لحظة حرجة ودقيقة من عمر الأمة المصرية

إلى السلطة وأصحاب الضمائر الحية في المجتمع المصري، وإلى الرأي العام المحلي والعالمي، وإلى الضمير الإنساني أجمع.

الدكتورة ليلى سويف تطالب برفع ما تعتقد، ونعتقده معها، أنه ظلم يقع على ابنها المحروم من حريته منذ أكثر من 12 عامًا، كنتيجة مباشرة لاستخدامه حقوقه الدستورية في التعبير عن رأيه في قضايا الوطن خلال مرحلة حرجة وعصيبة مرت، وما زالت تمر بها البلاد منذ انطلاق ثورة يناير 2011.

ليلى سويف في المستشفى
ليلى سويف في المستشفى (وكالات)

خلال تلك المرحلة، حدثت تباينات في الرؤى، بل واختلافات في طرائق وأساليب معالجة المشكلات والتحديات الكبرى التي تواجه الوطن، ووقعت العديد من التجاوزات والأخطاء، بعضها صغير، والبعض الآخر كبير. لكن، باستثناء المعادين للثورة وللحرية ولتقدم الأمة المصرية من أصحاب الفكر المتعصب الذين يتبنون العنف منهجًا للتغيير، فقد انحاز الجميع إلى مصلحة مصر، شعبًا ووطنًا للجميع، حتى وإن اختلفوا في الأساليب والأدوات ودرجة الحماس والانحياز لهذا النهج في التغيير أو ذاك.

إن علاء عبد الفتاح، المحروم من حريته طوال هذه المدة والذي تعرض للتنكيل به وبأسرته، يقع ضمن هؤلاء المحبين لوطنهم وللشعب المصري، والمدافعين عن حق الناس في التمتع بحياة حرة وكريمة بعد ثورة قدم فيها الشعب، وتحديدًا شبابه، الكثير من التضحيات بحريتهم، بل وبدمائهم من أجل أن يحصل المواطنون المصريون على التمتع بكامل حقهم في حياة حرة كريمة يستحقونها عن جدارة.

إن قضية علاء عبد الفتاح وجميع أقرانه من الشباب والشابات المحرومين من حرياتهم طوال تلك السنين يجب النظر إليها والتعامل معها من ذلك المنطلق، فهي قضايا رأي مرتبطة بمرحلة ما بعد ثورة كبرى هزت العالم أجمع، تعددت فيها المسارات والرؤى والآراء، وتباينت فيها المصالح والأهداف حتى الصراعات الحادة والعنيفة ومحاولات الاختطاف لتحقيق مصالح أيديولوجية وأهداف فئوية لأطراف ضيقة، بعيدًا عن مصالح الوطن وأهداف الثورة الحقيقية وشعاراتها الأساسية: عيش، حرية، عدالة اجتماعية، وكرامة إنسانية.

إن قضية علاء عبد الفتاح وزملائه ليست قضية قانونية بالمعنى الحرفي للكلمة، بل هي قضية سياسية بالدرجة الأولى، قضية رأي بامتياز، ومعالجتها يجب أن تنطلق من ذلك المفهوم، ولا تذهب إلى التفسيرات الفقهية والقانونية التي من الواضح أنه مختلف عليها، والتي لا تعد المرجعية الصحيحة في حالتنا تلك، سواء فيما يتعلق بعلاء أو بأي شخص آخر من الذين غيبتهم جدران السجون طوال تلك السنين بسبب إبدائهم آراءهم بحرية وشجاعة، حتى وإن شاب تلك الشجاعة في إبداء آرائهم قدر من التجاوز.

إن تماسك الأمة والمحافظة على لحمتها الوطنية لا يعني أن نصبح جميعًا نُسخًا متكررة، ولا يعني ذوبان التنوع ولا عدم تباين الرؤى، وإنما يعني الالتفاف حول تحقيق الأهداف الوطنية الكبرى، سواء المتعلق منها بتحقيق أعلى معدلات للتنمية وإعمال دستور البلاد، وإقامة العدالة الاجتماعية، وتحقيق التطور الديمقراطي، وإعلاء دور العمل المؤسسي مع أوسع تحقيق لمبادئ وقيم حقوق الإنسان. وعلى الجانب الآخر، فإن تماسك الأمة إنما يعني أيضًا الدفاع عن أمننا القومي وحماية أمن الوطن واستقرار الدولة المصرية، والتصدي معًا لأي تهديد أو عدوان خارجي.

ليلى سويف أثناء احتجاجها أمام مقر رئيس الوزراء البريطاني (وكالات)
ليلى سويف أثناء احتجاجها أمام مقر رئيس الوزراء البريطاني (وكالات)

إن تحقيق تلك اللحمة لن يتأتى إلا باحترام حقوق المواطنين واحترام تنوعهم، فالأمم لا تحقق نهضتها ولا تسترد عافيتها وقوتها سوى بمواطنين أحرار يشعرون بأنهم هم من يمتلكون الوطن بموارده وثرواته، ويتمتعون فيه بكامل حرياتهم وحقوقهم، بما في ذلك حقهم في إدارة شؤونه، وحقهم في التعبير بحرية عن آرائهم مهما كانت صادمة، فمناخ الحرية والديمقراطية هو وحده القادر دائمًا على تصحيح المسارات، ومراجعة الأفكار والخطط والمشاريع التي تسعى إلى تحقيق أهداف التنمية، وتحافظ على رقي الوطن وتقدمه، وليس مناخ القمع وكبت الحريات وقتل الأصوات المختلفة، ومهما حققت تلك الطرق والأساليب من نجاحات، فستظل تلك النجاحات محدودة وقابلة للانهيار طالما هي قائمة على القهر والتسلط وقمع الحريات.

إن الدولة القوية تحقق أهدافها، ويقوم استقرار نظام الحكم فيها على أساس التحلي بالحكمة والحنكة السياسية واحترام القانون، وتُثبت دعائمها باحتضان مواطنيها كافة دون تمييز بينهم، مهما تباينت رؤاهم، ومهما تنوعت أفكارهم التي يتبنونها للوصول بمجتمعاتهم إلى الأفضل دائمًا. وعلى الحاكم أن يتحلى بسعة الصدر، وأن يقدم الاعتبارات الإنسانية الجامعة للأمة على باقي الاعتبارات، حتى على القانون في بعض الأحيان إن تطلب الأمر ذلك، فالقوة الحقيقية للسلطة التي تُدير شؤون البلاد إنما تُستمد من ذلك القدر من الثقة بالنفس، وليس عن طريق البطش واستخدام العنف ضد مواطنيها.

لقد قدمت الدكتورة ليلى سويف نموذجًا للتضحية بالنفس من أجل حرية ابنها، واستطاعت أن تجعل قضية جميع المحبوسين على ذمة قضايا الرأي في مصر في بؤرة اهتمام الرأي العام محليًا ودوليًا، وإنني أعتقد أنه سوف يكون من الحكمة، بل ومن القوة والشجاعة أيضًا، أن تستجيب السلطات ومتخذو القرار في مصر لنداء الأم المصرية الشجاعة، ولنداءات جميع الأمهات والقوى والأحزاب السياسية، ولنشطاء المجتمع المدني، ولكافة القوى والتجمعات الديمقراطية، والمدافعين عن حقوق الإنسان في مصر، وفي جميع أنحاء العالم، قبل فوات الأوان.

اللحظة حرجة ودقيقة على كافة المستويات، والمسؤولية والحكمة تحتمان الاستماع إلى صوت العقل والضمير الإنساني، وسوف يُحسب لمتخذ القرار، ويُضاف إلى رصيده، ولا يخصم منه أبدًا، اتخاذ ذلك القرار الذي طال انتظارنا له، بالعفو عن المحبوسين والمحكومين في قضايا تمس حرية الرأي والتعبير، ومن بينهم علاء عبد الفتاح.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة