بتاريخ 27 مارس، وقبل أيام قليلة من حلول عيد الفطر، صدر قرار نيابة أمن الدولة العليا بإخلاء سبيل 48 محبوسًا احتياطياً على ذمة قضايا مختلفة بعضها يعود لعام 2022.
وبنفس التاريخ صدر قرار رئيس الجمهورية المنشور صباح اليوم التالي بالجريدة الرسمية، رقم 158 لسنة 2025 بشأن العفو عن باقي العقوبة لبعض المحكوم عليهم، وهو القرار المعتاد الذي يصدر في المناسبات والأعياد ويحدد قواعد العفو المنصوص عليها في القرار ويترك تطبيقها وتحديد أسماء المعفو عنهم للجنة من الجهات الأمنية المعنية.
كلا القرارين إيجابي، ويستحقان التحية، لكنهما لم يقدما حلًا مرجوًا ينهى مأساة سجناء الرأي التي طالت، ولا يجيب عن السؤال الجوهري الذي طال أمد انتظار الإجابة عليه: إلى متى، وماذا ننتظر كى ننهى هذا الملف ونغلقه بإرادة سياسية واضحة وقرار عام شامل يشفى الصدور ويدخل البهجة على قلوب أسر الكثير من السجناء ويضفي أجواء إيجابية من الارتياح في المجتمع بشكل عام وفي الأوساط السياسية بشكل خاص؟
لا يستحق سجناء الرأي يومًا واحدًا إضافيًا مقيدي الحرية، وهم لم يكونوا بالأساس يستحقون السجن، ولا تستحق أسرهم قضاء كل تلك الأيام والشهور والمناسبات المتتالية بدون أزواجهم وزوجاتهم أو أبنائهم وبناتهم.. ولعل عيد الفطر أو ما بعده تكون فرصة لتحقيق تلك الأمنيات المستحقة والمطالب المشروعة والإصلاحات المتأخرة الواجبة
القبضة المشددة
على مدار سنوات اشتدت القبضة الأمنية في ملاحقة المعارضين وأصحاب الرأي المختلف، وبلغت ذروتها في العامين الأخيرين من العقد الماضي، وأسفر ذلك وما قبله عن أعداد كبيرة من قرارات حبس وفى بعض الأحيان أحكام بالسجن لسجناء في قضايا يمكن تصنيفها بوضوح أنها قضايا رأي ذات طابع سياسي.

استمرت نفس السياسة، وإن بمعدلات أقل نسبيًا في السنوات التالية وحتى الآن، لكن صاحب ذلك أجواء من الأمل النسبي مع دعوة رئيس الجمهورية لإفطار الأسرة المصرية في رمضان / أبريل 2022 وما تلاها من انفراج نسبي في ملف سجناء الرأي بقرارات النيابة وقرارات العفو الرئاسي التي أطلقت سراح أعداد كبيرة.
لكن في مقابلها كان لا يزال هناك من تتم ملاحقته والقبض عليه لأسباب مختلفة و تكييفها قانونيًا وفقًا لترسانة القوانين المقيدة للحريات والتي أسيء استخدامها على مدار السنوات الماضية وعلى رأسها قانون مكافحة الإرهاب وغيره.
تراجع ملحوظ
على مدار الفترة الماضية تراجعت بشدة وبوضوح بالغ، مع انتهاء فعاليات الحوار الوطني والزخم المصاحب لانطلاقه وجولاته الأولى، قرارات الإفراج عن السجناء، وعادت لمعدلاتها الأولى المعتادة، قرارات محدودة كل بضعة شهور، وبأعداد محدودة نسبيًا مقارنةً بمن يستحقون النظر في قرارات إخلاء سبيلهم أو العفو عنهم.
وفى الوقت ذاته كان الأمل والرهان معلقًا على الاستجابة لمطالب عديدة طرحت في الحوار الوطني لتعديلات جذرية وجوهرية على قانون الإجراءات الجنائية فيما يخص قضية الحبس الاحتياطي والحد من استخدامها وتحديد حد أقصى لها وباشتراطات محددة والنص على إجراءات تنهي ظاهرة ما يعرف بـ(التدوير) من قضية لقضية لبعض السجناء، وهو ما كان كفيلًا بدرجة وإن لم تكن مكتملة أن يحسم ملفات الكثير من سجناء الرأي.

لكن جاءت النصوص القانونية التي أقرها مجلس النواب بعد جدل سياسي ومجتمعي واسع لتقر قانونًا جديدًا لم يستجب في واقع الأمر للكثير من هذه المتطلبات، فضلًا عن إضافته نصوصًا أخرى كانت محل خلاف ونقد واسع تخص ملفات وقضايا أخرى ينظمها قانون الإجراءات الجنائية فيما يخص حقوق التقاضي وضمانات الدفاع عن المتهمين وغيرها.
وهكذا، لم تحسم القرارات السياسية ملف سجناء الرأي بضربة واحدة حاسمة وبإرادة واضحة، ولم يحسم تغير جوهري وجذري في السياسات الأمنية وقف الملاحقات، ولم يحسم التعديل التشريعي ملف الحبس الاحتياطي.. ليصبح السؤال الجوهري قائمًا: ماذا ننتظر ومتى تصبح الظروف السياسية والمجتمعية أكثر ملائمة لإغلاق هذا الملف؟
التماسك الداخلي
في ظرف داخلي اقتصاديًا واجتماعيًا ضاغط ومتوتر، وفى ظرف سياسي تحين معه بعد شهور انتخابات نيابية وتشريعية كانت محل انتظار كثيرين هي الأخرى بتعديلات جوهرية على قوانين الانتخابات والنظام الانتخابي يبدو أنها لن تتحقق وسيبقى الحال على ما هو عليه حتى وإن شهدت مساحات أوسع لبعض المحسوبين على المعارضة وفرص تواجدهم بمجلسي النواب والشيوخ المقبلين.

وفى ظرف إقليمي تواجه فيه مصر تحديات هائلة ويحظى موقفها الرسمي بشكل عام بدعم ومساندة واسعتين فيما يخص جوهر الموقف حتى لو شهدت بعض تفاصيله اختلافات وأساليب مختلفة في التفكير واستخدام كروت الضغط وإعادة موضعة مصر في مكانها الصحيح الذى يليق بها وبتاريخها وبدورها، ومع توقعات ليست مستبعدة بتزايد الخلافات واحتمالات الضغوط من أطراف إقليمية ودولية خلال الفترة المقبلة.
في ظل ذلك كله يصبح التماسك الداخلي هو الملاذ الآمن والتوجه الأوجب في أي سياسة تتطلع لمواجهة التحديات.
الفرصة لا تزال سانحة إذا توافرت الإرادة السياسية لننهى معا جميعا هذه المأساة التي تثقل كاهل الوطن وضميره، بقرارات إخلاء سبيل وعفو رئاسي تشمل كل من لم يتورط في قضايا عنف أو إرهاب أو دم، والقائمة تشمل كثيرين من توجهات مختلفة، ومحبوسين لأسباب مختلفة
وإذا كان هذا التماسك يستهدف المجتمع بشكل عام، عبر إجراءات اجتماعية توفر سبل العيش الآمن والكريم وسياسات اقتصادية أكثر انضباطًا وانحيازًا لمصالح عموم المصريين وطبقاتهم الأفقر، فإنه أيضًا وبدون أي تكاليف يشمل بل ويبدأ من الملف السياسي وتوسيع مساحات حرية الرأي والتعبير والحق في التنظيم والحركة السياسية لمختلف القوى الديمقراطية، وهو كله مما لا يمكن أن يتحقق أو يكون متسقا إلا عبر خطوة جوهرية أولى وأساسية، بإنهاء كامل وحاسم لملف سجناء الرأي.
مهما كانت حدة المعارضة السياسية، ومهما كانت مساحات الاختلاف في الرأي والسياسات، طالما كان أصحابها ملتزمون بالسلمية وبالوسائل الدستورية والقانونية لممارسة التعبير عن رأيهم وحقهم في التنظيم السياسي، فإنه لا يوجد ما يستحق حبس هؤلاء، مهما ظن البعض من شطط بعض الآراء أو الممارسات، وهى بالتأكيد من حيث مخاطرها أقل بما لا يستحق المقارنة مع التحديات القائمة بالفعل داخليا وخارجيا.
وخطوة من هذا النوع قد تقطع شوطًا طويلًا في فك التباسات وخفض احتقانات وتغيير جوهري في المزاج العام لدى قطاعات سياسية ومجتمعية واسعة، لكن الأمر لم يعد يحتمل وعودًا تتأخر أو قد لا تتحقق، أو نقاشات حول حالة حالة واسم اسم، أو رهانات على تعديلات تشريعية تأتى في الأرجح بما قد يكون أسوأ دون حل جوهري لما يحتاج بالفعل لحلول.
افراجات العيد
مع حلول عيد الفطر، وهى مناسبة كريمة في أيام مفترجة تملأها الرحمة والتسامح، ومع عام يفترض أن تسود فيه السياسة بامتياز مع اقتراب انتخابات تشريعية بالغة الأهمية، ومع تراجع الكثير من الآمال على مدار الشهور الماضية في ملفات عديدة متعلقة بتسارع الإصلاح السياسي وجديته وشموله، فإن الفرصة لا تزال سانحة إذا توافرت الإرادة السياسية لننهى معا جميعا هذه المأساة التي تثقل كاهل الوطن وضميره، بقرارات إخلاء سبيل وعفو رئاسي تشمل كل من لم يتورط في قضايا عنف أو إرهاب أو دم، والقائمة تشمل كثيرين من توجهات مختلفة، ومحبوسين لأسباب مختلفة تتراوح بين حدة الخطاب والخلاف السياسي أو بوست على مواقع التواصل الاجتماعي أو حتى ممن ليس لهم ناقة ولا جمل.

- فيس بوك
هذا أوان وإن كان متأخرًا يقتضي خطوات جدية في هذا الملف، لا من أجل ضغوط، ولا من أجل موائمات، وإنما من أجل صالح الوطن ومصلحة المجتمع، والكل مستفيد وأولهم السلطة نفسها من مثل هذه الخطوات التي تنهى وتغلق نهائيا هذا الملف الموجع.
لا يستحق سجناء الرأي يومًا واحدًا إضافيًا مقيدي الحرية، وهم لم يكونوا بالأساس يستحقون السجن، ولا تستحق أسرهم قضاء كل تلك الأيام والشهور والمناسبات المتتالية بدون أزواجهم وزوجاتهم أو أبنائهم وبناتهم.. ولعل عيد الفطر أو ما بعده تكون فرصة لتحقيق تلك الأمنيات المستحقة والمطالب المشروعة والإصلاحات المتأخرة الواجبة.