القاهرة بين قيود التطبيع وضغوط المقاطعة.. سياسيون يشتبكون مع ملف "حرب غزة"

في خضم العدوان الإسرائيلي المستمر على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر الماضي، وما خلفه من مأساة إنسانية وجرائم حرب وإبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني، تتصاعد في الأوساط السياسية والشعبية المصرية أصوات التحذير من تداعيات اتفاقيتي كامب ديفيد (1979) والكويز (2004).

يرى مراقبون وسياسيون أن هاتين الاتفاقيتين تفرضان قيودًا هيكلية على قدرة القاهرة على اتخاذ مواقف أكثر حزمًا وفعالية تجاه الانتهاكات الإسرائيلية، مما يضع الموقف الرسمي المصري في حالة تناقض صارخ مع الغضب الشعبي العارم والتضامن الواسع مع الفلسطينيين. وتأتي هذه التحذيرات في وقت تشير فيه تقارير وبيانات، وإن كانت محل جدل، إلى استمرار بل وزيادة حجم التبادل التجاري بين مصر وإسرائيل، مما يثير تساؤلات أعمق حول طبيعة العلاقات الاقتصادية والسياسية في ظل الأزمة الراهنة.

في هذا السياق المشحون، شهدت القاهرة مؤخرًا فعاليتين متتاليتين نظمتهما قوى سياسية معارضة، سعتا من خلالهما إلى تسليط الضوء على هذه التناقضات والدعوة إلى مراجعة شاملة للعلاقات مع إسرائيل، سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي، مع الاحتفاء بثقافة المقاومة كخيار استراتيجي وضرورة وجودية.

العلاقات الاقتصادية والتطبيع في زمن الإبادة

نظم حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، أمس السبت، ندوة سياسية حملت عنوانًا دالًا: "نظرة على العلاقات الاقتصادية والتجارية بين مصر والكيان الصهيوني"، وذلك في محاولة لتفكيك الأبعاد الاقتصادية للتطبيع وتأثيراتها في ظل حرب الإبادة المستمرة في غزة.

أدار الندوة القيادي في الحزب حسن بربري، وشارك فيها كمتحدثين رئيسيين كل من زهدي الشامي القيادي البارز في الحزب نفسه، والمهندس عبد العزيز الحسيني القيادي بحزب الكرامة ذي التوجه الناصري.

استعرضت الندوة بشكل نقدي مسار العلاقات الاقتصادية المصرية-الإسرائيلية، بدءًا من اتفاقية كامب ديفيد التي أرست، بحسب المتحدثين، الأساس السياسي والقانوني للتطبيع الاقتصادي، وصولًا إلى اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة (الكويز) التي عمّقت هذه العلاقات.

وأشار زهدي الشامي إلى أن بعض نصوص كامب ديفيد تنص صراحة على التطبيع السياسي والاقتصادي، وهو ما كان محور رفض قطاعات واسعة من المعارضة المصرية للاتفاقية منذ توقيعها.
وأوضح أن هذا المسار أدى إلى تصدير البترول المصري لإسرائيل في مراحل مبكرة، ثم لاحقًا توقيع اتفاقية الكويز التي عززت التبادل التجاري، وصولًا إلى قضية تصدير الغاز المصري لإسرائيل بأسعار زهيدة في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، والمفارقة التي تتمثل في استيراد مصر للغاز لاحقًا من إسرائيل بعد عام 2020.

النقطة الأكثر إثارة للجدل التي طرحها الشامي كانت الإشارة إلى بيانات (لم يحدد مصدرها بدقة خلال مداخلته المقتضبة) تفيد بأن حجم التبادل التجاري بين إسرائيل وخمس دول عربية، من بينها الإمارات ومصر، قد شهد زيادة ملحوظة بعد بدء العدوان على غزة في السابع من أكتوبر.

زهدي الشامي وعبد العزيز الحسيني - خاص فكر تاني
زهدي الشامي وعبد العزيز الحسيني - خاص فكر تاني

شعب يقاطع وحكومة تُطبّع

مدير الندوة حسن بربري، أكد هذا المنحى في تصريحاته لـ فكّر تاني على هامش الفعالية، مشيرًا إلى أن "عمليات التبادل التجاري بين مصر وإسرائيل توسعت في تلك الفترة عن السنين السابقة لـ 7 أكتوبر"، موضحًا أن هذا التوسع شمل تزويد مصر لإسرائيل بسلع غذائية ومواد بناء، مقابل تزويد إسرائيل لمصر بالغاز الطبيعي ومستلزمات إنتاج صناعية.

حسن البربري
حسن البربري

هذا التوسع الرسمي، بحسب بربري، يأتي في وقت يتصاعد فيه زخم حركة المقاطعة الشعبية المصرية والعربية لمنتجات الشركات الداعمة لإسرائيل، والتي ألحقت أضرارًا ملموسة بحجم مبيعات هذه الشركات وأعمالها في السوق المحلية.

ومن هذا المنطلق كان الغرض الأساسي من هذه الندوة، وهو وضع الخطاب السياسي في ظل الإبادة الجماعية لأهلنا في غزة، على ميزان المقارنة بين فكرة الخطاب التضامني مع الشعب الفلسطيني والإجراء الفعلي في هذه المرحلة، كما يقول بربري.

المقاطعة هي الحل

من جهته، صب المهندس عبد العزيز الحسيني، القيادي بحزب الكرامة، جام غضبه على اتفاقية كامب ديفيد، معتبرًا إياها "أس المصائب" التي قيدت مصر وفرضت عليها حتمية التعاون السياسي والاقتصادي مع "العدو الصهيوني". وأكد الحسيني أنه لولا هذه الاتفاقية، لما كان الوضع الإقليمي والدولي على ما هو عليه، ولما حظيت إسرائيل بهذا الاعتراف الدولي.

عبد العزيز الحسيني
عبد العزيز الحسيني

وفيما أشاد الحسيني بقوة بحركة المقاطعة الشعبية وتمسك المصريين بها كأداة ضغط فعالة في مواجهة "جرائم الإبادة الموسعة" في غزة، انتقد بشدة استمرار العلاقات الاقتصادية على المستوى الرسمي والتجاري. وطالب الحسيني بخطوة أبعد من مقاطعة السلع الاستهلاكية، داعيًا إلى مقاطعة شاملة لأي شركة مصرية تتعامل تجاريًا مع إسرائيل و"نبذ أصحابها"، معتبراً أن استمرار 313 شركة مصرية (حسب الرقم الذي ذكره) في التبادل التجاري مع إسرائيل يمثل تناقضًا صارخًا مع الموقف الشعبي.

 

ولم تقتصر انتقادات الحسيني على الجانب الاقتصادي، بل امتدت لتشمل ما وصفه بازدواجية الموقف الرسمي لبعض الدول العربية التي تعلن دعمها للفلسطينيين بينما تشارك في مناورات عسكرية مع الجيش الإسرائيلي، معتبرًا أن "أمريكا هي العدو الرئيسي وإسرائيل هي العدو المباشر"، مستشهدًا بمقولة المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري.

مدحت الزاهد يكرم أسرة الكابتن غزالي - خاص فكر تاني
مدحت الزاهد يكرم أسرة الكابتن غزالي - خاص فكر تاني

احتفاء ثقافي بالمقاومة وتأكيد على استمراريتها

بموازاة النقاش السياسي والاقتصادي، وقبله بيومين، في العاشر من أبريل، نظم حزب التحالف الشعبي الاشتراكي فعالية ثقافية موازية للاحتفاء برمز من رموز المقاومة الشعبية المصرية، الشاعر والفنان محمد أحمد غزالي، المعروف بـ "الكابتن غزالي"، وفرقته "ولاد الأرض"، وذلك بالتزامن مع ذكرى رحيله وذكرى يوم الأرض الفلسطيني.

الكابتن غزالي - مواقع الكترونية
الكابتن غزالي - مواقع الكترونية

حملت الفعالية عنوان "غزالي وولاد الأرض.. قراءة في زمن المقاومة"، وشملت عرضًا للفيلم الوثائقي "ولاد الأرض" للمخرجة هاجر الكراني، وندوة أدبية شارك فيها مدحت الزاهد، رئيس الحزب، والشاعر والكاتب الصحفي علي سعيد، والمؤرخ السويسي أنور فتح الباب، والناقد الأدبي قباري البدري.

افتتح مدحت الزاهد الفعالية بتأكيد أن الاحتفاء بغزالي هو احتفاء بالمقاومة "معنى ومبنى"، مشددًا على أن "المقاومة ضرورة حياة". ووجه الزاهد التحية للمقاومة الفلسطينية الباسلة، مجددًا الدعوة الحزبية إلى "إسقاط كامب ديفيد وتطهير مصر من البعثة الدبلوماسية للعدو الصهيوني". وأوضح الزاهد أن هذه الدعوة ليست بالضرورة دعوة للقتال الفوري، بل للتأكيد على ضرورة الاستعداد له دومًا. وفي لفتة رمزية، قدم الزاهد درع الحزب لأسرة الكابتن غزالي.

دور الفن والكلمة في معركة الوعي والمقاومة

أدار الشاعر علي سعيد الندوة الأدبية، مؤكدًا أن "المقاومة لا تزال مستمرة"، وأن إحياء ذكرى غزالي وفرقته يأتي في سياق هذا الاستمرار، خاصة عبر استضافة تلاميذه ورفاق دربه كالمؤرخ فتح الباب والناقد البدري، اللذين عاصرا تجربته عن قرب.

الناقد قباري البدري ركز في مداخلته على قوة "الكلمة الطلقة" في فن الكابتن غزالي، ودور الفن عمومًا في بث روح المقاومة. وأشاد بتميز تجربة غزالي اللغوية التي وصفها بـ"البسيطة والحادة في الوقت نفسه"، وبانحيازه الواضح "للإنسان ومصر والسويس والمقاومة". واعتبر البدري أن لغة غزالي "مسنونة لكنها مسئولة، لا تحتاج للف والدوران"، وأن استحضار تجربته اليوم، في ظل الحملة العالمية ضد الإبادة في غزة، يكتسب أهمية مضاعفة، فهو "منارة وراية" على طريق المقاومة.

منصة ندوة تكريم الكابتن غزالي - خاص فكر تاني
منصة ندوة تكريم الكابتن غزالي - خاص فكر تاني

من جانبه، استعرض المؤرخ أنور فتح الباب السياق التاريخي الذي برزت فيه تجربة الكابتن غزالي وفرقة "ولاد الأرض" في مدينة السويس الباسلة، بدءًا من مقاومة الاحتلال الإنجليزي وصولًا إلى مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لسيناء بعد هزيمة يونيو 1967. وروى فتح الباب كيف التفّت مجموعات الدفاع الشعبي حول غزالي بعد الهزيمة مباشرة، وكيف انبثقت فرقة "ولاد الأرض" من رحم هذه التجربة، معتمدة على "كاريزما كابتن غزالي" الذي لم يكن له باع في الشعر أو العزف على السمسمية قبل الهزيمة، لكنه لجأ إليهما ليصل بفكره وفنه ورسالته المقاومة إلى أوسع قطاعات الشعب المصري.

حضر الندوة الثقافية شخصيات سياسية وثقافية بارزة، من بينهم محمد صالح، القيادي بحزب التحالف الشعبي، والدكتورة كريمة الحفناوي، القيادية بالحزب الاشتراكي المصري، والشاعر مدحت منير، بالإضافة إلى أعضاء من حزب التحالف الشعبي، مما عكس الاهتمام بتقاطع الثقافي والسياسي في دعم القضية الفلسطينية والمقاومة.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة