أثار الاجتماع الذي عُقد في العاصمة الكينية نيروبي، الأسبوع الماضي، وجمع قوى سياسية معارضة وممثلين عن قوات الدعم السريع، غضب الحكومة السودانية، التي اعتبرته "سابقة خطيرة" قد تمهد لتشكيل حكومة موازية في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع. وردًا على ذلك، استدعت الخرطوم سفيرها لدى كينيا احتجاجًا على ما وصفته بـ"الخطوة العدائية".
اتهامات سودانية لكينيا
وأصدرت وزارة الخارجية السودانية بيانًا شديد اللهجة أعربت فيه عن "أسفها العميق" لما وصفته بتجاهل الحكومة الكينية "لالتزاماتها بموجب القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة والقانون التأسيسي للاتحاد الإفريقي"، متهمةً كينيا بـ"استضافة اتفاقية سياسية بين ميليشيا الجنجويد الإرهابية"، في إشارة إلى قوات الدعم السريع، التي تُتهم بارتكاب "جرائم إبادة جماعية مستمرة".
وقد وصفت الخارجية السودانية الاجتماع بأنه "محاولة لإقامة حكومة موازية"، معتبرةً أن هذه الخطوة تعزز "تفكيك الدول الإفريقية، وانتهاك سيادتها"، مشددةً على أن ذلك "يُعد خرقًا واضحًا" للمواثيق الدولية.
شهد الاجتماع مشاركة عدد من القادة السياسيين والمسلحين، أبرزهم رئيس حزب الأمة القومي فضل الله برمة، وعبد الرحيم دقلو نائب قائد قوات الدعم السريع، ورئيس "الحركة الشعبية-شمال" عبد العزيز الحلو.
كينيا تدافع عن موقفها
من جانبها، دافعت الخارجية الكينية عن استضافة الاجتماع، مشيرةً إلى أنها "ليست المرة الأولى التي تسعى فيها أطراف سودانية إلى إيجاد حلول لأزمتها عبر دول الجوار". وأكدت أن كينيا سبق أن احتضنت اجتماعات مماثلة في يناير 2024 ضمن جهود "إيجاد حلول للحوار الشامل والعودة إلى الحكم المدني".
وأضافت الوزارة أن بلادها تستضيف "لاجئين سودانيين، بمن فيهم ممثلو قوى مدنية معارضة"، مؤكدةً أن ذلك يتماشى مع التزاماتها الدولية، كما ذكّرت بدور كينيا في وساطة اتفاقية السلام السودانية عام 2002.
قلق دولي وإفريقي
ومن جانبه، أعرب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة عن "قلقه" إزاء تقارير عن نية قوات الدعم السريع تشكيل حكومة موازية، محذرًا من أن ذلك "قد يزيد من تفاقم الأزمة السودانية". كما أدان مجلس السلم والأمن الإفريقي "التدخل الخارجي الذي يؤجج النزاع"، مطالبًا بـ"وقف الدعم العسكري والمالي لأطراف النزاع".
انقسام سوداني حول الحكومة الموازية
وأثارت خطوة تشكيل حكومة موازية انقسامًا حادًا داخل المشهد السياسي السوداني، حيث أيّدت بعض القوى السياسية هذه الخطوة، بينما رفضتها أخرى، بما في ذلك "تنسيقية القوى المدنية الديمقراطية" (تقدم)، أكبر تحالف مدني معارض بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك. وقد تسبب هذا الموقف في انشقاقات داخل "تقدم".

انتقادات داخلية وخارجية لكينيا
ولم تقف الانتقادات لكينيا حد ردود الفعل الدولية، إذ اعتبرت صحيفة "ستاندرد" الكينية استضافة الاجتماع "خطأً دبلوماسيًا"، فيما رأت "ديلي نيشن" أن كينيا "تلعب بالنار" من خلال دعم فصيل معين في النزاع السوداني.
كما اتُهمت نيروبي بـ"التستر على أنشطة إجرامية" عبر استضافتها اجتماعًا نظمته قوات الدعم السريع. وتشير تقارير إلى وصول قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) إلى كينيا للمشاركة في إعلان الحكومة الموازية.
يرى مراقبون أن استضافة كينيا لهذا الاجتماع أضرت "بصورتها كوسيط محايد"، مما قد يؤثر على دورها المستقبلي في حل النزاعات الإقليمية. ووصف الصحفي نوي ميشالون هذه الخطوة بأنها "المسمار الأخير في نعش" وساطة كينيا.
إعلان ضمني بالخسارة
ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء أحمد الشاذلي، في حديثه لـ"العربية/ الحدث.نت"، أن إعلان حميدتي تشكيل حكومة موازية "يمثل اعترافًا ضمنيًا بخسارة الحرب"، خاصةً بعد تقدم الجيش السوداني في عدة مناطق، معتبرًا أن هذه الخطوة "محاولة للضغط السياسي على الحكومة السودانية".
ومن جانبه، أكد نجم الدين دريسة، المتحدث باسم تحالف "قمم"، استمرار المشاورات في نيروبي بشأن "الميثاق السياسي والدستور المؤقت للحكومة"، لكنه لم يحدد موعدًا نهائيًا للإعلان عن الحكومة أو تشكيل هياكلها.
ضغوط إفريقية ومخاوف من سابقة خطيرة
وأفادت مصادر في الاتحاد الإفريقي بأن "عواصم إفريقية أبدت قلقها" من تشكيل حكومة موازية، محذرةً من أن ذلك "قد يمثل سابقة خطيرة في القارة". وتشير التقارير إلى أن المؤتمر الصحفي الذي كان مقررًا لقوات الدعم السريع في نيروبي قد أُلغي، ما قد يعكس "ضغوطًا على السلطات الكينية لمنع إعلان الحكومة الموازية من أراضيها".
كمبالا اعتذرت.. وضغوط خارجية على روتو
وكشف رئيس الاتحاد العام للصحفيين السودانيين الصادق الرزيقي أن ترتيبات الإعلان عن الحكومة الموازية "كانت مقررة في كمبالا، لكن الرئيس الأوغندي يوري موسيفني اعتذر عن استضافتها". وأشار إلى أن الرئيس الكيني وليام روتو "يتعرض لضغوط خارجية مكثفة لاستضافة الاجتماع"، رغم تعهده بعدم السماح بإعلان حكومة موازية من بلاده.
ويرى الباحث السياسي وليد الطيب أن "لروتو علاقات تجارية ومالية مع قيادة الدعم السريع"، مما قد يفسر استجابته "لضغوط إقليمية داعمة لحميدتي"، وفق ما نقلت عنه "الجزيرة نت".
خيارات السودان للضغط على كينيا
وفي ظل هذا التصعيد، تدرس الحكومة السودانية خيارات للضغط على نيروبي، تشمل "إغلاق المجال الجوي أمام الطيران الكيني ووقف استيراد الشاي والبن"، إلى جانب إجراءات دبلوماسية أخرى. ويرى مراقبون أن الخرطوم "تمتلك أوراق ضغط يمكنها استخدامها" لمنع قيام حكومة موازية انطلاقًا من كينيا.
