قُوبلت كلمة المشير الرئيس عبد الفتاح السيسي، ردًا على هرطقة نظيره الأمريكي ترامب، بتهجير الغزيّين إلى مصر والأردن، بارتياح كبير لدى كثرة تبدو كاسحة وغير مسبوقة من الشعب المصري، حتى أن معارضين بارزين أو إرهابيين، ممن فروا من "جنة الديمقراطية المصرية"، لم يستنكفوا عن إعلان اصطفافهم مع الدولة، بوجه المخططات الصهيونية والأمريكية، في تصرف ينم عن تسامٍ أخلاقي ووطني قلما نجده في ساحات السياسة، الأمر الذي يستوجب من كل شريف، أو من "المواطنين الشرفاء"، أن يشكروا أولئك "الإرهابيين المعارضين".
في فرقة المؤيدين المتحدين، لمخرجها ومنتجها السيد المسؤول عن رسائل "السامسونج"، بلغت الإشادة بكلمة فخامته الحاسمة الصارمة، الواضحة الجلية، الحصيفة البليغة، و"إن عليها لسحرًا"، المتزنة الموزونة، النقية كالماء بعد عبوره الفلاتر.. بلغت الإشادة عنان السماء، وبلغ إبراهيم عيسى بدوره سقفًا غير مسبوق من "التحليل"، فأتى بما لم يستطعه الأوائلُ، كما يقول شاعرنا المتنبي.
في التحليل قال عيسى: إن بطل مشهد عودة النازحين الفلسطينيين إلى غزة، هو الرئيس المصري"، وهو أمر لا نعارضه والعياذ بالله، بخاصةٍ بعد تجربة الاعتقال، أو قل تجربة الحبس الاحتياطي على ذمة قضايا جنائية، وفق التوصيف الرسمي للجمهورية الجديدة.
المعارضون إرهابيون، والاعتقال حبس احتياطي على ذمة قضايا.
ثمة أشياءٌ كثيرة في مصر، ومع الأسى الشديد، قد غدت ذات اسمين، وهما اسمان متناقضان في أغلب الأحوال، ما يؤكد نجاح سياسة "احنا شعب وانتوا شعب"، إلى حد شديد الإيلام.
ما علينا، إن هذا فرع من الكلام قد يخرجنا من الموضوع، لكن.. وإن كنا لا نعارض الأحاديث الرئاسيةـ ومعها تحليل إبراهيم عيسى، على الأقل انطلاقًا من رغبة حقيقية وصادقة، في أن يكون رأيه صحيحًا، ورغبةً في انتساب هذا الشرف إلى مصر، إلا أن ذلك لا ينفي الاستفسار عن مسوغات التحليل، والمقدمات المنطقية التي أفضت إليه.
لا تشكيك في الأمر، أستغفر الله العظيم، لكن السؤال ليس حرامًا وليس محرمًا، بل إن خليل الله أبا الأنبياء، طلب إلى ربه أن يأتيه ببرهان، كي يطمئن قلبه: "أرني كيف تحي الموتى"، فلم يصب الله عليه سوط عذاب.
يا عزيزي إنها الخلفية العسكرية
وبعيدًا عن عبقرية إبراهيم عيسى، ووزنه الثقافي الذي لا يقل بالضرورة عن وزن جسمه الذي أصبح منفوشًا كالعجين بعد تخميره، وفي سياق الإشادة والتبجيل أيضًا، ولا نقول التهليل والتطبيل، مضى خبراء استراتيجيون "جدًا"، إلى القول أن أهمية كلمات رأس النظام تكمن في مرجعيته العسكرية، والأكثر من ذلك أنه رجل استخبارات "محنك جدًا"، فالله أكبر ولله الحمد، حمدًا كثيرًا مباركًا، أن رئيسنا عسكري صلب، وليس مدنيًا طريًا.
كذلك يُنتسب الفضل إلى أهله، أي أشاوس المؤسسة العسكرية، حماة الأرض الذين لا يغمض لهم جفن، ممن يقفون على الحدود، ويصونون كل حبة رمل من هذا الوطن، الذي تُسترخص لأجله الدماء.

حسنًا.. لا جدال، بل إن الجدال في هذه المرحلة السائلة من التاريخ، يعد من الخيانة، إذ لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، كما هو الحال دائمًا، لا صوت يعلو، وكلنا جمال، وكلنا السادات، وكلنا مبارك، وكلنا السيسي.
غير أن الاتفاق مع ما سبق كله، لا يحول بالضرورة دون إبداء ملاحظات نقدية لا تتعلق بالكلمة الرئاسية في مجملها، بل بعبارة تسللت إليها، تبدو منبتة الصلة عن واقع الحال المصري، ومن خارج إطار صورته العامة.
في الخطبة وردت فكرة أن الشعب المصري لن يوافق على تهجير الأشقاء من ديارهم، وليس ممكنًا لأي رئيس مصري أن يواجه الرأي العام، إزاء هذه الجريمة، وهذا وإن كان صحيحًا في المطلق، ويعد مسألة توافقية بين معسكري المعارضة والموالاة، بغض النظر عن تباين الدوافع ما بين رفض تصفية القضية الفلسطينية، وبين الخوف على الأمن القومي المصري.
غير أن هناك غموضًا كثيفًا حول مصطلح الرأي العام، كما تُعرّفه نظريات السياسة السوسيولوجية، أو قل "ألف باء السياسة"، وكما تُمارس أو "لا تُمارس" على أرض الواقع المصري الراهن.
قوانين السياسة وعلاقاتها تقوم أصلًا وفرعًا على التدافع بين الفرقاء، في معركة سلاحها الرأي والرأي الآخر، وهذا على بلاطة غير متحقق في حدوده الدنيا في مصر.
يعرف القاصي والداني والهاجع والناجع والنائم على بطنه.. أو ظهره أو جنبه، أن مسألة الرأي العام ليست ذات ثقل في ميزان السلطة الحاكمة، ولا شك في أن ترامب بصفته الرسمية وغير الرسمية، يعرف ذلك أيضًا، بل إنه يباركه كليًا، ولا يبدي إزاءه محض ملاحظة عابرة، كما كان يفعل غيره من سادة البيت الأبيض، ولو على سبيل ذر الرماد في العيون.
صحيحٌ أن القضية الفلسطينية ذات خصوصية استثنائية في الوجدان الجمعي المصري، بغض النظر عن أن معاهدة كامب ديفيد قد بلغت أشدها، إذ صارت في منتصف الأربعينيات، وبغض النظر عن دخول العلاقات على المستوى الرسمي، مرحلة "السلام الدافئ".
لنا ثأرٌ لا نتركه
إن المصريين لا ينسون أبدًا دماء شهدائهم التي أريقت جماعيًا، في جرائم الحرب البربرية إبان هزيمة الخامس من يونيو، لا يتسامحون مع قتلة فلذات أكبادهم في مدرسة بحر البقر، ولا يسترخصون كذلك دماء أشقائهم الفلسطينيين.
ثمة ملاحظة هنا جديرة بالتسجيل، إذ يبدو هذا التشدد الشعبي إزاء إسرائيل، لدى جميع الطبقات الاجتماعية والثقافية المصرية، كما لو كان منبثقًا من جينات تاريخية عريقة، فهم أبناء الحضارة التي أعلت في عصور الظلام، مبادئ احترام الحياة، حتى إنهم أهدوا البشرية "بعيدًا عن الشق الديني بالطبع"، عقيدة البعث والخلود.

أبناء حضارة على هذا المستوى الرفيع من السمو، لا "يتطبعون" مع القتلة سفاكي الدماء أعداء الحياة.
على كل حال، ومع صحة ذلك، وإلى جوار الضغوط الناجمة عن حالة الفوران الإقليمي، إثر انكماش إيران "ولو إلى حين"، في حدودها الجغرافية، وسقوط ديكتاتور دمشق سقوطًا يليق بأمثاله، ويلقي بالتوازي بظلال كثيفة على مستقبل سورية، وكذلك تبعثر أوراق الكوتشينة السياسية على طاولة المراهنات اللبنانية، وكذلك طاولة المراهنات العربية والدولية على لبنان، فإن مسألة الرأي العام ليست في الحسبان فوقيًا.
هب أن معارضًا قال إنه مع تهجير الفلسطينين، فهل وارد أن يُتاح له التعبير عن ذلك، ولو أتيح له فهل ثمة ضمانات تكفل ألا يحطم زوار الفجر باب بيته؟
مع تقدير كاتب هذه السطور، كواحد من أفراد الشعب، أن تأييد التهجير خيانة لا تقبل قولان، أو جهالة فادحة، أو هي في منزلة بين المنزلتين، لكن أصل الأشياء أن السلطة الحاكمة لا ينبغي أن تذهب هذا المذهب.
السلطة باعتبارها تمثل القانون عقلانية، أو ينبغي أن تكون عقلانية، والشعوب بطبيعتها عاطفية جياشة الشعور.
مهما يكن الرأي ذا شطط وجموح، وخارجًا عن السياق، وبعيدًا عن الإجماع الشعبي، فإنه لا يجوز تصنيف صاحبه على المستوى الرسمي خائنًا، ولا يستساغ وصمه بتهم الإرهاب، بل الأحرى أن يخضع للنقاش العقلاني والموضوعي، في شفافية تتيح للمواطن أن يقارن ويحلل ويصل إلى النتائج، في عملية أشبه بمنهج "سقراط": التهكم والتوليد، إذ كان يطرح الأسئلة على تلاميذه، فيجيبون عنها حتى يستولدوا الحكمة ذاتيًا من أعماقهم.
عبارة الرأي العام في أي تعريف سياسي، لا تخرج عن حقيقة أنه يتشكل على أسس أكثر متانة، متى كان المجال العام منفتحًا، والآفاق الديمقراطية تتسع لقبول الآخر، وما دام ذلك غير متحقق في مصر، فإن "المخطط الترامبي" يبدو شديد الوطأة، ويحمل معه خطرًا لا بد من الاحتراز له بجدية.
إن الكاتب -أي كاتب- لا يملك من الأمر شيئًا إلا أن يقرع الأجراس، رافضًا أن يقفز من السفينة، مهما كانت العواصف عاتية، وأغلب الظن أن قرع الأجراس يستلزم التحذير من تجاهل فريضة الديمقراطية، باعتبارها فريضة اللحظة الراهنة التي لا يجوز بأي حال تأجيلها.
بغير الديمقراطية لن تتسنى مواجهة مخططات ترامب وشريكه نتنياهو، وبغير مواجهةٍ على قاعدة أن الشعب شريك أصيل في حكم بلاده، أو بالأحرى هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة فيها، وهو وحده صاحب الحق في أن يأمر: "اسمعوني أنا بس"، ليس ممكنًا كبح ترامب الذي يبدو كثور إسباني هائج.
إذا تحقق ذلك سيتحاشى ترامب إغضاب أكثر من مائة مليون، لديهم بلا استثناء ثأر لدى عدوهم التاريخي، وعندئذٍ فقط لن يتواقح في الأصل متشدقًا بدعوته الفظة المرفوضة.

سيقول المرجفون من القوم، وأدعياء الواقعية المزعومة: لا قبل لنا بمواجهة الولايات المتحدة، وكأن ترامب سيُحرّك الأساطيل والطائرات الأمريكية، وهي فرضية مستحيلة الحدوث، لكن المؤكد أننا إزاء مواجهة أخرى، قد تكون سياسية أو اقتصادية، وهي على كل الأحوال قد غدت حتمًا مقضيًا، كُتبت علينا وهي كِرهٌ لنا، إذ أصبحنا إزاء الثنائية الشكسبيرية: "نكون أو لا نكون"، ولا بديل عن أن نكون، وحتى نكون لا بديل عن ممارسة ديمقراطية تبدأ بتفريغ الزنازين من سجناء الرأي، وإماطة الأذى عن طريق الصحافة.
مصر بشعبها على اختلاف مشاربه وتباين اتجاهاته تقدر، وبأي شيء سوى شعبها لن تقدر.
حتى نكون لا بد من تجاوز مرحلة تاريخية رتيبة ورجعية؛ مرحلة كلنا جمال، وكلنا السادات، وكلنا مبارك، وكلنا السيسي، ولا بديل عن ذلك إذ نقف إزاء خطر وجودي واستثنائي في محطات تاريخنا.