في ظل تسارع وتيرة التحولات التكنولوجية التي تُعيد تشكيل ملامح العصر، تبرز قضية "التوازن بين إمكانات التقدم العلمي ومخاطره الأخلاقية" كأحد أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة.
في هذا الإطار، شهدت فعاليات اليوم الثالث لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، في دورته الـ56، نقاشاتٍ ثريةً عبر ثلاث ندوات رئيسية، انطلقت في معالجتها من استكشاف ثنائية "التكنولوجيا كجسرٍ للتنمية أو معول هدمٍ للقيم"، من خلال محاور شملت العنف السيبراني ضد المرأة، واقتصاد المنصات الرقمية، وإرث العلم والأخلاق في عصر الهندسة الوراثية.
بدأت النقاشات بندوة "العنف السيبراني" التي كشفت عن أرقامٍ صادمةٍ لانتشار التحرش الإلكتروني في مصر، وسط تحذيراتٍ من تداعياته النفسية والاجتماعية، بينما حاولت ندوة "اقتصاد المنصات الرقمية" رصد الفرص الاقتصادية الهائلة للتحول الرقمي، مع التنبيه إلى مخاطر الابتزاز الإلكتروني والأخبار الزائفة. بينما سلطت الندوة الثالثة، والتي كرَّمت العالم الراحل أحمد مستجير، الضوء على الإشكاليات الأخلاقية المصاحبة للثورات العلمية، مستحضرةً نموذجًا لعالمٍ جمع بين عبقرية البحث العلمي والحس الإنساني الراقي.
وقدمت الندوات الثلاث عبر تباين واضح في المحاور، سؤالًا جوهريًّا حول كيف يمكن توظيف الأدوات التكنولوجية لخدمة البشرية دون التضحية بالقيم الإنسانية؟ الإجابة – كما توحي النقاشات – تكمن في تكامل الجهود بين التشريعات الرادعة، والوعي المجتمعي، والالتزام بأخلاقيات العلم، وهو ما حاولت الندوات استشرافه من خلال مقارباتٍ متعددةٍ تجمع بين التحليل العلمي والرؤية النقدية.
كيف يؤثر العنف السيبراني على النساء؟
استضافت القاعة الرئيسية، مساء أمس الأحد، ندوة مهمة بعنوان "كيف يؤثر العنف السيبراني الممارس على النساء والفتيات في حياتهن؟"، ضمن محور "قضايا استراتيجية"، والتي أدارتها الدكتورة نشوى الحوفي، عضو المجلس القومي للمرأة.
خطورة العنف السيبراني وآثاره على الأبناء
شارك في هذه الندوة عدد من الخبراء والمتخصصين، من بينهم الدكتورة نسرين بغدادي، نائبة رئيس المجلس القومي للمرأة، والدكتورة سناء السعيد، عضو مجلس النواب، والدكتورة مريان عازر، عضو المجلس القومي للمرأة، حيث افتتحت الدكتورة نسرين بغدادي النقاش بالإشارة إلى خطورة العنف السيبراني وتأثيراته السلبية على الأبناء، مشيرةً إلى خطورة أن يؤدي إلى انحراف سلوكهم، سواءً عبر التطرف أو الاستغلال الجنسي، وما قد يصل الأمر إليه من الانتحار نتيجة الابتزاز الإلكتروني.
تشير الدراسات إلى أن 58% من النساء في مصر تعرضن للتحرش الإلكتروني، فيما يشعر 24% من الفتيات اللاتي تعرضن للمضايقات الإلكترونية بعدم الأمان الجسدي، ويعاني نحو 42% منهن من آثار نفسية وعاطفية. كما أظهرت دراسة استقصائية أُجريت عام 2022 أن معدل تعرض النساء للعنف الرقمي عالميًا، وهو واحدة من كل ثلاث نساء، يرتفع بشكل كبير في مصر التي يبلغ عدد الإناث فيها حوالي 50 مليون نسمة.
وأكدت على أهمية الحوار الأسري المستمر والمتابعة الدائمة لحماية الأبناء من هذه المخاطر. وأوضحت أن غياب الرقابة الأسرية يدفع الأبناء إلى اللجوء للمنصات الإلكترونية للتعبير عن مشكلاتهم، وهنا يصبحون عرضة للاستغلال، مشددةً على أهمية وعي الأهلي بالتكنولوجيا الحديثة لتوفير رقابة فعّالة على الأبناء.
التشريعات ودور المجتمع
وفيما يتعلق بالتشريعات، شددت الدكتورة سناء السعيد على أهمية تشديد القوانين لمكافحة جرائم الابتزاز السيبراني، مشيرةً إلى أن هذه الجرائم تُعتبر جنايات عند إثباتها.
كما دعت إلى زيادة الوعي المجتمعي حول هذه الجرائم ودور الأسرة في حماية الأبناء، إضافة إلى تناول قضايا مجتمعية شائكة مثل زواج القاصرات.
وأشادت بجهود الدولة في مكافحة العنف ضد المرأة، مؤكدة أن مواجهة هذا العنف بكافة أشكاله أمر ضروري لبناء مجتمع آمن ومستقر.
التكنولوجيا.. كسلاح ذو حدين
ومن جانبها، تحدثت الدكتورة مريان عازر عن الدور المزدوج للتكنولوجيا، مؤكدة أنها يمكن أن تكون أداة مفيدة إذا أُحسن استخدامها، ولكنها قد تصبح خطرة إذا أُسيء استغلالها.
وتناولت أيضًا أهمية توعية الأبناء بعدم التواصل مع الغرباء عبر الإنترنت وتعزيز مهاراتهم لحماية أنفسهم.
وفي ختام الندوة، تم التأكيد على ضرورة تكاتف الأسرة والمجتمع والدولة لمواجهة العنف السيبراني ضد النساء والفتيات، مع تعزيز التوعية بمخاطر هذا النوع من العنف وتطوير التشريعات لضمان بيئة رقمية آمنة للجميع.
اقتصاد المنصات الرقمية كمحرك للتحول التكنولوجي
في القاعة الرئيسية أيضًا، أُقيمت ندوة بعنوان "اقتصاد المنصات الرقمية"، أدارها الإعلامي حسام الدين حسين، بمشاركة نخبة من الخبراء والمتخصصين. وهي الندوة التي جاءت في إطار توجه المعرض نحو تسليط الضوء على التحول الرقمي كأحد أبرز ملامح العصر وأثره على مختلف القطاعات.
افتتح الإعلامي حسام الدين حسين النقاش بالإشارة إلى التحديات الكبيرة التي يفرضها التحول التكنولوجي السريع، مشيدًا بجهود الدولة في تعزيز بنية الاقتصاد الرقمي وبناء مجتمع المعرفة. وأكد أن تعزيز الوعي الرقمي بات أمرًا ملحًا لحماية المجتمع من تداعيات الأخبار الزائفة والمعلومات المغلوطة.

3.7 مليار مستخدم يوميًا للمنصات الرقمية
وألقى مدحت نافع، الخبير الاقتصادي ورئيس الشركة العربية للسبائك، الضوء على دور التحول التكنولوجي كأحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي العالمي، موضحًا أن عدد مستخدمي المنصات الرقمية عالميًا تجاوز 3.7 مليار شخص يوميًا.
وأشار نافع إلى أن الاستثمار في اقتصاد المعرفة يمثل حلًّا للتحديات الناتجة عن ندرة الموارد الطبيعية، لافتًا إلى التحول الإيجابي للصحف الورقية التي بدأت تعتمد بشكل كبير على المنصات الرقمية لمواكبة العصر.
ومن جانبه، حذر الدكتور محمد عزام، خبير أمن وتكنولوجيا المعلومات، من مخاطر الابتزاز الإلكتروني والمعلومات المغلوطة، مشددًا على أهمية الابتكار في تطوير المنصات الرقمية بما يسهم في سد الفجوة المعرفية ومواجهة التداعيات الاقتصادية المحتملة.
وأكد عزام أن عدم الانخراط في الثورة التكنولوجية قد يؤدي إلى انهيار اقتصادي، داعيًا إلى تكثيف الجهود للاندماج الكامل في هذا التحول.
الإعلام.. قوة دافعة للتحول الرقمي
وفي سياق متصل، أشادت الدكتورة حنان يوسف، أستاذ الإعلام وعميدة كلية اللغة والإعلام، بدور مصر الريادي في مجالات الثقافة والفن، مؤكدةً أن التحول الرقمي لم يعد خيارًا بل ضرورة لضمان استمرارية القطاعات المختلفة.
وركزت حنان على دور الإعلام في نشر الوعي الرقمي ومواجهة تحديات مثل التسوق الإلكتروني غير الموثوق والابتزاز الرقمي، مشيرةً إلى أن الإعلام شريك أساسي في تعزيز ثقافة التحول الرقمي بين أفراد المجتمع.
"أبجد".. نموذج لمواجهة تحديات النشر الرقمي

واختتم الندوة ياسر الزهار، رئيس قسم الابتكار في منصة "أبجد"، الذي تحدث عن نجاح المنصة في تعزيز صناعة النشر الرقمية والتغلب على تحديات مثل القرصنة وارتفاع تكاليف الورق.
وأوضح الزهار أن "أبجد" باتت نموذجًا مميزًا يجمع بين الناشر والكاتب والقارئ، مشيرًا إلى أن الابتكار في تصميم المنصات الرقمية يعد عنصرًا أساسيًا لضمان النجاح في عصر التحول الرقمي.
وفي الختام، تم التأكيد على أهمية مواكبة التطورات التكنولوجية وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية التحول الرقمي، مع الإشارة إلى أن المنصات الرقمية باتت ركيزة أساسية للاقتصاد المعرفي، مما يستدعي تكاتف الجهود بين الحكومات والمؤسسات والشركات لضمان استغلال إمكاناتها بالشكل الأمثل.
أحمد مستجير.. الشخصية الملهمة لمعرض الكتاب
شهدت القاعة الرئيسية في معرض القاهرة الدولي للكتاب، ضمن فعاليات اليوم الثالث، ندوة بعنوان "مستجير والهندسة الجينية"، تكريمًا للعالم الراحل الدكتور أحمد مستجير، الذي اختير شخصية المعرض لهذا العام.
أدارت الندوة الإعلامية آية عبدالرحمن، بحضور نخبة من العلماء والمفكرين الذين تحدثوا عن إرث مستجير العلمي والإنساني.
افتتح الدكتور جمال مصطفى السعيد، أستاذ الجراحة بجامعة القاهرة، الجلسة بالحديث عن إمكانيات الهندسة الوراثية في تسريع التحور الطبيعي للصفات الوراثية. وأشار إلى أن هذه التكنولوجيا قد تؤدي إلى ظهور مفهوم "الإنسان الفائق" قبل الأوان الطبيعي، مما أثار تساؤلات أخلاقية وعلمية عميقة.
كما استعرض السعيد رؤية الدكتور مستجير الحذرة تجاه الهندسة الوراثية، لا سيما في ظل استغلالها لإحياء مفاهيم تحسين النسل التي شاعت خلال القرن العشرين. وتوقف عند موقف مستجير عند الإعلان عن استنساخ النعجة "دوللي"، واصفًا إياه بأنه "عالم يجمع بين التحليل الدقيق والحس الإنساني العميق".
أحمد مستجير، أحد أبرز العلماء المصريين الذين تركوا بصمة في مجالي الهندسة الوراثية والزراعة، حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه من جامعة القاهرة. تميزت مسيرته العلمية بتطبيقات عملية مبتكرة في تحسين المحاصيل الزراعية وتطوير سلالات حيوانية مقاومة للأمراض. كما أسهم في إنشاء مركز الهندسة الوراثية بجامعة القاهرة، ولم تقتصر إنجازاته على الأبحاث العلمية فقط، بل امتدت إلى الجانب الثقافي من خلال ترجمة أعمال علمية كبرى وتأليف كتب تجمع بين الدقة العلمية واللغة الأدبية الرصينة.
إرث علمي وثقافي
أكد الدكتور رضا علواني، الأستاذ بكلية الزراعة بجامعة القاهرة، أن الدكتور أحمد مستجير كان أحد أعمدة البحث العلمي في مصر، وساهم بشكل كبير في تطوير الهندسة الوراثية لمواجهة تحديات الزراعة.
ولفت إلى أن إنتاجه العلمي تضمن مشروعات رائدة، أبرزها تطوير نباتات مقاومة للجفاف وزيادة إنتاجية المحاصيل الغذائية.

وأشار الدكتور مصطفى عبدالحميد إلى جهود مستجير في نشر الوعي بتقنيات الهندسة الوراثية وتطبيقاتها العملية، مثل تهجين الأبقار واستخدام التلقيح الصناعي، في وقت كانت فيه هذه التقنيات في مراحلها المبكرة. كما أشاد بجانب مستجير الأدبي، الذي ظهر في أعماله المترجمة مثل كتاب "اللولب المزدوج"، والذي نجح من خلاله في تبسيط المفاهيم العلمية المعقدة للقارئ العربي.
لمسة إنسانية في عالم الجينات
وقد تميزت كلمات المتحدثين بالإشادة بحس مستجير الإنساني ورؤيته الأخلاقية تجاه التطبيقات العلمية، حيث كان يضع دائمًا تساؤلات حول حدود التدخل في الطبيعة وتأثير ذلك على الإنسان. وفي ختام الندوة، دعا المشاركون إلى استمرار تسليط الضوء على شخصيات علمية مثل الدكتور أحمد مستجير لإلهام الأجيال الجديدة وتحفيزهم على متابعة مسيرتهم العلمية بروح الإبداع والمعرفة.
