معاوية.. 1400 سنة من الخلاف السني الشيعي

نكأ مسلسل “معاوية” الجراح وأثار الأفكار والتصورات الدينية السائدة في المجتمعات العربية، بدءًا من الجدل حول تحريم أو جواز تجسيد الأنبياء والصحابة في الأعمال الدرامية، مرورًا بالصراع الأبرز في تاريخ الإسلام، الممتد منذ ألف وأربعمائة عام، بين معاوية بن أبي سفيان وعلي بن أبي طالب على الحكم والخلافة، بكل ما يحمله من دراما وشخصيات وخيال وأحداث وروايات متناقضة، وهو الصراع الذي أدى إلى الانقسام السني-الشيعي.

في محاولة للفهم والتأمل في نشأة هذا الصراع واستمراريته، يتتبع الباحث الأنثروبولوجي والكاتب المتخصص في التاريخ الإسلامي، برنابي روجرسون، في كتابه “ورثة محمد.. جذور الخلاف السني-الشيعي”، أصول هذا الخلاف من منظور تاريخي واجتماعي وسياسي، متجنبًا الخوض في السجالات العقائدية والفقهية التي نشأت نتيجة الخلط بين الديني والسياسي، واحتدام الصراع على السلطة والنفوذ والثروة عقب التوسعات الكبرى للإمبراطورية الإسلامية.

الكتاب، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يناقش مجموعة من التساؤلات المنطقية والأساسية حول كيفية نشوء هذا الصراع عقب وفاة النبي محمد، ومسألة من يخلفه، وكيف تحول من صراع سياسي إلى صراع عقائدي أفرز طائفتين رئيسيتين في الإسلام، لكلٍّ منهما تصوراته المختلفة على المستويين السياسي والعقائدي، وهما “السنة” و”الشيعة”، ولماذا استمر هذا الانقسام عبر القرون، وكيف يمكن تجاوزه؟

في ظل حدة الصراع بين الإمام علي ومعاوية، وتورط الكثير من الصحابة وحتى السيدة عائشة في هذا الصراع، بدأت بذور الصراع العقائدي في الظهور؛ فلم تكن أدوات السياسة وحدها كافية لحسم الصراع، لذلك تم استدعاء النصوص الدينية وتأويلها

رؤية موضوعية

واحدة من المعضلات الأساسية فيما حدث من صراع، هي تمسك كل طائفة برواياتها لما حدث، بغض النظر عن مدى موضوعية ودقة هذه الروايات؛ فقد تحولت مع مرور الزمن إلى سرديات مقدسة عند كل طائفة، لا يجوز نقدها، مما جعل محاولة بناء أي جسور عبر نقد أو مراجعة بعض هذه الروايات مهمةً انتحاريةً، يضع صاحبها نفسه في مرمى نيران أبناء طائفته والطائفة الأخرى بطبيعة الحال.

لذلك، تزداد أهمية ما يقدمه الباحث برنابي روجرسون من تتبعه وتحليله لقراءات وسرديات مغايرة أكثر موضوعية، بحكم استقلاليته كباحثٍ غير محسوب على أي من طرفي الصراع، وبالتالي قد يساعدنا بحثه في فهم ما حدث بصورة أوضح، بوصفه صراعًا وتجربةً إنسانيةً بالأساس، تحتمل الصواب والخطأ، وتعبر عن سياقها التاريخي والاجتماعي الذي تجاوزناه على المستوى الزمني منذ قرون طويلة، ورغم ذلك ما زلنا على مستوى الوعي والممارسات غارقين فيه.

يتميز الكتاب بطرحه لفرضيةٍ غير شائعةٍ في فهم وتحليل نشأة وتطور الخلاف السني-الشيعي، من خلال التركيز على الاختلافات الأنثروبولوجية والثقافية بين مجتمعي مكة والمدينة، وكيف ساهمت في نشأة واحتدام الصراع، وهي نقطة لم تلتفت إليها كثيرٌ من الدراسات التي رصدت الخلاف السني-الشيعي. كما تمنحنا شخصية روجرسون، بوصفه باحثًا أجنبيًا مستقلًّا غير محسوبٍ على أي من طرفي الخلاف، مساحةً للتعامل مع التاريخ الإسلامي من منظورٍ إنسانيٍّ بعيدًا عن القداسة، وتأمل كيف ينظر الآخر إلى التاريخ والحضارة الإسلامية.

يتكون الكتاب من جزأين تضمنا عشرة فصول، الجزء الأول يحتوي أربعة فصول تركز على مجتمعي مكة والمدينة في فترة حياة النبي محمدٍ وصحابته وزوجاته، والتركيبة الاجتماعية والسياسية التي بُعث الإسلام فيها، وكيف تفاعل الدين الجديد مع هذه البيئة، وكيف شكَّل كلٌّ منهما الآخر. أما الجزء الثاني، فيركز على الدولة والمجتمع الإسلامي بعد وفاة النبي محمد. ويتضمن الكتاب كذلك ملحقين، الأول عن ورثة النبي السياسيين بعد مقتل الحسين، والثاني عن تراث السيدة عائشة بين رواة المدينة.

مكة والمدينة

يشير روجرسون إلى أن جذور الخلاف السني-الشيعي لم تكن عقائدية بقدر ما كانت خلافات اجتماعية وسياسية، ويرى أن نشأة هذا الخلاف تعود لسببين أساسيين: الأول، اختلاف مجتمع مكة عن مجتمع المدينة، والثاني، الصراع بين نساء بيت النبي، سواء في حياته أو بعد وفاته، وهي المرحلة الأكثر تأثيرًا في نشأة الطائفتين الأكبر في التاريخ الإسلامي.

“كانت مكة بيئةً صحراويةً قاسيةً تعاني ندرة الموارد الطبيعية، لكنها في ذات الوقت تملك موقعًا جغرافيًا متميزًا بين الشام واليمن، قطبي التجارة العربية، لذلك فقد عمل معظم أهل مكة بالتجارة، بالإضافة إلى الإشراف على خدمة الحجاج القادمين للكعبة، وانعكس هذا النمط الاقتصادي على المنظومة الاجتماعية، فعُرف المجتمع المكي بالقوة والنفوذ والعادات والتقاليد الصارمة”.

خلال الحكم الأموي، تحول شيعة وأنصار الإمام الحسين إلى مضطهدين ومطاردين من قبل جيش يزيد، ومع مرور الزمن، تطور الأمر وتورط رجال الدين في تحالفهم مع الحكام في تضخيم الخلافات العقائدية بين السنة والشيعة لتحل محل الخلاف السياسي

على الجانب الآخر، كانت المدينة هي “واحة” الجزيرة العربية، وتتكون من عدة قرى صغيرة تسكنها عشائر مختلفة وطوائف دينية متعددة، ويعمل أهلها بالزراعة، وعاداتهم وتقاليدهم أقرب ما تكون إلى المجتمع الأمومي، فالأبناء كانوا يُنسبون إلى الأم ويرثون خالهم، وكانت المرأة تستطيع في بعض الأحيان الجمع بين أكثر من زوج، هذا بالإضافة إلى تمتع المدينة بقدر من الحرية العقائدية التي مهدت لقبول دعوة النبي محمد.

من خلال هذه الفروق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، تأسس واحد من أبرز الخيوط التي سيكون لها دور أساسي في الخلاف السني-الشيعي، في ظل الصراع على الحكم بعد وفاة النبي محمد؛ فرغم هجرة العديد من الصحابة إلى المدينة مع النبي محمد، فإن معظمهم لم يندمج داخل مجتمع المدينة، وفقًا لرؤية روجرسون، مشيرًا إلى أن معظم المهاجرين “ظلوا يعملون بالتجارة، وحافظوا على عاداتهم وتقاليدهم المكية، في حين كان الإمام علي بن أبي طالب هو الوحيد من كبار الصحابة الذي اندمج داخل مجتمع المدينة، حيث عمل بالزراعة ونزح الآبار، وهو ما عمَّق من تقاربه ومعرفته بأهل المدينة وعاداتهم، وزاد من محبتهم وتقديرهم له”.

ورثة محمد

يوضح روجرسون أن وجود النبي محمد بشخصيته القوية وسط الصحابة قد هيمن على كل هذه الاختلافات الاجتماعية والاقتصادية بين المهاجرين والأنصار، لكن مع وفاة النبي سرعان ما انفجرت هذه الاختلافات وخاصة في ظل عدم إقرار الإسلام لمنظومة محددة وواضحة لتداول السلطة، وهو ما فتح الباب لأن يرى أهل المدينة وعشائرها أنهم الأحق بخلافة النبي، بينما على الجانب الآخر رأى الصحابة الكبار من المهاجرين أنهم الأحق بالخلافة.

” جذور الخلاف السني-الشيعي لم تكن عقائدية بقدر ما كانت خلافات اجتماعية وسياسية” روجروسون

في هذه المرحلة الفارقة من تاريخ المجتمع الإسلامي الوليد، يشير روجرسون إلى أن عشائر المدينة اجتمعت في سقيفة بني ساعدة لاختيار من يخلف النبي. الاجتماع الذي حضره الصحابيان أبو بكر وعمر وشهد جدالًا طويلًا، حُسم في النهاية لصالح خلافة قرشية، وأخذت البيعة من العديد من عشائر المدينة المنورة؛ ليكون أبو بكر أول خليفة للمسلمين.

وفقًا للرواية التي يعتمدها الباحث الإنجليزي في كتابه، كان الإمام علي في هذا التوقيت إلى جوار قبر النبي محمد معتزلًا شؤون الدنيا، وعندما عاد وعلم بما حدث لم يرد أن يشق صف المسلمين وقبل بخلافة أبو بكر، الذي حكم ثم تلاه عمر وكان الصدع بين المدينة ومكة يزداد، في ظل تهميش أهل المدينة واستحواذ القرشيين على معظم المناصب العليا وقيادة الجيوش.

هذا الصدع والتهميش لسكان المدينة، وصل مداه في عهد عثمان، ولم يقتصر التهميش على المدينة فقط، بل امتد لباقي بقاع الدولة الإسلامية، فقد استحوذ أقارب عثمان من بني أمية على مقاليد الخلافة ومعظم المناصب العليا؛ فخرجت الجموع من المسلمين في ثورة قادمين من مصر والعراق، وتوسط الإمام علي لحل الأزمة، وهناك العديد من الروايات المختلفة تتناول هذه الفترة الشائكة التي انتهت بمقتل الخليفة عثمان.

علي ومعاوية

يشير روجرسون إلى أن معاوية بن أبي سفيان لم يكن يطمح في الخلافة في بداية الأمر، وقد كان جل مطامعه وطموحاته تقتصر على الاحتفاظ بولايته على الشام، ورغم نصح العديد من الصحابة للإمام علي بمهدانة حكام الولايات الإسلامية في مصر والشام والعراق لحين تثببت خلافته واستقرارها، فقط رفض الإمام علي هذه الطرق السياسية، وتعامل بقوة العدل وحزم الحق؛ فعزل معاوية، ومن هنا تحول الخلاف إلى صراع على السلطة، ومع مرور الزمن اتخذ هذا الصراع السياسي شكلًا عقائديًا.

“بعد وفاة النبي بخمسين سنة كان المسلمون، قد أقاموا إمبراطورية كبيرة حقًا، لكن حدث أيضًا أن ضرب مسلمون الكعبة وأحرقوها وسووها بالأرض، وحدث أيضًا أن حفيد النبي (الحسين)، استُهزئ به وقُطعت رأسه، والسؤال كيف استطاع المسلمون أن ينحرفوا عن نهج النبي بهذه السرعة؟ منذ تلك الأحداث انقسم المسلمون إلى سُنّة وشيعة”.

يوضح روجرسون أن وجود النبي محمد بشخصيته القوية وسط الصحابة قد هيمن على كل هذه الاختلافات الاجتماعية والاقتصادية بين المهاجرين والأنصار

في ظل حدة الصراع بين الإمام علي ومعاوية، وتورط الكثير من الصحابة وحتى السيدة عائشة في هذا الصراع، بدأت بذور الصراع العقائدي في الظهور؛ فلم تكن أدوات السياسة وحدها كافية لحسم الصراع، لذلك تم استدعاء النصوص الدينية وتأويلها، بدايةً من لحظة رفع المصحف على أسِنَّة الرماح في موقعة “صفين” والمطالبة بالاحتكام إلى كتاب الله، وصولًا إلى المقولة الشهيرة المنسوبة إلى الإمام علي حين أوصى ابن عباس ألا يجادل الخوارج بالقرآن، قائلًا: “لا تجادلهم بالقرآن فإنه حمَّال أوجه، ولكن خذهم بالسنة”.

شهد المجتمع الإسلامي هزات عنيفة عقب اغتيال الإمام علي؛ فبعد سيطرة معاوية على الخلافة، لم يَفِ بوعوده الخاصة بالشورى وتداول السلطة، بل سعى بكل قوة إلى توريث الحكم لابنه يزيد، وهنا تجدد الخلاف مرة أخرى؛ وانقسم المسلمون إلى ثلاث فئات: الأولى رأت أن الحسن والحسين أولى بالحكم، فهما حفيدا النبي محمد وأبناء الإمام علي، والثانية بنو أمية ومناصروهم المسيطرون على الحكم، والثالثة الخوارج الذين كفَّروا الإمام علي ومعاوية من قبل، وتبنوا رؤية سياسية مغايرة لبنية الحكم.

الحسين شهيدًا

بوصول يزيد إلى الحكم، قرر أن يقضي على كل هذه الخلافات بحد السيف، وهنا شهدت الدولة الإسلامية في فترة حكمه القصيرة، التي لم تتجاوز ثلاث سنوات، سلسلة من الجرائم والمذابح لم يسبق لها مثيل في تاريخ الدولة الإسلامية. ومن أبرز هذه الجرائم انتهاك حرمة آل بيت رسول الله، وقتل الإمام الحسين ومن معه من أسرته وأصحابه، وسبي نسائهم وأطفالهم.

قُتل الحسين بن علي بن أبي طالب مع عدد من أقاربه وأنصاره في كربلاء سنة 61ه
قُتل الحسين بن علي بن أبي طالب مع عدد من أقاربه وأنصاره في كربلاء سنة 61ه

بعد هذه المذبحة، انتهك يزيد حرمة مدينة المنورة، وقتل أهلها، وأباح أعراضهم لجيشه، لأنهم استعظموا قتل الإمام الحسين وثاروا ضد يزيد وطغيانه. وبعد ذلك، حاصر بجيشه مكة المكرمة، وقتل آلاف الأبرياء داخل الحرم المكي. وقد ساهمت هذه الجرائم بشكل كبير في تمدد الصراع السياسي ليصبح عقائديًا.

خلال الحكم الأموي، تحول شيعة وأنصار الإمام الحسين إلى مضطهدين ومطاردين من قبل جيش يزيد، ومع مرور الزمن، تطور الأمر وتورط رجال الدين في تحالفهم مع الحكام في تضخيم الخلافات العقائدية بين السنة والشيعة لتحل محل الخلاف السياسي. وشهدت القرون التالية تعدد الطوائف والفرق الشيعية وفقًا لأتباع كل إمام من أحفاد الحسين، ومن أبرز الفرق الشيعية: الاثنا عشرية، والعلوية، والزيدية، والإسماعيلية. على الجانب الآخر، تنوعت الفرق والجماعات السنية وفقًا للآراء الفقهية والانحيازات السياسية والعرقية.

ومن أبرز الخلافات التي تجذرت بصورة عقائدية بين السنة والشيعة، سؤال “الإمامة/الخلافة”، حيث يرى معظم الفقهاء السنة أن قضية الإمامة والخلافة تنتمي إلى فقه المصالح لا العقائد، وبالتالي تعتمد “الشورى” كمبدأ والشرط الأساسي للإمامة الصحيحة، بغض النظر عما يقصدونه عمليًا بهذا الشرط، بينما يؤمن “الشيعة” بأن الإمامة والخلافة منعقدة نصًا في “علي” وذريته، وهي جزء من العقيدة بالنسبة لهم.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة