رسالة جنيف.. ملف مصر الحقوقي في "ميزان الانتقادات" ووفد الحكومة "يعد الإنجازات"

في جلسة رسمية شهدت تفاعلاً ملحوظًا وتقاطعًا في وجهات النظر وانتقادات حقوقية لاذعة، استعرض وفد الحكومة المصرية، أمس الثلاثاء، جهود القاهرة في ملفات حقوق الإنسان أمام الحضور في قصر الأمم بجنيف.

ترأس الوفد المصري السفير بدر عبدالعاطي وزير الخارجية رئيس اللجنة الدائمة لحقوق الإنسان، بينما ضم: المستشار محمود فوزي وزير الشؤون النيابية والقانونية والتواصل السياسي، ومايا مرسي وزيرة التضامن الاجتماعي، وضياء رشوان رئيس الهيئة العامة للاستعلامات المنسق العام للحوار الوطني، إلى جانب رؤساء المجالس القومية للمرأة والطفولة والأمومة والأشخاص ذوي الإعاقة، ورئيسة اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، وممثلي الجهات الوطنية المختلفة، ووزارتي العدل والعمل، والنيابة العامة.

أعلن الوفد التزام مصر بالتفاعل مع الآليات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وحرصها على الانفتاح وتبادل الخبرات لتعزيز منظومة هذه الحقوق، تعزيزًا لمشاركة القاهرة بجولات الاستعراض الدوري الشامل منذ إطلاق الآلية، بما في ذلك الأعوام 2010، و2014، و2019.

في المقابل، تضمنت الجلسة انتقادات حادة وتوصيات من ممثلي عدد من الدول المشاركة، شملت: الدعوة إلى تعديل التشريعات، وتعزيز الحريات العامة، وتحسين أوضاع السجناء السياسيين، في وقت أشاد فيه ممثلو دول أخرى بالإصلاحات القانونية والمبادرات الاجتماعية التي أطلقتها القاهرة. فيما شغلت قضايا حساسة مثل استمرار سجن الناشط المصري -البريطاني علاء عبد الفتاح، وملف الإيطالي جوليو ريجيني مساحة من الانتقادات، وسط مطالبات أوروبية بتحقيقات شفافة وضمانات قانونية أوسع.

ورصدت فكر تاني تبادلًا للآراء بين ممثلي الوفد المصري الرسمي وعدد من الحقوقين ونشطاء المحتمع المدني بالخارج، في كواليس الجلسة. وهو ما وصفته مصادر حقوقية مشاركة بـ "الخطوة الإيجابية واللازمة لإذابة جبال الجليد بين الفريقين، في أول لقاء بينهما منذ فترة طويلة. بينما لفتت المصادر إلى أن هذا التقدم بين الجانبين لا يزال بحاجة إلى خطوات عملية جادة تسعى لحل العقبات التي تواجه النشطاء والممارسات الحقوقية في مصر.

اقرأ أيضًا: رسالة جنيف.. الحكومة في مواجهة تساؤلات حقوقية "منطقية"

اقرأ أيضًا: رسالة جنيف.. شهادات عن "انتهاكات ممنهجة" بحق "علاء وطنطاوي وهدى"

الانتقادات والتوصيات الدولية

تضمنت توصيات ممثلي الدول انتقادات تتعلق بسجناء الرأي، والقيود المفروضة على الإعلام، مع دعوات للالتزام بالمواثيق الدولية.

جانب من اجتماع عرض ملف مصر في جنيف - خاص فكر تاني
جانب من اجتماع عرض ملف مصر في جنيف - خاص فكر تاني

كما أوصت العديد من الدول المشاركة بإنشاء المفوضية المصرية لمكافحة التمييز، ولجنة لمكافحة الاتجار بالبشر، إلى جانب انضمام مصر لاتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من أشكال المعاملة والعقوبة القاسية واللا إنسانية والمهينة، وتعليق عقوبة الإعدام لحين إلغائها، ومكافحة أساليب العنف ضد المرأة، ودعم المساواة وخلق بيئات عمل آمنة للنساء، ومكافحة الفقر، واستمرار مبادرات التمكين الاقتصادي، والحق في التعليم.

محكومية علاء عبد الفتاح

أعرب ممثلو بريطانيا ولوكسمبرج عن قلقهما من استمرار سجن السياسي علاء عبد الفتاح، معتبرين أن احتجازه يعدّ انتهاكًا لحقوقه.

ليلى سويف والدة علاء عبد الفتاح (وكالات)
ليلى سويف والدة علاء عبد الفتاح (وكالات)

في المقابل ورغم تصريحات محاميه التي تؤكد أن محكوميته انتهت العام الماضي، أكد ممثل الوفد المصري أن مدة حبس السياسي علاء عبد الفتاح تنتهي في يناير 2027، مشيرًا إلى أنه يتمتع بكامل حقوقه القانونية كسجين.

وهو ما رد عليه ممثلو بريطانيا ولوكسمبرج بالمطالبة بالإفراج عن عبد الفتاح، ودعوة مصر للانضمام إلى الاتفاقية الدولية لحماية الأشخاص من الاختفاء القسري، مع سحب القيود المفروضة على وسائل الإعلام، وتعديل مشروع قانون الإجراءات الجنائية بما يتوافق مع الالتزامات الدولية والمطالب الحقوقية المحلية.

أزمة جوليو ريجيني

جوليو ريجيني (وكالات)
جوليو ريجيني (وكالات)

وقد تطرق وفد إيطاليا إلى أزمة مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني في مصر.

وعقّب وفد الحكومة بأن التحقيقات المصرية قد انتهت إلى عدم التوصل إلى الفاعل، وأنه لم يتم العثور على أي دليل يربط أفراد الشرطة بالجريمة، مشيرًا إلى إصدار بيانات رسمية في هذا الصدد.

القلق الأوروبي بشأن الحريات في مصر

وأعربت بلجيكا عن قلقها من استمرار القيود على الحريات في مصر، مُؤكدة على ضرورة التزام مصر بالمواثيق الدولية المتعلقة بالإعلام والمجتمع المدني، وضمان المحاكمات العادلة.

كما دعت إلى وقف تنفيذ عقوبة الإعدام مؤقتًا حتى إلغائها، إضافة إلى وقف إعادة حبس سجناء الرأي بعد إخلاء سبيلهم، وهي الظاهرة المعروفة بالتدوير.

ورد الوفد المصري بأن عقوبة الإعدام تُنفذ بعد استنفاذ كل الإجراءات القضائية المستقلة، مع وجود إمكانية العفو الرئاسي.

أما أستراليا، فقد دعت إلى وقف الانتهاكات ضد السياسيين ونشطاء المجتمع المدني والصحفيين، مشددةً على أهمية إطلاق سراح المحتجزين الذين تجاوزوا مدة الحبس الاحتياطي المحددة بعامين.

وأعربت هولندا عن انشغالها بالقيود المفروضة على المدافعين عن حقوق الإنسان في مصر، رغم تجميد القضية 173 التي لاحقت العديد من الحقوقيين قبل غلقها مؤخرًا.

وأكدت على ضرورة تمكين الصحفيين من حقوقهم، وفتح مجالات التعبير عن الرأي سواء على مواقع التواصل الاجتماعي أو غيرها، مع ضمان حرية عمل الحقوقيين دون قيود أو ترهيب وتهديدات بالانتقام.

ودعت روسيا إلى الإفراج عن سجناء الرأي من النشطاء السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، مُؤكدةً على ضرورة تحسين المعاملة داخل مراكز الاحتجاز.

وأعربت النرويج عن قلقها حيال أوضاع الصحفيين والحقوقيين في مصر، موصيةً بضمان حرية الرأي والتعبير وحماية المواطنين من جميع أشكال الملاحقة والتعذيب.

كما أكدت كلمتا إسبانيا وتشيلي على ضرورة ضمان حقوق مجتمع الميم في مصر، مشددتين على أهمية حماية حق هذه الفئة في التعبير عن هويتها دون انتهاكات، وضمان سلامة أفرادها.

إشادة بالتعامل مع ضيوف مصر

وعلى الجانب الآخر، أشاد ممثلو دول السودان وفلسطين واليمن بالتعامل المصري الإيجابي مع الضيوف اللاجئين من هذه الدول. وثمنت فلسطين - بشكل خاص - جهود مصر في وقف الحرب على قطاع غزة، وتقديم المساعدات الإنسانية الفورية للشعب الفلسطيني.

كيف استعرضت الحكومة "إنجازاتها الحقوقية"؟

في كلمته، عرض وزير الخارجية رئيس اللجنة الدائمة لحقوق الإنسان بدر عبد العاطي ما وصفه بـ"الإنجازات" التي حققتها مصر في السنوات الخمسة الأخيرة في مجال حقوق الإنسان، والتي جاءت بتوجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي، مشيرًا إلى أن هذه الإنجازات تمثل تقدمًا كبيرًا في تعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية رغم التحديات الإقليمية المستمرة.

الوزير بدر عبد العاطي متحدثًا - فيس بوك وزارة الخارجية المصرية
الوزير بدر عبد العاطي متحدثًا - فيس بوك وزارة الخارجية المصرية

إرادة سياسية وتضامن داخلي

وأوضح الوزير أن هذا التقدم لم يكن ليتحقق دون وجود إرادة سياسية قوية، خلقت مناخًا مواتيًا لتعزيز وحماية حقوق الإنسان، بما يتماشى مع التزامات مصر الدولية، مشيرًا إلى أن ذلك كان يصب في مصلحة المواطن المصري أولًا.

وأشار رئيس اللجنة الدائمة لحقوق الإنسان إلى أنه تم إلغاء حالة الطوارئ في عام 2021، وتفعيل لجنة العفو الرئاسية، وإطلاق مبادرة الحوار الوطني، وتعديل عدد من التشريعات الوطنية وصياغة أخرى جديدة تستهدف تحديث المنظومة التشريعية، وأبرزها مشروع قانوني الإجراءات الجنائية الجديد، والعمل الأهلي، وغلق قضية التمويل الأجنبي، بالإضافة إلى تفعيل اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان، وصياغة واعتماد أول استراتيجية وطنية لحقوق الإنسان، وتنفيذ عدد من البرامج والمشروعات القومية، مثل: مشروع حياة كريمة، وبرنامج تكافل وكرامة، ومبادرة "بداية جديدة لبناء الإنسان"؛ بهدف تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بمفهومها الشامل.

نهضة حقوقية وتشريعية

محمود فوزي
محمود فوزي

وأشار وزير الشؤون النيابية والقانونية والتواصل السياسي محمود فوزي إلى أن مصر شهدت نهضة تشريعية شاملة في مجال الحقوق المدنية والسياسية، مع التأكيد على تنفيذ التوصيات الدولية التي قبلتها مصر في الاستعراض الدوري الشامل.

وأشار الوزير إلى أن من أبرز الإنجازات التشريعية إصدار قانون جديد لتنظيم لجوء الأجانب، استجابة للزيادة المطردة في أعداد اللاجئين وطالبي اللجوء، لافتًا إلى مشروع قانون الإجراءات الجنائية الجديد، الذي وصفه بأنه "يمثل نقلة نوعية كبيرة في تطوير العدالة الجنائية، ويعكس الضمانات المستحدثة في الدستور"، بحسب رأيه.

واعتبر الوزير أن مبادرة الحوار الوطني جزء أساسي من تعزيز حرية الرأي والتعبير والمشاركة السياسية، عبر إشراك كل أطياف المجتمع في وضع أولويات العمل الوطني مع اعتماد آلية (التوافق) بدلًا من التصويت، وشموله للمحاور السياسية والاقتصادية والمجتمعية، مؤكدًا على أن مصر تتميز بتعددية صحفية وإعلامية وحزبية كبيرة، على حد قوله.

الحماية الاجتماعية

ومن جانبها، أشادت وزيرة التضامن الاجتماعي، مايا مرسي، بالإنجازات التي حققتها مصر في مجال الضمان الاجتماعي والحماية الاجتماعية في ظل التحديات الاقتصادية العالمية.

مايا مرسي
مايا مرسي

وأشارت إلى توسيع قاعدة المستفيدين من برامج الدعم وزيادة مخصصات الإنفاق العام على الحماية الاجتماعية إلى 635 مليار جنيه عام 2024.

وأشارت مايا مرسي إلى أن برنامج "تكافل وكرامة" استفاد منه 4.7 مليون أسرة، بالإضافة إلى 500 ألف أسرة بالتعاون مع المجتمع المدني. كما تحدثت عن الخطط الحالية لإنشاء منظومة مالية استراتيجية للتمكين الاقتصادي تستهدف خمسة ملايين أسرة.

وكذلك، لفتت إلى إصدار قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، إلى جانب تخصيص صناديق تنموية لتمويل برامجهم. وأكدت على إصدار بطاقة الخدمات المتكاملة لمليون ونصف مليون شخص حتى ديسمبر 2024، مع اعتماد قانون حقوق المسنين.

ونفت مايا مرسي أن تكون الحكومة حلت أي جمعية أو مؤسسة أهلية في مصر إلا بحكم قضائي، مشيرةً إلى أن عدد المؤسسات الأهلية المقيدة في البلاد بلغ 35 ألف مؤسسة، مع حصيلة تراخيص جمع المال التي وصلت إلى 46 مليار جنيه مصري.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة