عصام زكريا: السينما المستقلة تواجه خيبة أمل حقيقية.. والفن يحتاج إلى بيئة تؤمن بالحرية (حوار)

عصام زكريا أحد أبرز الأسماء التي تركت بصمةً فريدة في المشهد الثقافي العربي. وهو صاحب مسيرة مهنية امتدت لسنوات طويلة، صاغ خلالها رؤية نقدية عميقة مبنية على عشق خاص وقدرة مبدعة في تحليل جماليات السينما.

بدأت رحلة عصام زكريا مع الفن السابع منذ شبابه، حيث درس الألمانية بكلية الألسن، وأتقن ثلاث لغاتٍ مكَّنته من تأليف وإثراء المكتبة السينمائية بكتبٍ متخصصة، فضلًا عن ترجمة أعمالٍ عالمية ساهمت في توسيع آفاق الحوار الثقافي.

ولم يكتفِ بدور الناقد الأكاديمي، بل امتدت إبداعاته إلى الإدارة الثقافية؛ حيث تولى رئاسة مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة عام 2017، وحوَّله إلى منصةٍ عالمية تستقطب المواهب الناشئة، كما شارك في تطوير مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عبر مبادراتٍ ثقافية عزَّزت مكانته إقليميًّا.

وقد جمع زكريا بين الكتابة الصحفية في مؤسسة "روزاليوسف" ومجلة "دبي للثقافة"، وعضويته في جمعية نقاد السينما المصريين، ليُقدِّم نموذجًا فريدًا للتوازن بين العمق النقدي والفعالية الإدارية. وهو ما ظهر جليًا في حوار خاص أجرته منصة فكّر تاني معه، سلَّط الضوء على تطور السينما المصرية وتأثير التكنولوجيا على صناعة الأفلام.

إلى نص الحوار..

الناقد السينمائي عصام زكريا في حواره مع فكّر تاني -تصوير إسلام يحيي
الناقد السينمائي عصام زكريا في حواره مع فكّر تاني -تصوير إسلام يحيي

الدراما والسينما في مصر

  • ما تقييمك لأداء السينما المستقلة خلال العقدين الماضيين؟ وهل تعتقد أن الصناعة تسير في الاتجاه الصحيح؟

على المستوى الشخصي، كنت متفائلًا بعض الشيء في بداية الألفية الجديدة، خاصة مع ظهور ما يُعرف بالسينما المستقلة أو البديلة وكنت متحمسًا لها.

كنا -أنا وكثيرين- نعتقد وقتئذ أنها سوف تُحرر المشهد السينمائي المصري من قيود السوق والصناعة التقليدية، وبالفعل ظهرت تجارب مبشرة في البداية، لكن للأسف، لم يتحقق التطور الذي كنا ننتظره.

لكن هناك بالطبع محاولات جيدة تظهر من حين لآخر، وربما نجد فيلمًا أو اثنين مميزين كل عام، لكن السينما المصرية ما زالت تواجه حاجزًا لم تتمكن من اختراقه حتى الآن.

وهذا الحاجز لا يمكن حصره في عامل واحد، فالرقابة الرسمية تُعتبر واحدة من العقبات، لكنها ليست السبب الوحيد، لأن هناك دولًا تواجه رقابة أكثر صرامة وتمكنت من تحقيق إنجازات سينمائية عالمية، بينما يمكن القول أن هناك رقابة ذاتية ومجتمعية، بالإضافة إلى ثقافة عامة محدودة الطموح والخيال. 

يظل خيالنا السينمائي محصورًا في أطر ضيقة، وعندما يحاول أحد الخروج عن المألوف، يُقابل بالنقد أو السخرية، حتى اللغة السينمائية نفسها ما زالت متواضعة، فنحن نفتقر إلى الإبداع والابتكار الفني الذي كان يميز أعمال مخرجين كبار مثل يوسف شاهين وشادي عبد السلام أو من يناقش  أفكار مثل الراحل رأفت الميهي.

  • من الناحية التمويلية أو الإبداعية؟ ما هي أبرز التحديات التي تواجه الإنتاج السينمائي اليوم؟

صحيح أن صناع الأفلام المستقلة قد تحرروا من قيود السوق التقليدية، لكنهم لم يتمكنوا من تجاوز المعادلات المعقدة للإنتاج، التي تحتاج إلى كثير من الخبرات الثقافية والإبداعية والأفكار الجديدة التي يتمكنوا من تجاوزها، فهم يعتمدون بشكل أساسي على الدعم الخارجي، سواء من مهرجانات عربية أو جهات أجنبية، ومع ذلك، نجد أن أعمالهم لا تحقق النجاح الجماهيري داخل البلد، ولا تصل إلى مستوى الأعمال العالمية التي تنافس في المهرجانات الكبرى.

وبالرجوع إلى الثقافة المصرية عمومًا، نجد أننا نفتقر إلى الاستمرارية والاستدامة في مواجهة الضغوط حتى المفكرون والمبدعون الكبار يتراجعون أحيانًا تحت ضغط الحملات الإعلامية أو المجتمعية، وهذا التراجع يفقدنا الجرأة اللازمة لتقديم أفكار إبداعية وجديدة.

في النهاية، يمكن القول إن السينما المستقلة تواجه خيبة أمل حقيقية. رغم وجود استثناءات وتجارب واعدة من حين لآخر، إلا أنها لم تستطع حتى الآن تحقيق التحول الذي كنا نحلم به.

اقرأ أيضًا:ناهد نصر: شغوفة بفهم الناس.. أحيانًا النساء يقفن عقبة في طريق قريناتهن.. المرأة تتجاوز قضاياها وتقدم رؤيتها للعالم (حوار)

  • هل تستعيد السينما المصرية مكانتها كقوة ناعمة مؤثرة في العالم العربي؟

هناك دول كثيرة لم يكن لهم وجود على الخريطة السينمائية، ومع ذلك نجحوا في تقديم أفلام فازت بجوائز مثل السعفة الذهبية والدب الذهبي، ومع ذلك تبقى محاولات التطوير فردية ولا تستمر طويلًا، كما أن السينما المصرية تعتمد بشكل عام على قوة الدفع الذاتية، الناتجة عما لدينا من تراث فني وثقافي. 

هناك أجيال جديدة تتعلم السينما سنويًا، ومواهب تظهر في مجالات الإخراج والتصوير والتمثيل وكتابة السيناريو، لكن هناك فجوة كبيرة بين النصوص السينمائية الجيدة وتنفيذها كأفلام، تظل حبيسة الأدراج ولا ترى النور، ما يجعل السوق يعتمد على نصوص مكررة وأعمال لا ترقى إلى مستوى الطموح الإبداعي. 

الموهوبون في مجال السيناريو غالبًا ما يبدأون بمستوى جيد، لكنهم يتجهون لاحقًا إلى كتابة نصوص متوسطة الجودة بسبب قلة الفرص وتحولهم إلى إنتاج أعمال تلفزيونية كالمسلسلات لضمان مصدرًا للدخل.

  • هل أثرت الدراما التلفزيونية على الإنتاج السينمائي؟ وهل تؤثر المنصات الرقمية مثل "نتفليكس" و"شاهد" على المستويين الفني، والجماهيري؟

يلجأ صناع السينما إلى إنتاج المسلسلات بعد محاولات طويلة لإنتاج أعمالهم السينمائية دون جدوى، فيضطرون أحيانًا لذلك، حيث تبقى أعمالهم حبيسة الأدراج لسنوات دون حلول أخرى متاحة.

وقد يؤثر هذا على جودة الإنتاج الفني ككل، حيث يعاني حتى مستوى الدراما التليفزيونية من انخفاض سقف الإبداع، وحتى مع وجود منصات مثل "نتفليكس"، الإنتاج العربي لم يرقَ إلى مستوى المنافسة العالمية، بل قدم أعمالًا متواضعة. 

حتى عندما تم تقديم فيلم مثل "أصحاب ولا أعز" الذي تم إنتاجه في 23 دولة أخرى، هنا في مصر، تعرض لهجوم شديد ألقى بظلاله على الجرأة الفنية والإبداعية.

والإشكالية لا تتوقف عند الإنتاج، بل تمتد إلى الثقافة المجتمعية التي تُعاني من ازدواجية في المعايير، وهو جزء من الحياة العامة في مصر.. "يفعل الناس ما يشاءون لكن في الخفاء"، وهو ما يتبدّى في كل مظاهر الحياة وليس في الفن فقط.

فبينما لا توجد رقابة فعلية على ما يشاهده الأفراد في منازلهم، نجد هناك رقابة صارمة ومزايدة أخلاقية على الأعمال الفنية التي تُعرض للجمهور، وهذا النفاق المجتمعي يُعيق أي محاولات لتقديم أعمال فنية تتجاوز القوالب التقليدية أو تقدم رؤية إبداعية جديدة.

الفن يحتاج إلى بيئة تؤمن بالحرية وتُشجع على التجديد، لكن السينما المصرية ما زالت تعاني من قيود يصعب تجاوزها ومع كل محاولة لتقديم عمل خارج المألوف، يُواجه صانعوه نقدًا لاذعًا يمنعهم من الاستمرار والتطور، مثلما حدث مع فيلم "ريش" واتهامه بالإساءة لسمعة مصر.

وفي رأيي، الاعتراضات لم تكن على قصة الفيلم وما يطرحه من أفكار، بل ربما كانت ناتجة عن اختلافه الفني في التصوير والإخراج وحتى الأداء التمثيلي، الصدمة نتجت عن التجديد وليس الإساءة.

  • هل تؤثر المنصات الرقمية مثل "نتفليكس" و"شاهد" على المستويين الفني، والجماهيري؟

أرى أن المشهد الإبداعي في الصناعة المصرية بحاجة ماسة إلى كسر قيود التفكير المحلي والطموحات المحدودة، هناك ما يُعرف بـ "المُتلقّي المُتخَيّل" سواء كان قارئًا أو مشاهدًا، وهو ذلك الشخص الذي يتخيله الفنان في ذهنه أثناء العمل، وقد يكون أمه، أو المنتج، أو الجمهور، أو الصحافة والإعلام، أو حتى شباك التذاكر نفسه، ولكن للأسف، المتلقي المُتخيل يكون في الغالب تصورًا خاطئًا ومحدودًا.

الجمهور الحقيقي، هو الذي شاهد الروائع العالمية، وهو الجمهور الذي يثق المبدع بقدرته على تقديم أعمال تنافسية تليق به، فإذا نظرنا إلى سينما شادي عبد السلام ويوسف شاهين، نجد أنهم كانوا يعتبرون أنفسهم منافسين لعمالقة السينما العالمية مثل فلليني وأنطونيوني، وأنهم على نفس الخريطة الفنية معهم، هذا الجمهور الذي يخاطبونه هو جمهور يتمتع بمستوى ثقافي وسينمائي رفيع.

لكن عندما يفكر بعض المخرجين بمنطق "الجمهور عايز كده"، فإنهم بذلك يهبطون بالمستوى الفني للأعمال السينمائية، وهو انحدار حقيقي للفن، فالسينما التي تكون أقل من المستوى الفني المطلوب هي خيانة واضحة للموهبة والإبداع.

للأسف، المشكلة الرئيسية تكمن في غياب الطموح لدى الكثير من صناع السينما العرب، فبدلًا من وضع سقفًا عاليًا لطموحاتنا ونسعى لتقديم أعمال تترك أثرًا على المستوى العالمي، نجد أن العديد من الإنتاجات تنساق وراء أنماط تقليدية أو مكررة، موجهة لجمهور محدود بتوقعات محدودة. 

ما يحزنني هو أن لدينا في العالم العربي من المواهب سواء على مستوى الإنتاج أو الإخراج، ولدينا روايات عظيمة لنجيب محفوظ وأعمال مثل "فساد الأمكنة"، التي لو أُعيد تقديمها بشكل احترافي، يمكن أن تنافس عالميًا، ورغم ذلك ما زال التفكير محدود ومتوسط الموهبة والإنتاج بلا داع.

أعتقد أن النصوص الجيدة هي أساس أي عمل ناجح، يمكننا أن نتعلم من تجارب مسلسلات مثل "La Casa de Papel" و"Squid Game"، التي بدأت من بيئات محلية بسيطة وفشلت في أوطانها لكنها حققت نجاحًا عالميًا لأنها اعتمدت على نصوص مبتكرة وأفكار جريئة.

أتذكر أيضًا فترة ما قبل وبعد ثورة 25 يناير، التي شهدت حرية كبيرة على جميع المستويات، خاصة في مصر. كانت هناك مساحة غير مسبوقة للتعبير الفني والإبداعي، ولكن لم يتم استغلالها بالشكل الكافي لتقديم أعمال مميزة، ولم تكن المشكلة فقط في القيود الرقابية أو التحديات الإنتاجية، بل أرى أن غياب الرؤية والطموح لدى البعض كان له دور أساسي في هذا القصور.

اقرأ أيضًا:التشكيلية سلوى رشاد.. "البحث عن معنى" في المشاعر والأحلام والمخاوف (حوار)

الناقد السينمائي عصام زكريا في حواره مع فكّر تاني -تصوير إسلام يحيي
الناقد السينمائي عصام زكريا في حواره مع فكّر تاني -تصوير إسلام يحيي

 الأوضاع العامة وتأثيرها على الإنتاج الفني

  • كيف يمكن للإنتاج الفني أن يتجاوز التحديات ليقدم أعمالًا تنافسية؟ في ظل الوضع الاقتصادي والمجتمعي، وما مدى ارتباط الإنتاج السينمائي بالواقع السياسي والاجتماعي في مصر؟

أنا أؤمن بأن التغيرات الاجتماعية والاقتصادية تلعب دورًا كبيرًا في تشكيل المحتوى الفني، لذلك أرى أن التغيرات التي حدثت على مدار السنوات الماضية كان يجب أن تصاحبها طفرة في الإنتاج الفني، لكن لم يتحقق هذا بالشكل المطلوب.

لكن على الرغم من التحديات، فإن السينما المصرية ما تزال مستمرة بفضل القصور الذاتي والدفعة الأولى التي حركتها منذ عقود، كل عام يظهر فيلمان أو ثلاث متميزين، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة وتقليص دور العرض السينمائي، وهو أمر يحزنني للغاية، فإغلاق دور العرض ليس فقط خسارة اقتصادية، بل هو تهديد لاستمرارية السينما كصناعة ثقافية وتجارية، ففيلم مثل "ولاد رزق"  تمكن من جذب المشاهدين وتحقيق إيرادات غير مسبوقة ما يُعد أمرًا هامًا للصناعة.

ومع ذلك، نجد أيضًا أفلام ظهرت على الساحة ومثلت مصر تمثيلًا جيدًا في مهرجانات عالمية مثل فيلم "رفعت عيني للسما" أو فيلم "ضي" للمخرج كريم الشناوي، وأفلام مثل "الهوى سلطان"  وهي أعمالًا تعكس تنوعًا ملحوظًا في المحتوى، وهي أفلام جيدة أيضًا على مستوى الصناعة والإنتاج.

  • كيف ترى أداء الدولة المصرية في تقديم الدعم للسينما كقطاع ثقافي واقتصادي؟

أنا شخصيًا يساري الإنتماء، وحلمت كثيرًا بالدولة الاشتراكية، لكننا الآن في واقع رأسمالي، لذلك، بغض النظر عن النظام الاقتصادي الذي نتبناه -لأننا عادةً ما نُسيء إلى ما اخترناه-  أرى أن تدخل الدولة في الإنتاج المباشر غير مجد، لأنه غالبًا ما يُنتج أعمالًا بيروقراطية أو موجهة، والتجارب السابقة في القطاع العام أثبتت هذا، إذ كانت مليئة بالفساد والهدر.

الحل الأمثل من وجهة نظري هو أن تتبنى الدولة نموذجًا مشابهًا للدول الكبرى، مثل فرنسا، التي تفرض ضرائب على الفيلم الأجنبي، وتصب هذه الضريبة في صندوق لدعم واستثمار السينما المحلية والمواهب الشابة.

ويبقى الأهم من المال هو توفير مناخ يدعم حرية التعبير والتشريعات التي تحمي الفنون وتشجع على الإنتاج، فلابد من إدراك أن دور الدولة يجب أن يكون إشرافيًا، يقدم الحماية والتسهيلات بدلًا من التدخل الثقيل، فنحن بحاجة إلى استراتيجيات ذكية تدعم الصناعة وتعيدها إلى الريادة، لأن السينما ليست مجرد صناعة، بل هي ذاكرة وهوية وطنية.

في السابق، كانت هناك مبادرات لدعم السينما مثل تخصيص 20 مليون جنيه من وزارة المالية قبل 25 يناير 2011، وهو ما ساعد في إنتاج عدة أفلام سنويًا رغم البيروقراطية، ورغم زيادة الدعم إلى 50 مليون جنيه بعد ذلك، لكن لم تُصرف هذه الأموال، ولم تُنفذ المبادرة، لماذا لا يتم تخصيص ميزانية تدعم الصناعة وتساعد على استمرارية عجلة الإنتاج.. ولتعتبرها الدولة بديلًا عن "إعانة بطالة" فهي ليست أموال مُهدرة، على العكس هي إنقاذ للصناعة والعاملين فيها.

أشرت سابقًا إلى ضرورة تسهيل إجراءات التصوير في الأماكن العامة بمبالغ رمزية بدلًا من الرسوم المرتفعة التي تثقل كاهل المنتجين، وذكرت أن تلك الرسوم تؤدي إلى هروب الإنتاجات إلى دول أخرى مثل المغرب أو المجر، منذ عام 1993، حين تم معاينة أماكن التصوير للفيلم الأمريكي "المريض الإنجليزي" رُفض في مصر، ثم تم تصويره في المغرب، وإنتاجه عام 1996، ومن بعدها قفزت الصناعة في هذا البلد قفزة هامة، بينما وصلنا إلى حال أننا كمصريين نصور مشاهد أفلامنا عن "القاهرة" في المجر لتقليل التكاليف.

لكن هناك تطور فجائي بإنشاء "لجنة مصر للأفلام" في مدينة الإنتاج الإعلامي، تقدم التسهيلات لتصوير الأفلام الأجنبية في مصر، فجذب العديد من الإنتاجات العالمية، وهو ما يثبت أن تبسيط الإجراءات ينعكس إيجابيًا على سمعة مصر عالميًا ويجلب عائدات مالية ودعايا سياحية تفوق المبالغ المصروفة. 

  • كيف يمكن تحسين العلاقة بين المؤسسات الإنتاجية والمبدعين لضمان إنتاج أعمال عالية الجودة؟

نحن بالفعل نملك كيانًا اسمه "غرفة صناعة السينما" التي تحولت إلى "عزبة خاصة" يديرها بعض الأفراد ضد زملائهم وضد الصناعة نفسها، لذلك فإن هناك ضرورة إلى التعاون بين الجهات المعنية، مع وضع حلول ملموسة مثل تقليل الرسوم المفروضة على المنتجين وتقديم تسهيلات إنتاجية تُشجع على عودة الإنتاج المحلي بقوة.

كما اقترحت سابقًا إنشاء كيان يجمع المنتجين، يكون هدفه تقديم الدعم اللوجستي والمالي وتوحيد الجهود لإنتاج أعمال متميزة، مع التأكيد على أهمية إدارة هذا الكيان بواسطة أشخاص من داخل الصناعة السينمائية، بعيدًا عن البيروقراطية.

وهناك أهمية لتغيير نظرتنا للاقتصاد الثقافي، خاصةً أن دعم السينما لا يُعتبر إهدارًا للمال العام، بل هو استثمار يعود بالنفع على الاقتصاد بشكل عام من خلال توفير فرص عمل تقوم على تنشيط الاقتصاد المحلي، وجذب الاستثمارات الأجنبية.

اعتمدت السينما المصرية دائمًا على التوزيع الخارجي، ومع ذلك، فلا تُبذل جهودًا كافية الآن لتوسيع نطاق توزيعها إلى أسواق جديدة، مثل السوق الصيني أو التركي، حيث تحتمل هذه الأسواق نجاح الإنتاج المشترك، إلا أن الصناعة في مصر تعتمد بشكل كبير على "الموجة الكوميدية" أو الأعمال السطحية دون تطوير أو مجهود حقيقي للتغيير، لأن الشائع هو البحث عن المصلحة الفردية بغض النظر عن صالح الصناعة بشكل عام.

المهرجانات السينمائية.. محفزة للتطوير أم مؤججة للأزمات؟

  • كيف تصف تجربتك مديرًا لمهرجان القاهرة السينمائي؟ وكيف تأثرت برئاستك لمهرجان الإسماعيلية؟

عملت منذ التسعينيات في مختلف المهرجانات السينمائية المصرية، بدءًا من مهرجان القاهرة السينمائي وحتى مهرجان الإسكندرية، وعندما توليت رئاسة مهرجان الإسماعيلية، شعرت أنه "فخ" واختبار شخصي، وكان هدفي أن أُظهر كيف يمكن للمهرجانات الصغيرة أن تكون ذات تأثير كبير رغم الإمكانيات المحدودة، وكانت التجربة ناجحة وأدت إلى نقلة نوعية.

أما بالنسبة لمهرجان القاهرة، فإن تفاصيله أعمق وتحدياته أكبر، ليس فقط لضخامته ولكن لأنه تحت المجهر دائمًا، ورغم ذلك، أرى أن إدارة مهرجان صغير أو كبير تتطلب نفس الجهود، من توفير الميزانية والضيوف إلى اختيار الأفلام وإعداد المطبوعات وبرامج العروض، الفارق الأساسي يكمن في مستوى التوقعات والتدقيق الإعلامي.

نسبة النجاح بالنسبة لي 50 % لا أكثر، كنت أطمح في الكثير، وأضفت ببعض التطويرات كما زدت من أعداد الضيوف والتغطيات الإعلامية، حدثت تغيرات مُرضية في تنظيم وإدارة هذه الدورة من مهرجان القاهرة، لكنه لم يكن على مستوى الطموح، لأن هناك بعض الأزمات التي كان لا بد من تفاديها والتعامل معها على قدر حجمها لكن للأسف تفاقمت بلا داعٍ.

  • ما أبرز القرارات التي اتخذتها خلال إدارتك للمهرجان، والتي تعتقد أنها ستحدث تأثيرًا مستدامًا على مستقبله؟

تحدثتُ عن التحديات التي واجهتها خلال تنظيم الدورة الأخيرة للمهرجان، وأوضحتُ أن ثقة الجمهور تُعد العامل الأساسي لنجاح أي مهرجان، ورغم الإقبال الجماهيري الكبير، شعرتُ بالتردد في اتخاذ قرارات توسع عدد القاعات لعدم التأكد من قدرة التنظيم على جذب جمهور متوازن، إذ أن توزيع الحضور بشكل غير متناسق قد يُظهر المهرجان كأنه خالٍ من الروح، لكنه ممكن مع الدعاية المبكرة، لكننا تأخرنا هذا العام، فلم يكن أمامنا سوى عشرة أيام فقط، لكن تداركت ذلك بالنشرة اليومية التي كانت تصدر عن المكتب الإعلامي للمهرجان.

أبرزتُ أهمية وجود محتوى ثقافي قوي في المهرجانات، بما في ذلك طباعة كتب جيدة بدلًا من الاكتفاء بالكتب التقليدية التذكارية، كما أكدتُ على ضرورة تقديم تجارب تُلهم صناع الأفلام والجمهور معًا، لأن الإبداع الحقيقي ينبع من التفاعل المباشر والحيوي مع الأعمال الفنية.

كما ناقشتُ أيضًا تأثير المنافسة بين المهرجانات العربية، حيث أرى أن المنافسة الصحية تُحفز على التطوير، إذ تدفعني للاستفادة من تجارب الآخرين وتحسين الأداء، وفي المقابل، قد تُسبب أحيانًا أجواء من التوتر إذا طُبقت بشكل غير صحيح.

اقرأ أيضًا:محمد العريان وعمر سعيد.. "تلات ستات" اخترناهن وقررن الحديث إلينا (حوار)

  • ما الدروس المستفادة من هذه الدورة، وكيف ستؤثر على تخطيط الدورات القادمة؟

الأهم هو إعادة ترتيب أولوياتنا بحيث يكون الجمهور في المقام الأول، حين يثق الجمهور في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي وفي إدارته وتنظيمه ويقبل على العروض والفعاليات، هو أكبر نجاح للدولة المصرية، لذا فمن المهم ترشيد النفقات، فبدلًا من إنفاق نصف ميزانية المهرجان على "السجادة الحمراء" يمكن إنفاقها على المطبوعات، أو على زيادة عدد الصحفيين والضيوف ودور العرض.

حيث يعتمد نجاح أي مهرجان على تفاعل جمهوره وثقته في القيمة التي يقدمها، وهو ما تحقق هذا العام بفضل جهود الشباب صغير السن، الذين أسهموا بشكل كبير في نجاح الدورة الأخيرة، ما يتيح فرصة للبناء على هذا النجاح في السنوات القادمة.

لو كنت صانع أفلام ودُعيت إلى بلد أزورها لأول مرة، ولا أعرف عن فنها وثقافتها شيئًا، ما أطلبه من المهرجان هو تذكرة طيران ومكان للإقامة، لكن إذا لم يكن هناك جمهور للفيلم، فلن أشعر بنجاح المهرجان. وعلى العكس، إذا كانت هناك مشاكل تنظيمية ولكن عروض الأفلام تحضرها جماهير واعية ومثقفة، فلن يهمني مستوى الفندق أو تفاصيل الرحلة، لأن الجمهور هو العنصر الأهم في نجاح أي مهرجان.

المهرجانات السينمائية

  • هل ترى أن المنافسة بين المهرجانات العربية تعزز من جودة الإنتاج السينمائي أم أنها تخلق تحديات إضافية؟

المنافسة ليست عائقًا، بل هي فرصة للتعلم وتقديم الأفضل، يمكن العمل على تطوير الأدوات والبحث عن طرق جديدة لمواكبة التغيرات، خاصة مع النقلة النوعية التي شهدها مهرجان القاهرة السينمائي بعد ظهور مهرجان الجونة، ورغم ذلك، تظل منطقتنا من أقل المناطق في العالم من حيث عدد المهرجانات السينمائية. 

ففي المنطقة العربية، يُقام عدد محدود من المهرجانات مقارنة بما يحدث في مدينة واحدة بفرنسا، وفي المغرب، يُقام أكثر من 90 مهرجانًا سينمائيًا سنويًا، بينما في مصر لا يتجاوز العدد 10 مهرجانات.

المنافسة هنا ضرورية ومُلهمة، فالثقافة ليست مجالًا للصراعات أو التنافس ككرة القدم أو السياسة، بل هي مساحة للتعاون والتطوير، على سبيل المثال، عرض فيلم من المجر يمكن أن يكون مصدرًا للمتعة والفائدة، بالإضافة إلى إلهام صناع الأفلام لتطوير أعمالهم.

أتمنى أن نصل إلى مرحلة يكون فيها لكل محافظة 3 أو 4 مهرجانات سنويًا على الأقل، ما يتيح لمهرجان القاهرة السينمائي فرصًا أكبر لتحقيق نجاحات كبيرة وجذب مزيد من الاهتمام والإبداع.

الناقد السينمائي عصام زكريا في حواره مع فكّر تاني -تصوير إسلام يحيي
الناقد السينمائي عصام زكريا في حواره مع فكّر تاني -تصوير إسلام يحيي
  • كيف ترى تأثير مهرجانات مثل "مهرجان البحر الأحمر" على شكل صناعة السينما في مصر والمنطقة؟ وكيف ترى ما يعتبره البعض "خلجنة للثقافة المصرية"؟

تحدثت عن التحولات الكبيرة التي شهدتها منطقة الخليج، والتي تضمنت افتتاح دور عرض سينمائية وإقامة حفلات موسيقية وغنائية، ما ساهم بشكل كبير في تغيير الوعي الثقافي والاجتماعي، وبالرغم من تلك التحولات، أشرت إلى ضرورة الاستفادة من هذه التجربة بشكل صحيح يعزز من التعاون الثقافي بدلًا من النظرة السطحية أو النمطية التي قد تعيق الاستفادة المتبادلة.

لدي تجربة شخصية مع السينما السعودية تعود إلى عام 2006، حيث تعرفت على سينمائيين سعوديين خلال زيارتي الأولى لمعهد العالم العربي في باريس، في تلك الفترة، شهدت بداية التحول في المنتج الفني السعودي، الذي ساعدت فيه التطورات التكنولوجية وفي التعليم، رأيت أولى الإنتاجات السعودية، مثل فيلم "ظلال الصمت" للمخرج عبد الله البحيسي. 

وفي عام 2010، تم عرض أربعة أفلام سعودية قصيرة في القاهرة، من بينها فيلم "500 كيلو متر" للمخرج عبد الله آل عياف، الذي تناول قصة مجموعة من الشباب يسافرون كل أسبوع من السعودية إلى البحرين، قاطعين مسافة 500 كيلومتر لمجرد مشاهدة الأفلام.

هذا الحماس للسينما كان دافعًا قويًا لهؤلاء الشباب رغم التحديات؛ فمنهم من تعرض للاضطهاد، ومنهم من لم يعد إلى السعودية، ومنهم من حاول إقامة مهرجانات فنية لكن تم مواجهتها بالتكسير والمنع. اليوم، وبعد التغيرات الكبيرة التي شهدتها السعودية، أصبح هؤلاء الشباب هم رواد الحركة السينمائية، المخرج الشاب عبد الله آل عياف، على سبيل المثال، يشغل الآن منصب الرئيس التنفيذي لـ"هيئة الأفلام"، ونائبه محمد الظهيري، الذي صنع فيلمًا منذ حوالي خمسة عشر عامًا ولم يُعرض إلا العام الماضي بسبب جرأته.

السعودية ليست مجرد "ترك آل شيخ"، بل تضم مبدعين يعرفون قيمة الفن الحقيقي، مثل هؤلاء الشباب الذين يدركون أيضًا أهمية السينما المصرية، ويؤكدون دائمًا مدى استفادتهم منها.

في وقت سابق، كان ما يصل إلينا من الخليج هو الأفكار الظلامية، وكنا هنا -في مصر- نعاني من رغبة بعض الناس في السير على هذا النهج، أما الآن، فهذه الدول أصبحت تسعى للفن والثقافة والحداثة، لماذا نشعر بالضيق ونطلق على ما يحدث الآن بأنه "خلجنة" بينما أرى أن ما يحدث هو برهان على أن "الحياة أجمل من أي شيء"، لكننا ننظر فقط إلى السلبيات.

كما أن هناك بعض الفنانين في الخليج يسعون إلى تكريم السينما المصرية كمرجع ثقافي أساسي،  والسينما المصرية ليست مجرد أفلام تجارية أو "أفلام مقاولات"، بل لديها تاريخ عريق يستحق الاحترام، فلم لا نستغل هذه القيمة الفنية الكبيرة لتطوير التعاون الثقافي والفني بين مصر والخليج.

  • ما تقييمك للأعمال المصرية المشاركة في المهرجانات العالمية، على المستوى التجاري والمستقل؟

بالرغم من أننا مركز الثقافة والحضارة في المنطقة، لكن لظروف كثيرة، أصبح الإحساس بالدونية مسيطرًا، لأننا نفتقر أولًا إلى عدم الثقة في إمكانياتنا وقدراتنا، كما أن طريقة تقديم الذات في المحافل الدولية لا تتناسب مع مكانتنا. هناك أهمية للظهور بصورة تعكس قوة الهوية والثقافة.

نعاني من أزمات في حرية التعبير، على سبيل المثال، عرض أفلام في الخليج تتمتع بسقف حرية أعلى مما هو متاح في مصر، فيكون التساؤل هو: "كيف يتم عرض فيلم مصري مثل الرحلة 404 في الخارج، ويُمنع عرضه في مصر؟".

النقد السينمائي ودوره في صناعة الفن

  • كيف تقيم تجربتك الشخصية كناقد سينمائي خلال السنوات الماضية؟ وكيف ترى تأثير خبرات تلك التجربة؟

الأساس الذي ينطلق منه أي ناقد يجب أن يكون الشغف بالمعرفة والرغبة العميقة في فهم الأشياء، وليس مجرد جمع المعلومات، فالنقد، في جوهره، يمثل سعيًا للوصول إلى فهم أعمق للأفلام والفنون، ما يُمكن الناقد من استيعاب الآليات التي تُنجز بها العملية الإبداعية والتلقي، وكيفية التقييم الجمالي، كل هذا يُمكّنه من الإجابة على الأسئلة التي تشغله كمتذوق للفنون، ليأتي بعد ذلك دوره في نقل هذه الخبرة والمعرفة للآخرين.

اقرأ أيضًا:رولا عادل رشوان: التقليل من شأن الأعمال النسائية سببًا في غياب ترجماتها من الروسية.. الذكاء الاصطناعي بعيد عن الإبداع (حوار)

  • ما تعليقك على الوضع العام للنقد في مصر، قد يصفه البعض بأنه غير موجود، في ظل غياب الكتب النقدية غير تلك التي تتناول تجارب شخصية أو محاور محددة؟

نحن من أقل شعوب العالم استهلاكًا للورق، خاصة ورق الطباعة للكتب وما تزال الثقافة العامة وخاصة السينمائية شديدة الضحالة مقارنة بأي دولة أخرى، والثقافة عمومًا مثل "الأواني المستطرقة" تبدأ عند النخبة وتتدرج حتى تصل إلى المتلقي العام، لكننا في مصر استهلاكنا للثقافة يمر بأزمة كبيرة، وعلى الرغم أن المصريين من أكثر الشعوب حبًا للسينما، لكنهم أقل الشعوب قراءة للمطبوعات السينمائية المتخصصة، حتى ما يصدر منها لا يستمر مدة طويلة.

الناقد السينمائي عصام زكريا في حواره مع فكّر تاني -تصوير إسلام يحيي
الناقد السينمائي عصام زكريا في حواره مع فكّر تاني -تصوير إسلام يحيي

لكن الأمر تغير في السنوات الأخيرة، حيث بات هناك جمهور مهتم بالفن السينمائي، رغم ما يراه البعض من تأثير السلبيات على المشهد العام، لكن على الرغم من تزايد الحركات الشبابية والمهتمين بالسينما، إلا أن التفاهة قد أصبحت هي الأكثر انتشارًا، ففي الماضي، كنا ننتظر عروضًا سينمائية محدودة ونطوف بين المراكز الثقافية لمشاهدة أفلام قديمة، أما اليوم، فالشباب يستهلكون ثقافة سينمائية غنية ومتنوعة، وإن كانت تعاني من بعض السطحية.

  • هل تعتقد أن غياب الكتب النقدية يؤثر على الثقافة السينمائية في مصر؟

أصبح المتلقي اليوم أكثر تنوعًا في اهتماماته، ليس فقط من خلال المشاهد العارية أو السخيفة، بل من خلال رغبة حقيقية في الاطلاع على ثقافة سينمائية جديدة. المشكلة هي أن من يظنون أن هذا الجيل يهتم بالفوضى، لا يدركون أنهم في الواقع يعبرون عن رؤى أعمق بكثير مما يعتقدون.

كما أن جمهور المهرجانات السينمائية الآن أصبح أكثر تنوعًا، وقد حضرت مهرجانًا مؤخرا، لاحظت أن الجمهور يختلف عن السنوات السابقة، لكن للأسف، ما تزال بعض الأعمال السينمائية تقتصر على تقديم محتوى غير لائق بدلًا من تقديم فن حقيقي.

وفي المجمل، كانت تجربتي في الكتابة السينمائية، بما في ذلك كتابي الأول، على مدار الأعوام، محورية، فقد قابلت العديد من كبار النقاد وصنّاع السينما، واكتشفت العديد من العوامل التي أسهمت في تطور النقد السينمائي على مر الزمن، وفي النهاية، أعتقد أن الفهم الحقيقي لتطور صناعة السينما لا يمكن أن يتحقق إلا إذا تم تسليط الضوء على تلك التغيرات والتطورات التي تحدث من وراء الكواليس، التي قد لا تصل للمشاهد العادي.

ومن خلال تجربتي، فإن دور الناقد السينمائي ليس تطوير صناعة الفيلم، بل في مساعدة الجمهور على تقدير الفن الحقيقي وتنمية الذائقة الفنية لديهم، هذا التطور يأتي من خلال تعليم الأجيال كيف يتذوقون الفن الجيد. عندما نساعد في تحسين الذوق العام، سيُجبر صناع الأفلام على تقديم أعمال ذات قيمة أعلى.

  • من وجهة نظرك، ما هي أبرز التحولات التي شهدها النقد السينمائي في مصر خلال العقدين الأخيرين؟

التغيرات التكنولوجية، تؤثر بشكل كبير على صناعة السينما والجماهير، لكن النقد السينمائي يجب أن يركز على تطوير الفكر النقدي بين الجمهور، وفي هذا السياق، ناقشنا التحديات التي يواجهها الناقد السينمائي مع فشل التعاون بينه وبين صناع السينما، وهذا في حد ذاته يخلق فجوة كبيرة، حيث لا يُسمع الصوت النقدي ولا يُقدَّر في بعض الأحيان.

أما أنا فأؤمن بأن المكان يمكن أن يكون بطل الفيلم في بعض الأحيان، وليس فقط القصة أو الشخصيات. في أفلام معينة، يبني المخرج عالمًا يتحدث من خلال المكان نفسه، هذا هو ما يعنيني أكثر في نقد الأفلام: كيف يتم استخدام المكان وأثره على القصة.

لذا أرى أن تطوير السينما والفنون الأخرى يتطلب تطويرًا عامًا في المجتمع من خلال التعليم والثقافة، من دون ذلك، سيظل الوضع كما هو، وستظل الفنون تواجه تحديات كبيرة في الوصول إلى الجمهور بشكل مؤثر وفعال.

اقرأ أيضًا:منصورة عز الدين: على الكاتبات أن يتحررن من التمييز.. والذكاء الاصطناعي لا يُشكل خطرًا فالكتابة ابنة التجربة الإنسانية (حوار)

 الرؤية المستقبلية

  • كيف ترى مستقبل السينما المصرية بالنظر للوضع العام خلال العقود الأخيرة على مستويات الصورة والنص؟ خاصة في ظل ما يحدث في المنطقة؟

    كنت دائمًا مغرمًا بجمع الأشياء القديمة، وأحيانًا، أجدني أفكر في واقعنا الحالي، حيث يبدو أن الوضع عادي جدًا ولكن في الحقيقة الأمور أكثر تعقيدًا مما تظهر. الناس في الشارع لم يعودوا يستخدمون الجمل المفيدة أو بنية الجملة الصحيحة، وهذا ينعكس على طريقة تفكيرهم وتعبيرهم.

    لا بد من التفاؤل، فبعض الناس يستطيعون تخطي الظروف الصعبة ويعلمون أنفسهم بشكل مستمر، يمكن لأي شخص أن يتعلم بنفسه عبر الإنترنت، من خلال الورش المجانية المتاحة، الأوضاع عادية بشكل عام، لكن الوضع قد يختلف مع مرور الزمن.

    الضغط الذي تمارسه الدولة على التعليم جعل الأوضاع أكثر صعوبة، لكن هناك دائمًا أمل في وجود أشخاص قادرين على التغلب على الظروف الصعبة.

    السينما المستقلة الآن تختلف عن بداياتها، ففي الماضي كان هناك إنتاج مشترك، لكن الآن نجد العديد من صناديق الدعم التي توفر مبالغ قليلة لدعم الأفلام، بالطبع، صناع الأفلام يواجهون صعوبات كبيرة في جمع الأموال اللازمة للإنتاج، وهو ما يجعل العملية أكثر تعقيدًا. ومع ذلك، يحاول البعض الوصول إلى رؤيتهم الفنية الخاصة رغم هذه الصعوبات.

    أعتقد أن السينمائيين في الماضي مثل مايكل أنجلو، كانوا في صراع مستمر مع الظروف التي تحيط بهم. فكل فنان يواجه تحديات تتعلق بالموارد والظروف التي تحيط به، والمبدعون اليوم ليسوا استثناء من ذلك، يوسف شاهين كان يقول إن الفيلم نفسه لا يأخذ أكثر من 20% من طاقته، بينما 80% الأخرى تذهب للتعامل مع مشاكل الإنتاج والرقابة والظروف العامة.

اقرأ أيضًا: بهيجة حسين: مصر تقف على أرض رخوة ومحو التاريخ مقصود.. الحِراك النسوي ليس رفاهية (حوار)

  • كيف يمكن تعزيز دور السينما المستقلة في مصر؟

بغض النظر عن التحديات التي يواجهها صناع السينما المستقلة، يبقى السؤال الأهم: هل الفيلم تتم صناعته فقط لأنها مهنة مُغرية؟ أم أن هناك رسالة حقيقية يرغب المخرج في إيصالها للمشاهد؟ يجب على السينمائيين أن يكونوا على دراية بما يريدون توصيله من خلال عملهم الفني، وهل يريدون أن يثيروا مشاعر معينة؟ أو يغيروا الواقع؟ فيجب أن يكون الفنان صريحًا في أهدافه الفنية وألا يضيع في بحر التحديات المادية، لأن هذه هي الطريقة التي تميز الفيلم الجيد عن غيره.

أُدرك تمامًا أن مشاكل الإنتاج موجودة دائمًا، سواء كنت تعمل مع أكبر شركة في مصر أو أكبر شركة في العالم، ستواجه نفس الصعوبات، نرى حياة عباقرة السينما في العالم، وكيف عانوا من نفس المشاكل المتعلقة بالإنتاج، حيث لم يتمكنوا من صنع الأفلام التي كانوا يحلمون بها، بسبب تعقيدات الصناعة. المخرجون الكبار، مثل غيرهم، مروا بتجارب معقدة، حيث كانت لديهم مشاريع كثيرة غير مُنفذة ما زالت موجودة في الأدراج. كل المخرجين الكبار عانوا من تلك المشاكل الإنتاجية، وهي أمر طبيعي.

من السهل أن ننسى هدفنا الحقيقي وسط هذه الصعوبات، وهو ما يؤدي ببعض المخرجين إلى التراجع. بعضهم يضطر للجوء إلى تمويل من دول أخرى مثل قطر أو السعودية، حيث تجري مناقشات مع لجان الدعم التي تعطي توجيهات مثل "غَيّر هذا" أو "افعل كذا"، وعلى الرغم من أن الفيلم قد يخرج جيدًا، إلا أن هناك تأثيرًا ملحوظًا لهذه التدخلات في كل مشهد، بحيث يظهر تأثيرهم على العمل في النهاية. هذا قد يؤدي إلى تغييرات في الفكرة أو الشخصيات.

على صانع الفن أن يتجاهل الحسابات التجارية، ويظل مخلصًا للفكرة الأساسية التي يحاول نقلها. السينما يجب أن تعكس الواقع، وليس العالم المثالي الذي نريد أن نصنعه.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة