددت رائحة البارود ونُذر فصولٍ أشد قتامة، بانقضاض قوات "الدعم السريع" في هجومٍ عنيف، على مدينة الفاشر المحاصرة ومخيمي زمزم وأبو شوك جنوبي مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، حيث مئات الآلاف من الفارين من جحيم القتال في مناطق أخرى، في مذبحة جديدة ربما ترسم ملامح علامة فارقة جديدة، ومنعطفٌ مظلمٌ آخر في دروب هذا الصراع الذي لا ينتهي.
زمزم والفاشر.. ما أسفرت عنه المذبحة
أفادت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، الإثنين، بأن أكثر من 400 شخص قُتلوا في الهجمات التي نفذتها "قوات الدعم السريع" مؤخراً في إقليم دارفور غربي السودان، وفق ما نقلته المفوضية عن ما أسمته "مصادر موثوقة".
وأكدت المتحدثة باسم المفوضية، رافينا شامدساني، في تصريحات لـ"وكالة الصحافة الفرنسية"، أن الفريق التابع للأمم المتحدة في السودان تمكن حتى الآن من التحقق من مقتل 148 شخصًا، لكنها أشارت إلى أن "العدد الحقيقي أعلى بكثير"، وأن "التحقيقات لا تزال جارية"، موضحة أن مصادر متعددة وثقت سقوط أكثر من 400 قتيل.
وفي تطور متصل، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة، الاثنين، أن نحو 400 ألف شخص فروا من مخيم زمزم للنازحين، الواقع في دارفور ويعاني أوضاعًا إنسانية كارثية بفعل المجاعة. وأوضحت المنظمة، التابعة للأمم المتحدة، أن "ما بين 60 ألفًا و80 ألف أسرة" نزحت جراء تدهور الوضع الأمني بعد سيطرة "قوات الدعم السريع" على المخيم، الأحد الماضي.

هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) ركزت على أوضاع الأحياء في هذه المنطقة المنتهكة، فنقلت عن مصطفى، أحد سكان زمزم يبلغ من العمر 34 عامًا وكان يعمل في مطبخ مجتمعي، رسالة صوتية مروعة عبر واتساب صباح الأحد، قال فيها: "الذين كانوا يعملون في المطبخ المجتمعي قُتلوا، وكذلك الأطباء الذين كانوا جزءًا من المبادرة لإعادة فتح المستشفى... عمي وابن عمي قُتلا. الناس مصابون، ولا يوجد دواء أو مستشفى لإنقاذهم – إنهم يموتون من النزيف... القصف لا يزال مستمرًا. نتوقع المزيد من الهجمات في الصباح". وأضاف أن جميع الطرق المؤدية إلى المخيم مغلقة وأنه "محاصر من جميع الاتجاهات الأربعة".
وتأكيد لحجم الدمار، ذكر فريق من المتخصصين في مختبر الأبحاث الإنسانية بكلية ييل للصحة العامة في الولايات المتحدة أن "هذا الهجوم يمثل بشكل مماثل الهجوم الأرضي الأكثر أهمية على زمزم... منذ اندلاع القتال في منطقة الفاشر في ربيع عام 2024". وأشار المختبر إلى ملاحظة أن "هجمات الحرق العمد قد طالت عدة هياكل ومناطق كبيرة من المخيم في الأجزاء الوسطى والجنوبية والجنوبية الشرقية"، مؤكدًا أن المخيم يتعرض الآن "للتدمير الممنهج بنيران الحرق المتعمد من قِبل قوات الدعم السريع".
في المقابل، وكما جرت العادة، نفت قوات الدعم السريع ارتكاب أعمال قتل في المخيم، وأصدرت بيانًا يوم السبت تنفي فيه صحة مقطع فيديو تداوله نشطاء يظهر مقتل مدنيين، معتبرةً إياه "مشاهد تمثيلية لانتهاكات مزعومة.. في محاولة يائسة لتجريم قوات الدعم السريع".
ولاحقًا، يوم الأحد، أعلنت قوات الدعم السريع سيطرتها على المخيم، متهمةً الجيش السوداني باستخدامه "كثكنة عسكرية" و"استخدام المدنيين كدروع بشرية". وقد كانت هذه الرواية متناقضة بشكل صارخ مع شهادات الضحايا وتقارير الأمم المتحدة والمراقبين.
الفاشر وزمزم.. المعركة الأخيرة على دارفور
الهجوم على زمزم وأبو شوك لم يكن عشوائيًا. فهذان المخيمان يعدان من أكبر مخيمات النازحين في دارفور، حيث يؤويان معًا أكثر من 700 ألف شخص، كثير منهم نزحوا مرات عدة هربًا من جحيم الصراعات السابقة والحالية في الإقليم.
أما مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، فهي تكتسب أهمية استراتيجية كبرى كونها آخر مدينة رئيسية في إقليم دارفور الشاسع لا تزال خارج سيطرة قوات الدعم السريع، التي بسطت نفوذها على عواصم الولايات الأربع الأخرى بالإقليم.
