يقول نقيب الصحفيين خالد البلشي، إن أحاديث منافسه الأبرز على مقعد النقيب بانتخابات التجديد النصفي؛ عبدالمحسن سلامة بشأن مأساة سجناء الرأي، وتركيزه في حملته الانتخابية على حتمية توسيع هوامش حرية التعبير، من بين المكتسبات التي حققها مجلس النقابة خلال العامين الماضيين.
ويفسّر البلشي مقولته بأن استقطاب واستمالة سلامة، الذي لم يكن معنيًا بمسألة الحريات من ذي قبل، إلى موقف الجمعية العمومية، يؤكد أن مجلسه أعاد وضع الأمور في نصابها الصحيح، فالصحافة في أزمة، ولا بد لنقابة الحريات أن تشمِّر عن ساعديها لمواجهة هذه الأزمة.
ربما يكون البلشي محقًا نسبيًا، ولعله يتوخى النأي بنفسه عن خطاب الاستقطاب الانتخابي الخشن، الذي ينزلق إليه مؤيدو كل مرشح، رافضًا بما هو معهود عنه من تسامٍ أخلاقي، الدخول في مستنقعات التنابز بالألقاب، الموازية للخطاب الانتخابي الصحفي، الذي وإن بدت عليه بعض المثالب، أو حتى الكثير من المثالب، يبقى مثالًا منفردًا في مصر، على التداول الديمقراطي للسلطة، عبر الاحتكام إلى أصوات الناخبين.
الحرية أكسجين الصحفي
القولُ بأن صحافيًا لم يكن معروفًا عنه الاهتمام بمسألة الحريات، هو بمثابة طعنة عميقة في "كينونته الصحفية" وبناءه المهني وقوة انتمائه لبلاط صاحبة الجلالة.
الصحفي الحقيقي يتنفس أكسجين الحرية، ويعض على استقلالية الكلمة بالنواجذ، ولا ينكص عن الدفاع حتى عن حقوق خصومه، مسترشدًا في ممارساته المهنية بعبارة فولتير: "قد أخالفك الرأي، ولكني مستعد لأن أموت دفاعًا عن حقك في التعبير".

لكن المعلوم من تاريخ سلامة النقابي والمهني معًا، رغم أحاديثه المتكررة، يؤكد أنه ليس رجل الحريات الذي امتشق حسام الدفاع عنها، في أي منعطف من المنعطفات، بل إنه لم يبدِ اهتمامًا مشهودًا بهذه القضية الوجودية، حتى إننا لم نسمع منه حرفًا على سبيل استنكار حبس، أو إظهار الدعم لسجناء الرأي، ما يؤكد أن المسألة ليست ضمن أولوياته المبدئية؛ فكريًا ومهنيًا.
على غرار عبارة السيد المسيح، عليه الصلاة والسلام: "من فمك أدينك"، لا ننسى أن سلامة برَّر بعظمة لسانه اعتقال صحفيين، وحجب مواقع بعبارات مائعة لزجة، منها أنه لا يوجد صحفيون معتقلون، بل مسجونون على ذمة قضايا جنائية، وكذلك ما قاله ردًا على سؤال بشأن الحريات: "حين يكون الأمن القومي في خطر فلا تحدثني عن حرية الرأي".
عبارة آثمة، كانت نُسبت في كذب بواح، وتدليس مع سبق الإصرار، من قِبل مقدمي برامج "قلة الأدب شو"، إلى رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ديفيد كاميرون، وهو الأمر الذي خدا بسفارة لندن لدى القاهرة إلى نفيه في بيان رسمي، لكن أحدًا من "مبرراتية القمع" لم ينبس ببنت شفة على سبيل تصحيح الأكذوبة، والأسوأ من ذلك أن سلامة الذي كان نقيب الصحفيين، أي المسؤول رقم واحد عن الدفاع عن حرية التعبير، لم يتورع عن اجترارها، والتشدق بها تشدقًا ممجوجًا مخاطيًا.
اقرأ أيضًا : محبوس يا طير الحق.. “الصحفيين” تُحيي مطالبها حول “قائمة الـ 24”
حديث انتخابي "مدهون بزبدة"
رجل هذا شأنه، لن يغدو فجأة "سبارتكوس الصحافة" الذي يحمل رايات الدفاع عن الحرية، لأنه ببساطة ليس جديرًا أو قل ليس مؤهلًا وليس مستعدًا بحكم أفكاره وميوله واتجاهاته لتأدية هذا الدور.
حديث سلامة إذن محض "طق حنك"، بتعبير الشوام، أو "فض مجالس" بالمحكية المصرية، مثله مثل كلام الليل "المدهون بزبدة"، محض كلام لا يتجاوز حنجرته وأحبالها الصوتية، يبدو رنّانًا بديعًا بليغًا، لكنه ليس الحقيقة.
ليس من المنطق في شيء أن يصحو إنسان من نومه فجأةً، فإذا بأفكاره تغيرت، وميوله تبدلت.

الناس لا يتغيرون بين ليلة وضحاها، ومواقف الإنسان تنبثق عن مرجعياته الفكرية والثقافية والأخلاقية، وتنطلق من مخزون خبراته، ومن ثم ليس ممكنًا أن تتغير إلا بعد مراجعات فكرية ذاتية معمقة ومستفيضة، ولا بد أن يسبق ذلك تمهيد يفضي إليه.
أن يتشدق سلامة بأنه سيكون نقيبًا يدافع عن الحريات، أن يؤخذ ذلك في إطار كونه دعاية انتخابية لكسب الأصوات، لا أكثر من ذلك ولا أقل.
أحاديثه عن الحرية جاءت كأنها "عطسة مباغتة" لا يجوز بعدها إلا تشميت العاطس، ولم تسبق تلك العطسة بوادر على أنه راجع معتقداته بشأن الثنائية التي تبدو في ذهنه متضاربة متعارضة؛ ثنائية الحرية والأمن القومي.
لسلامة مئات المقالات في "الأهرام"، وفي جميعها لم يضبط مرةً مُتلبسًا بحرف عن ضرورة توسيع هوامش حرية التعبير، بل إنه إلى تبني الخطاب الرسمي في صورته الأكثر فظاظة أقرب.
يكتب عن الاقتصاد، وأوضاع المحليات، والتعاون العربي، والشأن الإقليمي، ويشيد بسياسات الحكومة في المطلق، بل إنه قد يتطرق إلى القضايا المطروحة على الساحة الرياضية، ووسط هذا الزخم ما من إشارة إلى مسألة حرية الرأي.
أين أنت من الأمر يا مولانا؟ أين صوتك من القبض على الصحفيين؟ نريد لك كرامة، إشارة، رفضًا أو تبرمًا، تلميحًا أو تصريحًا، تعاطفًا مع زملائك أو دعمًا، قل لي حاجة أي حاجة، مع الاعتذار للعندليب الأسمر.
لا حس ولا خبر، ولا صوت ولا كلمة، كأن على رأسه الطير!
سأصدق سلامة لو أنه أتى بمقال واحد، بل بفقرة من مقال، أو تصريح يتيم، أو حتى "بوست" أو تدوينة، بأن الصحافة المصرية مأزومة، أو بأن سجناء الرأي من أبنائها لا ينبغي أن يكونوا خلف الأسوار.
عندئذٍ سأنظر إلى تصريحاته الجديدة باعتبارها مراجعة حميدة لمواقفه السابقة، التي كانت لا تناسب نقيب مهنة الصحافة التي لن تتقدم خطوة للأمام، حين يهمين عليها الصوت الواحد، بذريعة الأمن القومي.
اقرأ أيضًا: انتخابات الصحفيين 2025.. معركة “الجنيه والكارنيه”
الحرية.. حتمية للأمن القومي
بالنسبة لرافضي القيود على الصحافة والمنافحين عن حرية التعبير، فإن اعتبارات الأمن القومي تتطلب مزيدًا من الحرية، فالخطاب الأحادي والحجر على الرأي الآخر، ومطاردة أصحابه وملاحقتهم بقائمة التهم المعلَّبة إياها، هو الخطر الأكبر على البلاد والعباد.
الكبت يولد الانفجار، والنظر إلى المنطقة ذات اليمين وذات اليسار، يكشف عن أن الأنظمة الأكثر قمعًا، سقطت فتركت أوطانها ممزقة ضعيفة في أتون الفوضى والعنف، في سيناريوهات "الخراب المستعجل".

من العراق إلى ليبيا إلى سورية، نرى الواقع متجسدًا في أقبح ملامحه، والأحمق فقط هو الذي لا يستخلص الدرس: "الحرية تحفظ الأمن القومي، والشمولية تدمر الأوطان".
قالها الكواكبي في "طبائع الاستبداد"، منذ نحو مائة وخمسين عامًا، لكن سلامة فيما يبدو غير معني إلا بقراءة "كتالوج التعليمات الرسمية".
الديمقراطيات الراسخة تعتبر الحرية من دعائم وأسس الأمن القومي، فيما تتذرع الأنظمة القمعية باعتباراته لكتم الأصوات، وقطع الألسنة.
الواضح أن سلامة طالما كان يرى الأمور من هذا المنظور، وحرية التعبير عنده قد تضر الأمن القومي.
على ذلك فإنه حين يتحدث سلامة عن الحريات ليس منطقيًا أن نقول من خلفه مؤيدين: ولا الضالين آمين، إلا أن يأتي ببرهانه إن كان من الصادقين.
لن يأتي سلامة ببرهان على صدق حديثه "الانتخابي"، أمام عشرات البراهين التي تؤكد عكسه، أو بالأحرى تنفيه نفيًا، وما دام الحال كذلك، فليقل ما يروق له، وليصفق له المصفقون إما طمعًا في مغانم موعودة، وإما جهلا بما يضمره في صدره، لكني شخصيًا لن أصدقه، ولن أصفق له، إذ أومن بأن مسألة الحريات عنده، "ساعة تروح وساعة تيجي"، وهو شخصيًا ساعة عبدالمحسن، وساعة "بتاع حريات".
