ويتكوف يستهدف مصر والسعودية.. أمريكا وسياسة التهديد والأمر الواقع

أثار المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط ستيف ويتكوف جدلًا واسعًا بربطه بين الأوضاع في قطاع غزة والاستقرار الداخلي في كل من مصر والمملكة العربية السعودية. ففي مقابلة مع الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون، أبدى ويتكوف قلقه بشأن الوضع الاقتصادي في مصر، مشيرًا إلى ارتفاع معدلات البطالة، بينما تطرق أيضًا إلى السعودية معبرًا عن بعض المخاوف المتعلقة بالشباب السعودي.

وفي حين شكك ويتكوف في خطة العرب لإعمار غزة، وقال إن الأمر قد يكون بحاجة إلى فترة ما بين 15 و20 عامًا، نظرًا للدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية، أوضح أن الأنفاق المنتشرة تحت المدينة واستخدام إسرائيل للقنابل الخارقة لهذه التحصينات جعل المدينة أشبه بـ الجبن السويسري، مشيرًا إلى الضغوط الدولية لجدولة إعادة الإعمار ضمن خطة مدتها خمس سنوات، مرجعًا ذلك إلى بروتوكول الإدارة الأمريكية الصادر في 27 مايو، والذي اعتبره مبنيًا على افتراضات غير دقيقة، لافتًا إلى أن تقديراته لزمن الإعمار لم تحظَ بقبول في البداية، حتى نشرت صحيفة وول ستريت جورنال تقريرًا يدعم وجهة نظره.

خبير: المشروع المصري هو الأكثر واقعية

الأكاديمي طارق فهمي، أستاذ العلاقات الدولية والخبير في الأمن القومي، وصف تصريحات ويتكوف بأنها تفتقر إلى الدقة وتعكس رؤية سطحية غير مسؤولة، مشيرًا إلى أن القاهرة لديها حساباتها الخاصة في التعامل مع الإدارة الأمريكية.

اقرأ أيضًا: عند ترامب غزة بشيكل وكل العرب ببلاش.. فهل يصطدم بممانعة حقيقية؟

وأضاف فهمي، في حديثه لـ فكر تاني، أن هذه التصريحات وإن بدت لا تعكس موقفًا رسميًا تجاه مشروع مصر لإعمار غزة، فإنها تُفارق أيضًا حقيقة أن الدور المصري في الملف الفلسطيني يظل محوريًا، ولا يوجد وسيط يضاهي القاهرة في هذا المجال باستثناء الدور القطري المحدود، الذي يقتصر على دعم الحوار والتهدئة.

ما الجديد في التهديد الأمريكي هذه المرة؟

ورغم أن التصريحات الأمريكية الأخيرة بشأن غزة لم تأتِ بجديد من حيث الطرح، فإنها حملت في طياتها تهديدًا مبطنًا لمصر والسعودية، وهما الدولتان الأكثر انخراطًا في جهود إعادة الإعمار. وقد جاءت هذه التصريحات في سياق رؤية أمريكية تقودها إدارة ترامب، تقوم على تحويل غزة إلى مشروع استثماري ضخم تحت الهيمنة الأمريكية، في تجاهل واضح للمواقف العربية الرافضة لأي حلول تتضمن تهجير الفلسطينيين أو التنازل عن أراضٍ لصالح دول أخرى.

إذ لم يخف ترامب، الذي عبّر سابقًا عن رغبته في تحويل غزة إلى "ريفيرا الشرق الأوسط"، نواياه بالسيطرة الاقتصادية على القطاع، مشيرًا إلى احتمال توزيع أجزاء منه لدول أخرى في المنطقة ضمن خطط إعادة الإعمار. كما تحدث عن استعداده للنظر في استقبال بعض اللاجئين الفلسطينيين داخل الولايات المتحدة، وهو ما يعكس مقاربة جديدة لا تقتصر على الدعم السياسي لإسرائيل فحسب، بل تمتد إلى فرض رؤية أمريكية لإعادة تشكيل المشهد في غزة.

لكن التطور الأبرز جاء من الموقف العربي، حيث شكلت قمة الجامعة العربية محطة مفصلية في التصدي لهذه الطروحات. فقد أكدت الدول العربية، وعلى رأسها مصر والسعودية، رفضها القاطع لأي محاولات تهجير للفلسطينيين، معتبرة ذلك انتهاكًا للقانون الدولي.

كما دعمت خطة إعادة إعمار غزة بتمويل خليجي، وهو ما بدا كخطوة استباقية لإفشال المساعي الأمريكية لإعادة هندسة واقع القطاع وفق رؤية تخدم المصالح الإسرائيلية. وهذا الرفض العربي الموحد بدا وكأنه يمثل تحديًا حقيقيًا للطموحات الأمريكية، وأكد على تمسك الدول الإقليمية بدورها المحوري في القضية الفلسطينية، ورفضها لأي محاولات خارجية لفرض حلول لا تخدم المصالح العربية والفلسطينية على حد سواء.

إسرائيل تستكمل إبادة غزة وتُفشل التهدئة

وفي مقابل ذلك، تخلت إسرائيل فعليًا عن اتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ سريانه في 19 يناير بعد حرب استمرت أكثر من 17 شهرا، واستأنفت غاراتها المكثفة على غزة منذ يوم الثلاثاء الماضي مما أنهى قرابة شهرين من الهدوء النسبي. وشن الطيران الإسرائيلي سلسلة من الغارات الجوية المكثفة على ما وصفه بأهداف تابعة لحركة حماس في جميع أنحاء القطاع، ما أسقط إلى الآن مئات الشهداء وعشرات المصابين في المخيمات.

اقرأ أيضًا: بضوء أخضر أمريكي.. إسرائيل تستأنف الحرب على غزة

كما حذر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس من أن الأوضاع في غزة ستشهد تصعيدًا غير مسبوق، مؤكدًا أن "أبواب الجحيم ستفتح" إذا لم تفرج حماس عن جميع الأسرى. وفي المقابل، حملت حركة حماس رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته المسؤولية الكاملة عن التصعيد، معتبرة أن إسرائيل "انقلبت على اتفاق وقف إطلاق النار"، ما يعرض الأسرى في غزة لمصير مجهول.

ودعت حماس الوسطاء الدوليين إلى التدخل وتحميل إسرائيل المسؤولية عن خرق الاتفاق، كما طالبت جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي بالتحرك لدعم الفلسطينيين ورفع الحصار عن غزة. كما دعت الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي إلى انعقاد عاجل لإلزام إسرائيل بالقرار 2735، الذي ينص على وقف العدوان على غزة.

إدارة لشؤون العبور الطوعي

واستمرارًا للضغط الإسرائيلي والأمريكي فيما يتعلق بغزة، أُعلن عن إنشاء إدارة لشؤون العبور الطوعي "لسكان غزة الذين يبدون اهتمامًا بالقيام بذلك" إلى دول ثالثة، حسب بيان صادر عن وزير الدفاع يسرائيل كاتس، قال فيه إن الحكومة الأمنية الإسرائيلية وافقت على إنشائه "مع مراعاة" أحكام القانون الإسرائيلي والدولي، حسب صحيفة هآرتس الإسرائيلية اليوم الأحد.

ووفق البيان، ستعمل الإدارة على "إعداد ممر آمن لسكان غزة وتنسيق البنية التحتية التي ستمكن من المرور برًا وبحرًا وجوًا".

وقد جاءت هذه الخطوة الإسرائيلية تزامنًا مع تصريحات ويتكوف، ما أثار مخاوف جدية بشأن النوايا الحقيقية لإسرائيل والولايات المتحدة تجاه مستقبل قطاع غزة وسكانه. فبينما تتحدث الإدارة الأمريكية عن إعادة الإعمار، تعمل إسرائيل على تهيئة الظروف لتهجير السكان، وهو ما يتماشى مع الرؤى التي طرحها ترامب سابقًا.

وإن كان طارق فهمي، أستاذ العلاقات الدولية والخبير في الأمن القومي، يستبعد وجود علاقة مباشرة بين هذه الخطوة وتصريحات ويتكوف، موضحًا أن المشروع الإسرائيلي يعود إلى نحو شهر ونصف، حين أُنشئت لجنة وزارية تحت إشراف وزارة الدفاع لتسهيل الهجرة الطوعية عبر ميناء أشدود ومطار رامون، بالتعاون مع منظمات يهودية داخل إسرائيل والولايات المتحدة.

ويشدد فهمي على أن هذه التطورات لا تعني فشل المشروع المصري لإعمار غزة، مؤكدًا أن القاهرة قدمت خطة شاملة بإطار زمني واضح، في مواجهة مشروع غير واقعي للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الذي يسعى إلى تهجير الفلسطينيين تحت غطاء "ريفيرا غزة"، مختتمًا بأن الاتصالات المصرية لا تزال مستمرة مع مختلف الأطراف، سواء الولايات المتحدة وإسرائيل، أو الفصائل الفلسطينية، لضمان استكمال مسار التهدئة وإعادة الإعمار.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة