التضحية بالنمو أو التضخم.. لماذا اجتماع "المركزي" الخميس هو الأخطر في 2025؟

تواجه لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي موقفًا لا تُحسد عليه خلال اجتماعها غدًا الخميس، فكل الحيثيات المعتادة التي تعتمد عليها في قراراتها، متضاربة، وجميع القرارات التي يُتوقع إصدارها تتضمن مخاطر وتحديات ستنعكس على السوق في أول اجتماع للفائدة في 2025.

تعتمد اللجنة على العديد من المقاييس قبل اتخاذ قرارها في مقدمتها معدل التضخم، والتطورات الأخيرة على الصعيد العالمي وقرارات البنوك المركزية إزاء سعر الفائدة، معدل النمو الاقتصادي المحلي، مستوى البطالة والتشغيل، أسعار الوقود عالميًا.

سحب البنك المركزي 1,051 تريليون جنيه سيولة بعطاءات السوق المفتوحة أمس الثلاثاء، ليرتفع إجمالي المبالغ التي سحبها في فبراير الحالي إلى 2.6 تريليون جنيه

التضخم المستهدف

على مستوى التضخم، سجل معدل التغير الشهري في الرقم القياسي العام لأسعار المستهلكين للحضر، الذي يعده الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء 1.5% في يناير 2025، مقابل 1.6% في يناير 2024. وعلى أساس سنوي، سجل معدل التضخم العام للحضر 24% في يناير 2025 مقابل 24.1% في ديسمبر 2024 بتراجع طفيف.

التراجع الطفيف الذي سجله معدل التضخم أو بالأحرى وتيرة زيادة الأسعار، لا يعطي اللجنة قناعة كبيرة بضرورة خفض الفائدة، خاصة أن الاجتماع يأتي قبل أيام قليلة من بداية شهر رمضان الذي يشهد تناميا في استهلاك المصريين، وارتفاع الطلب على السلع الغذائية، ما يحرك معه الأسعار.

التضخم يلاحق العملة المحلية (الصورة - وكالات)
التضخم يلاحق العملة المحلية (الصورة - وكالات)

يقول رئيس أحد البنوك التجارية الكبرى إن أرقام التضخم أقل من المستهدف الذي وضعه البنك المركزي للربع الرابع من العام 2024 على أن يسجل حوالي 26% في المتوسط، لكن المركزي كان يستهدف الوصول لمستوى تضخم 7% (± 2) أي يستهدف تضخم أحادي من رقم واحد يتراوح بين 5 و9%، والأرقام الحالية لا تزال بعيدة عن ذلك.

مقارنة أسعار يناير 2025 بديسمبر 2024، تظهر ضغوط على بند السلع الغذائية إذ ارتفع قسم الطعام والمشروبات بنسبة (2.1%)، وارتفع قسم الحبوب والخبز بنسبة (1.3%) ، واللحوم والدواجن بنسبة (5%) ، مجموعة الألبان والجبن والبيض بنسبة (0.3%) ، والزيوت والدهون بنسبة (0.7%) ، والفاكهة بنسبة (9.8%)، مجموعة السكر والأغذية السكرية بنسبة (0.7%) ومجموعة البن والشاي والكاكاو بنسبة (1.2%).

البطالة والنمو

قبل إصدار لجنة السياسة النقدية قرارها لابد أن تضع في الحسبان مستوى البطالة والتشغيل، وبحسب آخر إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، انخفض معدل البطالة في الربع الرابع من عام 2024 إلى 6.4% بتراجع نسبته 0.3% عن الربع السابق.

قدر الجهاز حجم قوة العمل بنحو 33.124 مليون فرد بعد ارتفاع أعداد المشتغلين بمقدار (935) ألف مشتغل خلال الربع الرابع لعام 2024 عن الربع السابق وانخفاض المتعطلين بمقدار (29) ألف متعطل في الفترة المقارنة ذاتها.

صورة تعبيرية عن البطالة- مواقع الكترونية
صورة تعبيرية عن البطالة- مواقع الكترونية

تشير التوقعات إلى أن نمو الاقتصاد المصري قد يسجل 4% في العام المالي الحالي الذي ينتهي في يونيو المقبل وهي ذات النسبة التي استهدفتها وزارة التخطيط للعام، لكن لا تزال بعض المؤشرات الدولية تحذر من استمرار انكماش القطاع الخاص بمصر.

ووفقاً لبيانات مؤشر S&P global، تراجعت أحوال القطاع الخاص غير المنتج للنفط بمصر للشهر الرابع على التوالي، إذ تراجع مؤشر مديري المشتريات الرئيسي إلى 48.1 نقطة في ديسمبر من 49.2 نقطة في نوفمبر، وسط انكماش الإنتاج والطلبات الجديدة بأسرع معدل في 8 أشهر بسبب ضعف الطلب من قبل العملاء بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع الأسعار.

 

ضغوط القطاع الخاص

في الأيام القليلة الماضية، انتقد رجال الأعمال والمستثمرون خاصة العاملين بالقطاع العقاري معدلات الفائدة المرتفعة بمصر، واعتبروها معوق أساسي للنمو والاستثمار والتشغيل، فالفائدة بعد إضافة الرسوم عليها تصل لـ 30% ما يؤدي إلى تآكل أرباح المستثمرين خاصة بعد إضافة الضرائب عليها التي تقدر بـ22.5% بجانب أعباء الطاقة وأجور العمالة.

في آخر اجتماعاتها لعام 2024 في 26 ديسمبر الماضي، أبقت لجنة السياسة النقدية على سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي عند 27.25% و28.25% و27.75%، على الترتيب، كما قررت الإبقاء على سعر الائتمان والخصم عند 27.75%.

أسعار العقارات في مصر تشهد ارتفاعات غير مسبوفة (وكالات)
أسعار العقارات في مصر تشهد ارتفاعات غير مسبوفة (وكالات)

واضطرت العديد من الشركات العقارية لطرح وحدات على مدد زمنية تصل إلى 13 عاما للهروب من الحاجة للتمويل البنكي، رغم ارتفاع نسبة المخاطرة في القرار إذ حدث تغير كبير بسعر صرف الجنيه أمام الدولار.

يقول رئيس البنك إن العديد من البنوك استبقت اجتماع البنك المركزي وقررت تخفيض الفائدة على شهادات الادخار الثلاثية، مثل البنك التجاري الدولي أكبر بنك قطاع خاص بمصر، وبنك QNB، والبنك المصري الخليجي، ما يعطي مؤشر على إمكانية اتخاذ البنك المركزي قرارًا بخفض الفائدة ولو بنسبة طفيفة تتراوح بين 0.5 و1%.

 سيناريوهات صعبة

يأتي اجتماع اللجنة أيضًا وسط تصاعد حمى الرسوم الحمائية عالميا التي بدأها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد الصين والمكسيك وكندا واعتزامه تطبيقها على أوروبا ما ينذر بارتفاع وتيرة التضخم عالميا ويقلل من تحرك البنوك المركزية لخفض الفائدة بنسبة أكبر.

وفي حالة الحروب التجارية، تتضرر البلدان النامية، ومنها مصر، بتداعيات سلبية أهمها تراجع النمو واضطراب التجارة الدولية وانخفاض الاستثمار وارتفاع تكلفة التمويل وزيادة سعر صرف الدولار، وتراجع المساعدات الإنمائية.

 50% تثبيت 50% رفع

على مدار اجتماعات السياسة النقدية كانت توقعات الخبراء متضاربة لكنها تميل نحو توجه معين، لكن في الاجتماع المقبل يوجد انقسام غير معهود بينها، فنصف بنوك الاستثمار ترجح التثبيت والنصف الآخر الخفض.

وتوقعت بنوك استثمار "إي إف جي القابضة" و"عربية أونلاين" تثبيت الفائدة لمكافحة التضخم المرتفع، خاصة مع اقتراب شهر رمضان الذي يشهد زيادة في الطلب على المنتجات الغذائية والمشروبات، بينما رجحت "سي آي كابيتال" و"زيلا كابيتال" و"الأهلي فاروس" و"النعيم للوساطة المالية" خفض أسعار الفائدة بين 100 و200 نقطة أساس.

محمد عبدالعال، الخبير المصرفي المعروف يعبر عن تلك الحالة، يقول إن القرار سيكون إما تثبيت أو خفض، وكلاهما صعب وله ما يبرره، فالتثبيت يزيد من الضغط على النمو الاقتصادي نتيجة ارتفاع تكلفة الاقتراض لكل من الحكومة والقطاع الخاص، وزيادة تكلفة تمويل الدين الداخلي، ومزيد من عجز الموازنة، أما التخفيض فيتضمن مخاطر أيضًا تتعلق بارتفاع معدلات التضخم مرة أخرى، وزيادة التحديات في تحقيق استقرار العملة والأسعار والتأثير سلبًا على معدل قدوم الاستثمار الأجنبي غير المباشر.

محمد عبد العال
محمد عبد العال

ومن المعروف أن كل زيادة 1% في سعر الفائدة يكبد الموازنة العامة للدولة بين 30 إلى 32 مليار جنيه عبء دين بما يؤدي إلى زيادة تكلفة الفائدة في الموازنة العامة الدولة، وبالتالي أثر على الدين وعجز الموازنة، كما يمثل مشكلة في مستهدفات وزارة المالية التي تسعى لخفض الدين العام كنسبة للناتج المحلي إلى 85% بنهاية العام المالي الحالي.

بالنسبة لعبد العال، فإن التخفيض له ما يبره من تخفيف عبء الدين على الحكومة والقطاع الخاص، وتحفيز القطاعات الإنتاجية المحلية على زيادة الإنتاج للاستخدام المحلي استعدادًا لمواجهة محتملة لصدمة عالمية محتملة ناتجة عن قرارات الإدارة الأمريكية التي تتطلب الاعتماد أكثر على الذات، وحال تثبيت الفائدة سيكون الهدف التضييق أكثر على السيولة في السوق للحد من التضخم القائم، وتحسبًا من إمكانية تولد موجات تضخمية محلية، أو عالمية في ظل الأوضاع الجيوسياسية بالمنطقة".

إما التضخم أو النمو

هانى أبو الفتوح الخبير المصرفي، يعبر عن تلك الإشكالية أيضًا بقوله إن المعروض النقدي شهد نموًا سريعًا بنسبة 31.07% في ديسمبر 2024، ما يعني تدفق سيولة كبيرة في الأسواق قد ترفع معدلات التضخم إذا لم يتم ضبطها.

هاني أبو الفتوح
هاني أبو الفتوح

سحب البنك المركزي 1,051 تريليون جنيه سيولة بعطاءات السوق المفتوحة أمس الثلاثاء، ليرتفع إجمالي المبالغ التي سحبها في فبراير الحالي إلى 2.6 تريليون جنيه.

يضيف أبو الفتوح أنه يجب الحفاظ على الفرق بين الفائدة المحلية والدولية لتجنب خروج رؤوس الأموال التي تستثمر بأدوات الدين الحكومية وتتحرك بحثًا عن العائد المرتفع، لكن الفائدة المرتفعة لفترة طويلة قد تؤدي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في الوقت ذاته.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة