مرتباتنا لا تكفي "العيش الحاف" واستلفنا لـ "كحك العيد"

" كيف لأب أن يكفل أسرته بـ 800 جنيه في الشهر؟ وكيف لعامل في مصر أن يواجه مواسم اجتماعية بهذا المبلغ الضئيل؟"، يقول هشام البنا أحد القيادات العمالية والنقابية في شركة وبريات سمنود للغزل والنسيج، لـ فكّر تاني.

لا يُطبق على عمال وعاملات سمنود الحد الأدنى للأجور ، وعندما احتجوا وبدأو إضرابًا عن العمل داخل أسوار المصنع تعرض 11 عاملًا وعاملة منهم/ن للتوقيف والحبس من بينهم البنا، قبل الإفراج عنهم/ن في وقت لاحق.

وعلى الرغم من انتهاء القضية وعدم ثبوت تورط البنا في أي من التهم التي وجهت له ولزملائه إلا أنه يعاني من تعسف إداري، بإيقافه عن العمل وصرف نص الأجر الأساسي منذ أغسطس الماضي، رغم أنه يعول أسرة مكونة من خمسة أفراد في مراحل دراسية مختلفة، ويواجه مختلف متطلبات الحياة خاصة في الأعياد.

وبينما يأتي موسم عيد الفطر، تُعاني بعض الأسر في القطاع العمالي فمنهم/ن من لا يجد ما يكفي لسد الاحتياجات والمتطلبات الأساسية فرُفع شعار "السلف"، ووفق حديث بعضهم لـ فكّر تاني، لا يصمد الراتب الضعيف أمام أعباء الحياة و"دخلة" العيد، في ظل ثبات المرتبات الذي يصر عليه رجال الأعمال، ما جعل العديد من عمال وعاملات القطاع العام والخاص، في حالة من العوز والحاجة تفرض عليهم/ن ضغوط يومية من الصعب تخطيها.

مرتبات ضعيفة وأسعار متوحشة

"ظروفنا المادية كارثية".. تقول إحدى العاملات بشركة النصر للغزل والنسيج والتريكو “الشوربجي" سابقًا لـ فكّر تاني، فهي تحصل على 65 جنيهًا في اليوم "8 ساعات"، يضاف إليهم بعض الحوافز والبدلات حتى يصل راتبها إلى 2500 جنيهًا، تصل إلى 2100 جنيه تقريبًا بعد خصم التأمينات.

العاملة التي تبلغ من العمر 52 عامًا وتعمل بالمصنع منذ 15 عامًا، ولديها ولد وبنت في مراحل عمرية ودراسية مختلفةً وزوجها سائق باليومية، توضح أن مجموع دخلهم الشهري هى وزوجها لم يصل للحد الأدنى للأجور قبل السابق وهو 5000 جنيه: "أثر على حياتنا كلها وليس رمضان والعيد فقط.

تعمل ليلى -اسم مستعار- بعقد مؤقت بالرغم من علمها بشكل متصل بالمصنع على مدار 15 سنة، وبالتالي لا تحصل على المنح والمناسبات التي تقرها الحكومة للعاملين/ات المُعينين بالقطاع العام مثل منحتي رمضان والعيد.

ويواجه عاملات وعمال "مصنع الشوربجي" كثير من الصعاب أهمها، رفض الإدارة تطبيق الحد الأدنى للأجور الذي أقرته الحكومة في شهر مايو من العام الماضي، بالإضافة إلى تقليص الإنتاج بسبب ضعف توريد الخامات مما اضطرهم/ن للعمل "بالعادم" الذي يسبب الكثير من الأمراض الصدرية.

تطور الحد الأدنى للأجور في مصر ليرتفع نحو 757% خلال 10 أعوام، وذلك منذ تطبيقه لأول مرة في مصر في 2014 بواقع 1200 جنيهًا، ليصل في بداية العام 2025 إلى 7000 آلاف جنيه، ومع ذلك لم يلتزم أصحاب الأعمال في القطاع الخاص والقطاع العام أو الأعمال العام بتطبيقه حيث لا يزال هناك مرتبات لا تتخطى 2400 جنيه في الشهر، وفق رصد تقديرات عمالية حقوقية.

من بوستر تضامني مع عاملات وعمال وبريات سمنود - فيس بوك
من بوستر تضامني مع عاملات وعمال وبريات سمنود - فيس بوك

الأزمة ممتدة من الدلتا للصعيد، أزمة عمقها الغياب في تطبيق القانون ورفع يد الدولة عن تنظيم العلاقة بين العامل وصاحب العمل، وفق مراقبون في شركة إيفونا للسيراميك، قرر صاحب المصنع منع العاملة سعيدة -اسم مستعار- و 57 عاملة أخرى من دخول المصنع مع صرف أساسي راتبها لمدة 6 أشهر من منحة التعثر التي حصل عليها من وزارة القوى العاملة.

وصل الأمر إلى منع 350 عامل/ة آخرين/ات من دخول المصنع مع صرف أساسي الراتب من منحة التعثر، بحجة أن الشركة لا تحتاج إلى كل هذه الأعداد من العمالة حاليًا، " كيف نعيش في شهر رمضان ولا حتى في العيد، وسط هذا الفقر المتعمد؟"..تقول سعيدة لـ فكّر تاني.

لم تتدخل الدولة ممثلة في وزارة القوى العاملة لمنع مثل تلك الانتهاكات، وفق سعيدة، فيما تضيف العاملة التي تجاوز سنها الخمسين، أنها لم يعد بإمكانها العمل في مكان آخر بعد هذه السن، ومبلغ 1500 أساسي مرتب لا يكفي حتى "العيش الحاف"، وبالتالي هي لا تفكر في رفاهيات أخرى مثل كحك العيد.

"العيد دخل.. اتصرفنا عشان ولادنا"

تقول عاملة مصنع الشوربجي، يمثل عدد العمالة المؤقتة في الشركة حوالي 140 عامل وعاملة، وبينما قامت الإدارة بصرف منحة للعمالة الدائمة أو المعنية، عبارة عن شهر من المرتب في أول رمضان، وسيتم صرف مثلها في العيد لم تطبق قرارها على العمالة المؤقتة.

وأشارت العاملة إلى أن تكلفة الأكل تزيد بشكل كبير في شهر رمضان بسبب احتياج الأهالي لتعويض أبناءهم/ن عن الصيام بوجبة متكاملة على الإفطار، وهذا فرض عليهم ضغوط مالية كبيرة لم يستطيعوا إيفائها في ظل الراتب الذي تتقاضاه هى وزملائها.

واضطرت العاملة إلى "السلف" ممن حولها حتى تقوم بعمل بعض حلويات عيد الفطر  "كحك وبسكويت"، بجانب شراء ملابس جديدة لأبنائها حتى لا يشعرون أن شيء ينقصهم/ن. 

"عيالي ملهمش ذنب في في الوضع ده، أنا وجوزي لازم نوفر احتياجاتهم/ن وما يحسوش بأي شيء ناقصهم، وكنت أتمنى الحكومة تراعي الوضع اللي الناس فيه وخصوصا الأسعار اللي مش عارفين نلاحق عليها".

في الفترة من  2014 حتى 2025، أعلنت الحكومة زيادة الحد الأدنى للأجور 10 مرات، مع استمرار تصاعد التضخم وفقد الجنيه لقوته الشرائية، ما أثقل كاهل العمال والعاملات بضغوط غير مسبوقة، مثلهم مثل العديد من المصريين.

 "بعت عربيتي عشان أقدر أكفي أولادي".. يقول هشام البنا لـ فكّر تاني، حيث اضطر لبيع بعض من ممتلكاته بعد نفاذ مدخراته المالية، في فترة حبسه لمدة شهر على خلفية الإضراب الذي نظمه عمال الشركة في سبتمبر الماضي. موضحًا أنه يواجه تعسفًا إداريًا بإيقافه عن العمل لمدة تخطت الـ 10 أشهر بالرغم من عدم إدانته في أية قضايا.

يجد البنا الذي يبلغ من العمر 53 سنة، صعوبة في وجود عمل آخر ولو مؤقت يعينه على تحمل تكاليف المعيشة، في ظل إعانته لثلاثة أبناء، ويؤكد أن الحد الأدنى للأجور الذي لا يطبق حتى الآن بشكل صحيح هو غير كاف لإعانة أسرة مكونة من خمسة أفراد وبالتالي تحتاج الأسرة إلى ما لا يقل عن 20 ألف جنيه في الشهر لتمكين الاسرة من الحياة بشكل آدمي، بخلاف مصروفات الأعياد التي تفرض نفسها بأعباء مادية مختلفة.

"إحنا ما نقدرش نغير شكل حياة ولادنا لا في أكل أو لبس أو مصاريف، وبالتالي أنا بتحمل تبعات ما حدث لكن ولادي لا"..يضيف البنا موضحًا أن زوجته تعمل موظفة، ولكن دخلها يتم وضعه في بند آخر لا يمكن التقصير فيه، لذلك عليه هو أن يتحمل تكلفة إعانة أسرته بمفرده، متسائلًا: "كيف يتم ذلك في ظل هذا الوضع الصعب، الذي يعاني منه آلاف العمال العاملات في القطاعات المختلفة؟".

كحك العيد بات عبء مالي لدى قطاعات عديدة من العمال وفق حديث بعضهم- مواقع الكترونية
كحك العيد بات عبء مالي لدى قطاعات عديدة من العمال وفق حديث بعضهم- مواقع الكترونية

 دخلة العيد

تقول العاملة سهير -اسم مستعار- من شركة إينوفا للسيراميك، "جوزي على أد حاله وأنا كنت بشتغل وأساعده والمرتب كان قليل بس كان بيساعد شوية، لكن يقرروا إننا نصرف 1500 جنيه في الشهر لمدة 6 شهور وبعدها مش عارفين مصيرنا إيه؟ يرضي مين ده؟".

سهير تحكي لـ فكّر تاني، عن اضطرارها العمل في مصنع ينتج السيراميك، تتعرض فيه أثناء العمل للكثير من الغبار الذي سبب لها وزملائها أمراض عدة ومع ذلك تتحمل من أجل إعالة أسرتها.

كانت إدارة مصنع إينوفا للسيراميك قد قررت في وقت سابق بمنح إجازة إجبارية لعدد 58 عاملة بحجة التعثر والتهديد بالغلق، وبعد حصول صاحب المصنع على إعانة تعثر تقدر بحوالي 5 مليون شهريًا، قررت الإدارة صرف أساسي الراتب لعدد 58 عاملة وأكثر من 350 عامل.

"رمضان دخل علينا وما شوفناش الفرحة، بسبب إننا مضغوطين وجه العيد لا عرفنا نعمل كحك زي الناس ولا جبنا لبس العيد لولادنا لأن الأسعار صعبة قوي ومش هنقدر عليها"، تقول عاملة إينوفا بينما الوضع يبقى على ما هو عليه لحين قدوم عيد آخر حقيقي كما تتمنى.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة