علاقة سحرية ربطت صوتها الشجي بسكون الليل، لكن هذه الليلة، على كورنيش النيل في قلب القاهرة، اخترق صوتها – الخارج من مكبر الصوت – صخب الطريق، كما لو كان يعلن عن حضور لا يغيب.
في ضوء المساء، بدا المبنى العريق كأنثى ناضجة، أدركت أن الجمال ليس لحظة، بل تاريخ يزداد ألقًا وتعتيقًا مع الزمن. وقف شامخًا، يكسوه وهج الذكريات، وكأن عقودًا من البث والحكايات تسري في جدرانه. أمام بوابته، لافتة ضخمة لامرأة أخرى، لا تخمد الأزمان سحرها، ليظل ممتدًا، يعبر الأجيال كترنيمة لا تنطفئ.

أول الحكاية
في عام 1954، بزغت أولى ملامح الفكرة لامتلاك تليفزيون وطني، عندما تقدم الصاغ صلاح سالم بمشروع طموح إلى الرئيس جمال عبد الناصر، مقترحًا إنشاء محطة إذاعية وتليفزيونية تُقام فوق جبل المقطم. رحّب عبد الناصر بالفكرة، وأسند تنفيذها إلى المهندس صلاح عامر، وكيل الإذاعة للشؤون الهندسية، فيما خصصت حكومة الثورة ميزانية قدرها 108 آلاف جنيه لوضع حجر الأساس للمبنى، الذي استقر موقعه على ضفاف النيل في قلب القاهرة، بشارع ماسبيرو.
بدأ الحلم يأخذ طريقه إلى الواقع مع وصول معدات الاتصالات عام 1956، إيذانًا بانطلاق مرحلة تصميم الاستوديوهات ومحطات الإرسال. لكن الطريق لم يكن ممهّدًا؛ فقد شكّل العدوان الثلاثي على مصر تحديًا كاد أن يعرقل المشروع. ومع ذلك، ظل الإصرار حاضرًا، حتى جاء يوليو 1959 ليعيد الدكتور عبد القادر حاتم، وزير الإرشاد القومي آنذاك، طرح المشروع أمام عبد الناصر، الذي أبدى حماسه من جديد، لتنطلق عجلة التنفيذ بوتيرة متسارعة، ويفتح باب العطاءات إيذانًا ببدء مرحلة البناء الفعلي.

رغم التحديات، ظل الابتكار القوة الدافعة للمشروع، حتى وقع الاختيار على شركة راديو أمريكا (RCA) لتنفيذ نظام البث التليفزيوني في مصر وفق المعايير الأوروبية. وفي 21 يوليو 1960، أضاءت أولى إشارات التليفزيون المصري شاشات الوطن، عبر بث امتد لخمس ساعات، حمل روح مصر النابضة بالحياة، من تلاوة القرآن إلى خطب الرئيس جمال عبد الناصر. كان ذلك البث الأول تجسيدًا لانطلاقة عصر جديد، تشكّلت ملامحه أمام أعين الملايين.
منذ تلك اللحظة التاريخية، لم يكن التليفزيون المصري مجرد وسيلة إعلامية، بل أصبح رمزًا ثقافيًا يعكس هوية الأمة وتقاليدها العريقة.
وقد بدأ بقناة واحدة، لكنه سرعان ما توسّع، ليشمل قنوات متنوعة تلبي احتياجات جميع فئات المجتمع، ويصبح نافذة تربط مصر بالعالم، تجمع بين الترفيه والمعرفة.
وعلى مدار العقود، ظل التليفزيون المصري شاهدًا على تحولات الزمن، صامدًا أمام التحديات، متجددًا مع كل حقبة. ومن إدخال البث الملون عام 1976 إلى إطلاق القنوات المتخصصة، كانت مسيرته حافلة بالإبداع والتطور، تنسج قصة إعلامية لا تزال تُروى عبر الأجيال.
عودة الروح
في مطلع فبراير الماضي، احتضن مبنى الإذاعة والتليفزيون احتفالية كبرى بمناسبة اليوبيل الذهبي لكوكب الشرق أم كلثوم، حيث أعلن رئيس الهيئة الوطنية للإعلام عن انطلاقة جديدة لماسبيرو، في محاولة لاستعادة بريقه وأمجاده.
في هذه السطور، نحاول معًا الغوص في عالم ماسبيرو الشجي، بين ذكريات محفورة في وجدان الأجيال، وأمل متجدد في بعثه من جديد، ليعود صوته نابضًا بالحياة كما كان دائمًا.
النيل وسماه ونجومه وقمره
لطالما اعتدت استخدام عينيّ كعدستي كاميرا، لسنواتٍ طويلة، رصدتُ عبرهما علامات الانكسار التي تتسلل إلى الوجوه. كان إيقاع الحياة بطيئًا، كما لو أن ثقل الهم الجاثم على الأكتاف كان يعيق المارة عن التحرك. كلما اتجهتُ نحو المصعد، اكتشفتُ أنه معطل، فيتمتم أحدهم بحسبي الله ونعم الوكيل، ثم يتجه نحو السلم، متكئًا بكلتا يديه على الترابزين. أتجه إلى مصعدٍ آخر، أحيانًا ما يكون في الخدمة، وكان مخصصًا في الأيام الخوالي لنقل قطع الأثاث الضخمة والديكورات. لكن مؤخرًا، أصبح يُسمح باستخدامه لنقل “القطع البشرية”.
في أحد الأيام، وفي طريقي إلى مكتبي، لفتني باب ضخم في أحد الممرات، حاله كحال باقي المبنى العتيق. عرفت فيما بعد أنه باب الدخول إلى مسرح ماسبيرو.

مسرح!
أنارَت ذاكرتي عشرات الأعمال المسرحية التي شاهدتها على “ماسبيرو زمان”، حيث كان يظهر شريطٌ يتصدره عنوان “مسرح التليفزيون يُقدّم”. كان هذا المشهد جزءًا من تاريخٍ طويل في عالم الفن والإبداع.
بعد نحو سبع سنوات من الإغلاق التام، سبقتها سنوات من التوقف غير المعلن نتيجة لتوقف الإنتاج، فتح مسرح ماسبيرو الستار مرة أخرى، احتفاءً بمرور 50 عامًا على رحيل الست أم كلثوم.
أضيئت الأنوار، ورفع الستار على ريهام الديب، التي رحبت بالحضور من وزراء وضيوف. ثم بدأت فقرات الحفل بتسجيلات عن أم كلثوم، تلتها فقرة غنائية لكورال الأطفال.
“لقد تواضع المصريون أكثر مما ينبغي، وتواضعت أحلامهم أكثر مما يحتمل… جغرافيا المستحيل تمتد طويلًا، وإنها لتغطى نفوس الغالبية العظمى من مواطنينا. وكل طموحاتنا أن نبقى على قيد الحياة” – أحمد المسلماني، 2010
قبل صعود ريهام عبد الحكيم، وقبل الفقرة الأساسية للحفل، ظهر أحمد المسلماني، الرئيس الحالي للهيئة الوطنية للإعلام، ليعلن عن موقفه المؤيد للقضية الفلسطينية، ودعمه للدولة في رفض التهجير. عانق الحضور هذه الكلمات بالتصفيق، ثم أخذ المسلماني الحضور إلى بعدٍ مختلف عندما كشف عن إضاءة برج القاهرة بشعار ماسبيرو، معلنًا عن عودة المبنى من جديد. كان واضحًا للجميع تأثرهم، فدموع بعضهم كانت حاضرة، وأنا بنفسي، حديثة العهد بالمبنى، كنت أحاول الإمساك بإيقاع ضربات قلبي التي سمعها الرجل الجالس إلى جواري. هل كان حماسه في حديثه هو الذي نقل لنا هذا الشعور؟ أم أننا كنا مهيئين لذلك منذ لحظة استقباله لنا وللضيوف؟ المؤكد أنه كانت هناك ابتسامة مرتسمة على الوجوه، وعيونٌ مُكحلة بلمعتها حتى انتهاء الحفل.

باب الخروج
تحركتُ مغادرةً، استقليتُ المصعد ثاته الذي أتيتُ به، لكن العاملين على جانبيه استقبلوني بابتسامة ودعاء “توصلي بالسلامة”.
الأسانسير ذاته يغمره الإضاءة البيضاء الجديدة. نزلتُ، واتجهتُ في ممر يؤدي إلى باب الخروج، الذي أُعيد دهانه بطلاء جديد. على يميني ويساري كان رجال الأمن يرتدون زيًا موحدًا براقًا، ما جعل المكان يفيض بالنظافة والتنظيم.
قبل أن أبلغ الباب، رأيتُ لوحة مكتوبًا عليها “حمام السيدات”، فقررت أن أستغل الفرصة وأدخل قبل أن أبدأ رحلتي الطويلة نحو المنزل. لكنني فوجئتُ بمياه تغطي الأرض، ورائحة مميزة لدورات المياه التي تحتاج إلى صيانة لم تُجرَ منذ عقود. كدت أن أنسى هذا المنظر في ظل بريق المبنى الجديد، إلا أن الواقع كان كفيلًا بتذكيري.
خرجتُ مرة أخرى إلى الممر البراق، ثم توجهتُ إلى بوابة الخروج، حيث ودعتني ابتسامة أم كلثوم على بانر ضخم معلق على باب الخروج.
غواية السلطة.. بوابة الفساد
“في الثقافة والصحافة، تخطو المأساة إلى مدى أبعد، ذلك أن المنافقين الجدد باتوا ساخطين على المنافقين القدامى، وأن من يحملون راية التغيير هم أولى الناس بالعصف والتبديل.. ما يصفع الانتباه هنا هو حجم الفاسدين الذين يهاجمون الفساد، وحجم الجهلاء الذين ينتقدون السطحية والإفلاس، وعدد السفهاء الذين يرون في السلطة ومن فيها فشلًا ذريعًا، ذلك أنها لا تحفل بما يرون ولا تضعهم في مواقع الإدارة والنفوذ.” – أحمد المسلماني، 2010
مُغويةٌ هي السلطة، وغوايتها الجذابة تبدو ممتزجة بالرعب الذي يؤجج بدوره نار جاذبيتها. فإما المزيد منها أو السقوط في غيابها.
قد لا يشعر من هو في مركز السلطة بخطورة هذه الغواية، فهو مصدرها. ربما يلتبس عليه الأمر فيظن أن من يقتربون منه رافعين أصواتهم بإصلاح الأمور وتأيدهم لعودة الحياة هم دعاة التغيير، لكن الحقيقة قد تكون أبعد من ذلك. الواقع غالبًا ما يكون مخفيًا عن الأنظار.
لكن ما يدعو للقلق هو التفاف الكثير من أصحاب المناصب، والحرس القديم، حول الرجل الذي يتربع في مركز السلطة. رغبتهم في التقاط صورة إلى جواره، وحرصهم على البقاء في مناصبهم، يجعل المستقبل يبدو غير مشرق. هذه مشاهد لا تبشر بالخير، بل تثير الكثير من التساؤلات.
هذا فأل سوء الحقيقة.
من فات ماسبيرو تاه
للبحث عن كيفية إعادة الحياة إلى جسد يراه كثيرون ميتًا، من المهم أن نبدأ من الجزء الحي فيه؛ فطالما هناك قلب نابض، فإن إحياء الميت ما يزال ممكنًا.
في مكتبه الصغير المتواضع، التقيت الأستاذ محمد فردون، رئيس القناة التي تتصدر نسب المشاهدة، وتحمل درعها الذهبي على يوتيوب تحت اسم “ماسبيرو زمان”.
عبَّر الأستاذ فردون عن سعادته الكبيرة بارتفاع نسب المشاهدة للقناة، مشيرًا إلى أن الناس بطبيعتهم يمرون بحالة من النوستالجيا والحنين للماضي، وهو أمر يعكس فطرة سليمة تسعى إلى النقاء والجذور.
قال: “اللي مالوش قديم مالوش جديد”، وأضاف أن الإنسان غالبًا ما يلجأ إلى الهروب من ضغوط الواقع بالعودة إلى ذكريات الماضي، مؤكدًا أن هدف القناة منذ البداية كان جمع الأسرة المصرية أمام شاشة واحدة، لتقديم محتوى يحمل قيمة حقيقية، ومتعدد في الوقت ذاته.
لكنه، أشار إلى التحديات التي يواجهها في سعيه لتجديد المحتوى، خصوصًا في عملية البحث عن النوادر داخل أرشيفات التليفزيون، التي تتطلب الكثير من الجهد والتفاني.

بسؤاله عن مدى قدم المادة الفيلمية التي تُعتبر تراثًا تليفزيونيًا ويُسعى لتقديمها على الشاشة، أجاب الأستاذ محمد فردون بأن كل ما تم تسجيله منذ بداية بث التليفزيون يُعتبر مادة تراثية نحاول استخراجها والوصول إليها، وغالبًا ما يتم اكتشاف أشياء غير متوقعة وأخرى في حالة تدمير شديدة.
وأضاف: “نحاول، بمساعدة الزملاء الفنيين، إصلاح مشاكل الأشرطة، ومن ثم تأتي مرحلة المشاهدة لتقييم حجم الضرر المتبقي، وكيفية الحفاظ على وحدة العمل مع الحفاظ على تماسكه، وإعادة صياغته من جديد مع الحفاظ على هويته وطابعه الكلاسيكي الأصلي. وفي النهاية، تأتي مرحلة تحسين الصورة والصوت، ثم نقلها وتسجيلها على شريط جديد ليظهر المنتج النهائي للجمهور بالشكل المرغوب”.
وعند سؤالي عن المعوقات التي تواجه القناة كنموذج مصغر من ماسبيرو، خاصة مع صعوبة التعامل مع المواد التراثية التي تحتاج إلى الترميم، أجاب بأن أول مشكلة تكمن في معدات التشغيل نفسها. فالشرائط القديمة وأجهزة تشغيلها اختفت تقريبًا في الوقت الحالي. فالتطور السريع في التليفزيون وطرق التسجيل والإرسال جعل هذه الأجهزة ووسائطها، مثل الأشرطة، تصبح نادرة. بل إن العديد من شركات تصنيعها أغلقت، مما يعني أن لدينا في ماسبيرو شرائط قيمة، ولكن الأجهزة الخاصة بتشغيلها معطلة ولا تتوفر لها قطع غيار. والنتيجة هي أن لدينا الشرائط التراثية ولكننا لا نستطيع إخراج العمل منها.
وأضاف: “ما نملك فقط هو محاولات من المهندسين الموجودين لصيانة هذه الأجهزة بقدر المستطاع، أو تركها والتعامل مع مواد تراثية أخرى تتناسب مع الأجهزة التي لا تزال تعمل. المعوقات كثيرة، إذ تعمل القناة بطاقات بشرية كبيرة وسط إمكانيات محدودة جدًا. وما يشاهده الجمهور على الشاشة هو نتاج جهد هذه الطاقات البشرية في ظل إمكانيات متواضعة للغاية، لا يمكن للمشاهد أن يتخيلها”.
وفيما يخص التراث، أضاف أن القناة تمتلك أكثر من 20 ألف ساعة من المحتوى التراثي بيد فناني ماسبيرو. ويمكن تلخيص ما تطمح إليه القناة في توفير مهندسين متخصصين لصيانة وإصلاح الأجهزة الموجودة أو إيجاد بديل لها في حالة جيدة. بمعنى آخر، توفير العنصرين الأساسيين لعملنا: أجهزة التشغيل والشرائط. أما فيما يتعلق بفنيات المعالجة والترميم، فأكد أن القناة تملك كوادر فنية تتميز بقدرتها على إخفاء العيوب مثل الخدوش أو القطع في الأشرطة دون الإخلال بالبناء الدرامي أو البرامجي. وأضاف أن ما تم استخراجه بالفعل من التراث يكفي للعرض لمدة خمس سنوات قادمة، ولدى القناة أكثر من 20 ألف ساعة من التراث.
وعن عودة ماسبيرو، قال إن التليفزيون ما زال موجودًا، والناس لا تزال مرتبطة به، والدليل على ذلك ارتباطهم بـ “ماسبيرو زمان” على سبيل المثال، وكذلك الفضائية المصرية والعديد من القنوات الأخرى. وأكد أن سنة الحياة تشمل الدورات والانتكاسات، ولكن ماسبيرو سيبقى جزءًا من التاريخ.
أنهيتُ حديثي مع فردون، وفي طريق عودتي إلى المنزل، أدرْت محرك السيارة وقمت بتشغيل الراديو، موجته كانت تشير إلى 105.8، إذاعة الأغاني، لأجد الست أم كلثوم تغني:
“الأمل لولاه علي كنت في حبك ضحية… بالـأمل أسهر ليالي في الخيال وأبني علالي… ولو قاسيت مهما قاسيت برضه أنا عندي أمل”.
“طب والله عظمة على عظمة يا ست… اللهم ارحم أم كلثوم، وجدد في قلوبنا الأمل”.
ماسبيرو باقي، ونوستالجيا رمضان المصري باقي على شاشة “ماسبيرو زمان”، ولسه مكملة الحدوتة.





التعليقات