ومن هنا، فإن السيطرة على الفاشر تمثل هدفًا استراتيجيًا لقوات الدعم السريع، وفق ما تؤكده الصحفية السودانية أماني محمد صالح، في حديثها لـ فكر تاني، والتي توضح أبعاد هذا الهدف، قائلة: "الدعم يحاول منذ عشرة أشهر الدخول للمعسكر (زمزم). فهو يريد احتلال المعسكر كخطوة أولى لاحتلال الفاشر. زمزم على بعد 10 كيلو تقريبًا من الفاشر".

تتوقع أماني سقوط الفاشر بعد زمزم، ما قد يصل إلى إعلان حكومة الدعم السريع بعد سقوط الفاشر. تقول: "إذا سقطت الفاشر تكون ولايات دارفور الخمسة تحت سيطرة الدعم السريع، وهو ما يُمثل تطورًا خطيرًا".
هذا التحليل يتسق مع التحركات الميدانية والسياسية. إذ تحاصر قوات الدعم السريع تحاصر الفاشر فعليًا منذ مايو 2024، قاطعة الإمدادات ومنفذةً قصفًا متكررًا على المناطق المأهولة بالسكان.
وفي يونيو 2024، أصدر مجلس الأمن الدولي قرارًا يدين الحصار ويحث على حماية المدنيين ووصول المساعدات، لكن قوات الدعم السريع، كما تشير منظمة هيومن رايتس ووتش، تجاهلت هذه الدعوات. وقبل الهجوم الأخير بأيام، ظهر عبد الرحيم دقلو، نائب قائد قوات الدعم السريع وشقيق قائدها محمد حمدان دقلو، في مقاطع فيديو وهو يحشد القوات المشاركة في حصار الفاشر، ما اعتبر استعدادًا للهجوم الواسع الذي وقع بالفعل.
أرقام صادمة وتحذيرات أممية
الهجوم الأخير لم يضف فقط مئات القتلى والجرحى إلى حصيلة الحرب المروعة، بل فاقم من كارثة النزوح والجوع.
المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة أفادت بأن نحو 400 ألف شخص فروا من مخيم زمزم وحده بسبب "تزايد انعدام الأمن"، مشيرةً إلى أن ما بين 60 إلى 80 ألف أسرة نزحت من المخيم.
وقد ذكرت منظمة أطباء بلا حدود الخيرية الطبية أن الكثيرين من هؤلاء الفارين وصلوا إلى بلدة طويلة، على بعد 70 كيلومترًا، وهم يعانون من جفاف شديد، وتحدثوا عن أعمال عنف مروعة شهدوها.
"اثنين من كل ثلاثة أشخاص يحتاجون إلى المساعدة في السودان، أي 30 مليون شخص"؛ قال المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، يانس لاركيه. بينما تحدثت الأمم المتحدة عن نزوح أكثر من 12 مليون شخص داخليًا، وعبّر نحو 4 ملايين آخرين الحدود إلى دول الجوار المنهكة أصلًا، ليصبح السودان أكبر أزمة نزوح في العالم.
ويعاني 25 مليون سوداني من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم 8.5 مليون يواجهون مستويات طارئة أو كارثية تقترب من المجاعة. كما يحتاج 40% من السكان لمساعدات صحية عاجلة في ظل انهيار النظام الصحي.
ولعل الجانب الأكثر إثارة للقلق هو تأثير الحرب على الأطفال. تكشف منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) - في بيان بمناسبة مرور عامين على الحرب - عن عدد الانتهاكات الجسيمة لحقوق الأطفال في السودان، بما في ذلك القتل والتشويه والاختطاف والتجنيد القسري والعنف الجنسي، فتقول إنها ارتفعت بنسبة مذهلة بلغت 1000 في المئة خلال عامين.
وتقول المديرة التنفيذية لليونيسف، كاثرين راسل، إن عامين من الحرب والنزوح "حطّما حياة ملايين الأطفال"، مناشدةً العالم "عدم التخلي عنهم".
وقد وصفت رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ميريانا سبولياريتش، وضع المدنيين بأنهم "عالقون في كابوس لا ينتهي من الموت والدمار". أما بعثة تقصي الحقائق الأممية المستقلة بشأن السودان، فقد حذرت من أن "الفصول الأكثر قتامة لهذا النزاع لم تتكشف بعد".
وكان المفوض السامي لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة، فيليبو جراندي، أكثر مباشرة في تحذيره يوم الثلاثاء، قائلًا إن الاستمرار في غض الطرف عن الوضع في السودان ستكون له "عواقب كارثية" للبلد والمنطقة، بل وحتى لأوروبا عبر تدفقات اللاجئين.
أي قوة خارجية تُمد "الدعم" بوقوده؟
رغم الضربات الموجعة التي تلقتها قوات الدعم السريع في قلب العاصمة الخرطوم ومدن أخرى، ورغم الأنباء عن تراجعها في بعض الجبهات، إلا أن قدرتها على مواصلة القتال، وشن هجمات كبرى كما حدث مؤخرًا في زمزم، يثير تساؤلًا ملحًا يتردد على ألسنة المراقبين والسودانيين على السواء: من أين يأتي وقود هذه الآلة الحربية؟ أي قوة خارجية تُمد "الدعم" بوقوده وتُمكنه من الاستمرار في إشعال فتيل الحرب رغم كل شيء؟
لا يتطلب البحث عن إجابة النظر بعيدًا، فسرعان ما تتجه أصابع الاتهام نحو الخارج، لتبرز الأبعاد الإقليمية والدولية المعقدة لهذا الصراع الدامي. وفي قلب هذه الاتهامات، وبشكل متزايد الوضوح والحدة، تقف دولة الإمارات العربية المتحدة.

قوات الدعم السريع: تسيطر على مناطق باللون الأزرق المخضر، وتمتد في أجزاء كبيرة من غرب البلاد، بما في ذلك دارفور.
الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال (بقيادة الحلو): تسيطر على مناطق باللون الأصفر، خصوصًا في جبال النوبة وجنوب كردفان.
حركة تحرير السودان – جناح عبد الواحد النور: تسيطر على مناطق محدودة باللون.
الحكومة السودانية (الممثلة للجيش) لم تعد تكتفي بالتلميح، بل وجهت اتهامات مباشرة، ونقلت المعركة إلى أعلى هيئة قضائية دولية. وقد وصل الأمر بالحكومة السودانية إلى جرّ الإمارات أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، في خطوة غير مسبوقة، حيث اتهم القائم بأعمال وزير العدل السوداني، معاوية عثمان، الدولة الخليجية بـ"انتهاك اتفاقية منع الإبادة الجماعية" عبر دعمها المزعوم لقوات الدعم السريع في دارفور، مشيرًا إلى أن "إبادة جماعية تُرتكب ضد قبيلة المساليت غربي بلادنا".
ووصف الوزير السوداني الإمارات بأنها "القوة الدافعة" وراء فظائع القتل والاغتصاب والتهجير القسري، مطالبًا بوقف فوري لهذا الدعم المزعوم وتعويض الضحايا الأبرياء.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي تواجه الإمارات مثل هذه الاتهامات؛ فقبل أشهر قليلة من اللجوء إلى لاهاي، كان سفير السودان لدى الأمم المتحدة، الحارث إدريس، يرسم صورة مشابهة أمام مجلس الأمن، مؤكدًا أن الإمارات لا تكتفي بتقديم السلاح للمليشيا، بل توفر لها "دعمًا ماليًا ضخمًا يُستخدم في شراء معدات عسكرية متطورة".
وسخر السفير آنذاك من حديث المندوب الإماراتي عن المساعدات الإنسانية، متسائلًا كيف يمكن تبرير ذلك بينما يستخدم "نشطاء الدعم السريع" هذه الأموال، حسب قوله، "لشراء طائرات لحكومتهم الجديدة المزعومة".
تقول الصحفية السودانية أماني محمد إن "الإمارات لم توقف دعمها لحميدتي"، وتربط هذا الدعم المزعوم بمصالح اقتصادية مباشرة، قائلة: "مطامعها في السودان كثيرة أهمها الذهب الذي يهرب بواسطة الدعم السريع".
ويضيف هذا الربط بين الدعم العسكري والمصالح الاقتصادية طبقة أخرى من التعقيد إلى دوافع التدخل المزعوم.
مؤتمر دولي في غياب المتحاربين
وفي محاولة لمعالجة الأزمة الإنسانية المتفاقمة، استضافت لندن يوم أمس الثلاثاء مؤتمرًا دوليًا شاركت في رئاسته بريطانيا وألمانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي، بمشاركة دول أخرى كالولايات المتحدة والسعودية وممثلين عن الأمم المتحدة، حيث كان الهدف المعلن توحيد الموقف الدولي، وتأمين المزيد من المساعدات، والبدء في رسم مسار لإنهاء الأعمال العدائية.
لكن المؤتمر عُقد في غياب طرفي الصراع الرئيسيين، الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، ما أثار احتجاج الحكومة السودانية التي اتهمت بريطانيا بـ "وضع قوات الدعم السريع على قدم المساواة مع الدولة السودانية". المبرر الذي قدمته وزارة الخارجية الألمانية هو أن الطرفين "غير مستعدين للجلوس إلى طاولة المفاوضات".
أسفر المؤتمر عن تعهدات بمساعدات إضافية، حيث أعلنت بريطانيا عن 120 مليون جنيه استرليني (158 مليون دولار)، وألمانيا عن 125 مليون يورو، لتوفير الغذاء والدواء للمحتاجين. فيما عكست الرسائل السياسية التي صدرت عن المشاركين حجم القلق الدولي؛ إذ قال وزير الخارجية البريطاني ديفيد لامي إنه "خطأ أخلاقي أن نرى هذا العدد الكبير من المدنيين تُقطع رؤوسهم، ويتعرض أطفال رُضّع للعنف الجنسي، ويواجه عدد أكبر من الناس المجاعة... ببساطة، لا يمكننا غضّ البصر عن هذا". وأكدت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك أن النزاع في السودان هو "أكبر كارثة إنسانية في عصرنا".
