أي أوراق ضغط للعرب تُمكنهم من رفض تهجير أهل غزة؟

أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بشأن تهجير أهل غزة واحتلال القطاع لتحويله إلى "ريفييرا الشرق الأوسط"، كما وصفه، موجة واسعة من ردود الفعل العربية والدولية الرافضة لما جاء على لسان الرئيس الذي بدا واثقًا من قبول مصر والأردن لمقترحه نظرًا لاعتمادهما الطويل الأمد على المساعدات الأمريكية. وهو أمر أعاد إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا حول مدى قدرة الدول العربية على التصدي لمثل هذه المشروعات التي تمس جوهر القضية الفلسطينية وحقوق شعبها. فإذا كانت المساعدات الأمريكية تمثل ورقة ضغط قوية، فما هي أوراق الضغط التي تمتلكها الدول العربية لمواجهة مخطط التهجير القسري لسكان قطاع غزة؟

التمسك الفلسطيني.. صخرة الصمود الأولى

في مقدمة أوراق الضغط العربية، يبرز الرفض الفلسطيني القاطع لمشروع التهجير، وتمسك الفلسطينيين الراسخ بحقهم في أرضهم التاريخية. وقد تجلى هذا الرفض في التحركات الشعبية العفوية للعودة إلى شمال قطاع غزة، والتكدس البطولي لأهالي غزة الصامدين عند ممر نتساريم، في مشهد يعكس تصميمهم على العودة إلى ديارهم المدمرة سيرًا على الأقدام.

هذا التشبث بالأرض، الذي وصفه المراقبون بـ"المهيب"، يمثل حجر الزاوية في إفشال أي مخطط لتهجيرهم. وإن كان يحتاج إلى مواقف رسمية وضغط رسمي فلسطيني وعربي لدعمه.

وقد عبّر الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن عن رفضه المطلق لدعوات الاستيلاء على قطاع غزة وتهجير الفلسطينيين خارج وطنهم. وأكد وفق ما نقلت عنه "الجزيرة": "إننا لن نسمح بالمساس بحقوق شعبنا التي ناضلنا من أجلها عقودًا طويلة وقدمنا التضحيات الجسام لإنجازها"، واصفًا هذه الدعوات بأنها تمثل انتهاكًا خطيرًا للقانون الدولي، ولن تتحقق السلام والاستقرار في المنطقة، الذي لن يكون دون إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس على حدود الرابع من يونيو لعام 1967، وعلى أساس حل الدولتين".

الفلسطينيون يعودون إلى شمال غزة (وكالات)
الفلسطينيون يعودون إلى شمال غزة (وكالات)

من جانبها، أدانت حركة حماس، عبر حسابها على "تليجرام"، تصريحات ترامب "العدائية" للشعب الفلسطيني وقضيته، مؤكدة أنها "لن تخدم الاستقرار في المنطقة وستصب الزيت على النار".

وجددت الحركة تأكيدها على أن "الحركة والفلسطينيين، وقواه الحية لن تسمح لأي دولة في العالم باحتلال أرضهم أو فرض الوصاية على الشعب الفلسطيني العظيم الذي قدًم أنهارًا من الدماء لتحرير أراضيه من الاحتلال ولإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس".

ونقلت جريدة الشرق الأوسط عن مصدر مسؤول من حماس تأكيده أن "الولايات المتحدة عليها أن تعي أن أي خطوة بهذا الاتجاه سيكون لها تأثير على مجريات المرحلتين الثانية والثالثة من الهدنة، وأنه على إدارة ترمب أن تكون في موقف أفضل مما هي عليه الآن، وأن تضغط أكثر على حكومة بنيامين نتنياهو للمضي قدمًا في الاتفاق، وليس العمل على تعكير صفوه من خلال مثل هذه المقترحات التي ستنسف كل شيء".

اقرأ أيضًا: ترامب ملكًا.. غزة تنتظر احتلالًا أمريكيًا

وفي سياق متصل، أوردت جريدة الشرق الأوسط توجهًا نحو مصالحة فلسطينية حقيقية لمواجهة مشروع التهجير، للخروج بمشروع فلسطيني موحد، مؤكدة أن "حماس" منخرطة بمفاوضات المرحلة الثانية للهدنة وذاهبة إلى "حوارات فلسطينية بالقاهرة مع حركة (فتح) بقلب وعقل منفتحين، وسنقدم كل مرونة من أجل تفويت الفرصة على الاحتلال وغيره".

في مقدمة أوراق الضغط العربية، يبرز الرفض الفلسطيني القاطع لمشروع التهجير، وتمسك الفلسطينيين الراسخ بحقهم في أرضهم التاريخية كصخرة صمود أولى.

أوراق الضغط المصرية.. العمق والتحرك

تمتلك مصر، بحكم موقعها الجيوسياسي ودورها التاريخي في المنطقة، جملة من أوراق الضغط المؤثرة. وفقًا لوزير الخارجية المصري الأسبق، محمد العرابي، فإن مصر قادرة على إفشال مخطط ترامب، من خلال "بناء جبهة إقليمية ودولية رافضة للمقترح"، مشيرًا إلى أن "هذا المخطط يمثل تهديدًا لاستقرار المنطقة الهش، مما يمنح مصر ورقة ضغط أساسية لإحباطه".

ويقول العرابي إن "مصر تعتمد على رفض الأردن والفلسطينيين لهذا المخطط، مع تمسك الفلسطينيين بأرضهم"، مؤكدًا "قدرة القاهرة على التصدي لهذه المخططات"، ومشددًا في حديثه لـ"الجزيرة نت" على أن "مصر رفضت مرارًا كل محاولات تهجير الفلسطينيين وتصفية القضية الفلسطينية".

معبر رفح (وكالات)
معبر رفح (وكالات)

يشدد الخبراء على أهمية استناد المواقف العربية في رفضها لمخطط التهجير على القانون الدولي ومواثيق جنيف لعام 1949، التي تعتبر تهجير السكان من أراضيهم "جريمة حرب كاملة الأركان لأنها تقوم على التطهير العرقي بطرد 2 مليون فلسطيني من بيوتهم". وفقًا للجزيرة نت.

ويرى الخبير في شؤون الصراع العربي الإسرائيلي، محمد سيف الدولة، أن مصر تمتلك "العديد من الأوراق لإفشال هذا المخطط"، من بينها "إعادة النظر في الترتيبات الأمنية والعسكرية المفروضة على مصر في سيناء بموجب اتفاقيات كامب ديفيد".

ووفقًا لما تنقله "الجزيرة" عنه، يقترح سيف الدولة "المطالبة باستبدال القوات الأجنبية والأميركية في سيناء بقوات تابعة للأمم المتحدة"، و"وقف التسهيلات اللوجستية المقدمة للقوات الأميركية في قناة السويس، والمطارات والمجال الجوي المصري"، و"إعادة تقييم قبول المعونة العسكرية الأميركية، واستبدال مصادر التسليح المصري".

الموقف المصري ينطلق من ركائز قوة أساس لا تعتمد على الموقف الرسمي وحسب، وإنما على رفض رأي عام شعبي كامل لمقترحات ترامب، إذ تظل القضية الفلسطينية تحظى بإجماع كامل.

كما يؤكد على أهمية "الامتناع عن أي تدريبات عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة، وعدم إرسال بعثات عسكرية للتدريب في أميركا". هذا فيما يشير خبراء آخرون إلى أن مصر تمتلك "شبكة علاقات قديمة ومؤثرة مع صناع القرار في الداخل الأميركي"، يمكن استغلالها للضغط على الحكومة الأمريكية من الداخل، كما تنقل "إندبندنت عربية".

إضافة إلى ذلك، يرى مدير المركز العربي للبحوث والدراسات، هاني سليمان، أن "الموقف المصري ينطلق من ركائز قوة أساس لا تعتمد على الموقف الرسمي وحسب، إنما على رفض رأي عام شعبي كامل لمقترحات ترامب، إذ تظل القضية الفلسطينية تحظى بإجماع كامل بين مكونات الشعب المصري، ويستمد الرئيس السيسي قوته من دعم الأطياف السياسية المعارضة قبل الداعمة له كافة، وهناك توافق تام على الثبات على هذا الموقف".

ويقول اللواء سمير فرج إن "قوة الرفض الشعبي في مصر لمقترحات ترامب خلال الأيام الأخيرة بعثت رسالة إلى الجميع بأن الشعب المصري لن يقبل خطط التهجير، وأنه بجميع أطيافه يدعم الإرادة السياسية الرافضة لمثل هذا الأمر، إذ يدرك الجميع أن التهجير لا يعني سوى تصفية القضية الفلسطينية".

أوراق الضغط السعودية.. التطبيع والعمق الإسلامي

تمتلك المملكة العربية السعودية، بدورها، أوراق ضغط لا يستهان بها، لعل أبرزها ورقة "التطبيع" مع إسرائيل.

ويؤكد مراقبون أن "التطبيع مع السعودية هو أهم الأوراق العربية والسعودية التي نستطيع الضغط بها علي الإدارة الأمريكية"، معتقدين أن "إسرائيل في حاجة إليها الآن وليس العكس، من أجل تأمين مرحلة ما بعد الحرب من خلال تسوية تحوز دعما عربيّا." وفقًا لـ سكاي نيوز عربية. وتطالب السعودية بـ "التزام سياسي إسرائيلي بإقامة دولة فلسطينية" مقابل التطبيع.

الحرم المكي (وكالات)
الحرم المكي (وكالات)

وقد أوقفت الرياض، منذ السابع من أكتوبر، "الجهود الدبلوماسية التي قادتها الولايات المتحدة على مدى أشهر لإقناع السعودية بتطبيع العلاقات مع إسرائيل والاعتراف بها للمرة الأولى، وذلك جراء الغضب العربي المتزايد بشأن الحرب في غزة".

ورغم الضغوط الأميركية، تظل السعودية متمسكة بموقفها، وهو ما يؤكده السفير السعودي لدى بريطانيا، الأمير خالد بن بندر بن عبد العزيز، الذي شدد على أن "المملكة لن تمضي قدما في تطبيع العلاقات مع إسرائيل إلا بتحقيق السلام العادل والشامل"، وأن "إقامة دولة فلسطينية هو الحل الوحيد لإنهاء عقود من المعاناة"، وفقًا لـ "سكاي نيوز عربية".

وردًا على مقترح ترامب الأخير، وجه الأمير تركي الفيصل، سفير السعودية الأسبق لدى واشنطن ولندن، رسالة مفتوحة إلى الرئيس ترامب، نشرها موقع "ذا ناشيونال"، رفض فيها بشدة دعوته لتهجير الفلسطينيين من غزة، وذكّره بحقوق الشعب الفلسطيني التاريخية في أرضه.

ويرى الباحث السياسي مبارك العاتي أن "السعودية تسير وفق استراتيجية مدروسة، توازن بين مصالحها الوطنية والقومية مع الحفاظ على مركزية القضية الفلسطينية.. المملكة ترفض أي مبادرات لا تحقق طموحات الفلسطينيين".

ويضيف أستاذ العلاقات الدولية، الدكتور طارق فهمي، أن "الموقف السعودي يمثل حجر الزاوية في تحريك ملف السلام"، مشيرًا إلى أن "المملكة دشنت تحالفًا دوليًا يدعو لحل الدولتين، وتواصل العمل على تنسيق الجهود العربية لضمان موقف موحد ضد الضغوط الأميركية والإسرائيلية".

وفي سياق متصل، يمكن للمملكة العربية السعودية "تعزيز الروابط الاقتصادية والسياسية مع إيران وخاصة بعد المصالحة في 2023"، وهو ما قد "يزعج الإدارة الأمريكية والإسرائيلية". كما أن "توجه السعودية بتصدير النفط الخام إلي الصين، والتي تعتبر الشريك التجاري الأكبر خلال العقدين الماضيين"، يمثل ورقة ضغط اقتصادية إضافية.

تمتلك المملكة العربية السعودية، بدورها، أوراق ضغط لا يستهان بها، لعل أبرزها ورقة "التطبيع" مع إسرائيل.

أصداء داخلية ودولية لمقترح ترامب

من منطلق أن مقترح ترامب يخالف القانون الدولي ويفتح الباب لدول أخرى في اتخاذ التصرف نفسه تجاه أراض تطمع بها، شكك السيناتور الجمهوري راند بول في جدوى خطة ترامب، قائلًا: "اعتقدت أننا صوتنا لصالح أمريكا أولاً. ليس من حقنا أن نفكر في احتلال آخر يهلك ثرواتنا ويسفك دماء جنودنا".

كما شكك السيناتور الجمهوري جوش هاولي في تصريحات ترامب، متسائلًا: "لا أستطيع أن أدرك أن يكون الاستخدام الأمثل لموارد الولايات المتحدة من خلال إنفاق الأموال في غزة. دعنا نرى ما الذي سيحدث"، وفقًا لما نقلته صحيفة "Politico".

وقد أشار جيريمي بوين، محرر الشؤون الدولية في "بي بي سي"، إلى أن "الخطة التي طرحها دونالد ترامب لن ترى النور، فهي تتطلب تعاون دول عربية رفضتها بالفعل. وتشمل هذه الدول الأردن ومصر، اللتين يرغب ترامب في أن تستقبلا فلسطينيي غزة، بالإضافة إلى السعودية التي يُتوقع أن تتحمل التكلفة".

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة