"الميت الفحل قوّامًا على المرأة". هذا ليس مجرد خط درامي تُقرأ من خلاله رواية "تاج شمس" الصادرة عن بيت الحكمة للكاتب هاني القط، بل بوابة لفهم عالمٍ رمزيٍّ متشابك تنصهر فيه الأسطورة مع الواقع. في هذه الرواية، يرسم الكاتب ملامح قرية فرعونية تعيش في الزمن المعاصر، تُحكم من قبل شخوص تُعيد تشكيل مفهوم السلطة، والأنثوية، والجنس، و"الميت الفحل" هنا على قدر أنه الشخصية المحورية في الأحداث، فإنه لا يُجسّد فقط قوامة الرجل، بل يعكس فحولةً أسطوريةً تُعيد تعريف الأنوثة في أذهان نساء القرية، في مزيج فريد من الشبق، والكينونة، والبحث عن الخلود.
يُقدم القط بتكنيكٍ جديد وفريدٍ من نوعه قراءة مختلفة لديناميكيات القوة، حيث تتصدر المرأة كـ"الجليلة" عرش القيادة، لكن يظل "الميت الفحل" سيد المشهد بتجلياته الجنسية التي تصنع حياةً موازيًةً تعيد للنساء شعورهن بالكينونة، ولذاته مواجهة شبح الموت.
تجمع أحداث الرواية بين الواقع -عادات وتقاليد القرية- والفنتازيا باستخدام العديد من الرموز الفرعونية؛ فالشمس هي أقدم المعبودات الفرعونية، وكان "رع" هو الإله الرئيسي في الدين المصري القديم. أما التاج في العصر الفرعوني فيرمز إلى القوة، والسلطة، والشرعية، والانتصار، والبقاء، ومجد الحياة. والتي تعتلي هذه السلطة ولها كل الشرعية هي "الجليلة" التي تجلس كملكة فرعونية مُتوّجة على هذا العرش أو هذه القرية الفرعونية.
كما أنّ اللون الأصفر هو لون الخلود والديمومة عند الفراعنة القدماء، ويتمثل في أشعة الشمس؛ لذلك أُطلق عليها "تاج شمس".
برع القط كروائي يجيد استخدام الرمزية في اختيار أسماء الشخصيات؛ فالجليلة في اللغة العربية تعني المرأة الوقور ذات الشخصية القوية التي يهابها كل من حولها رجالًا ونساءً. وهكذا كانت شخصيتها في الرواية؛ مُهابة من جميع من حولها، وهي رمز القوة والسلطة الشرعية الحقيقية، صاحبة منزلةٌ رفيعةٌ، وهي محط أنظار العديد من أهالي القرية، والوافدين إليها من أجل استشارتها، لفطنتها وتأويلاتها الحكيمة المُتعدّدة.
الرمزية ذاتها تدخلت في تحديد شخصية "الأبيض" الذي استولى على حكم العمدة، وفاللون الأبيض هنا يعود إلى رمزيته عند الفراعنة، حيث النقاء والرفعة والمكانة الاجتماعية.
اقرأ أيضًا:"الخواجاية".. سيرة مصرية أوروبية
وقد برزت هذه الرمزية في الأحداث حينما ارتدى الأبيض التاج الأبيض الفرعوني. ورفع المُلثّم الخنجر وأغمده بقوةٍ في قلب "الأبيض" لينفجر شلالٌ من الدماء، وبهذا يتحول "التاج الأبيض" إلى "الأحمر"، الذي يرمز عند الفراعنة إلى "التّوحيد"؛ توحيد القرية بأسرها مرة أخرى بقتل الأبيض. وبعد ذلك بفترة يصبح "أبو جميل" هو عمدة هذه القرية، كأحد أربعة تناوبوا على حكمها.
"سيسبان" زوجة الميت الفحل وابنة خالته، استوحى اسمها من شجرة السيسبان، التي لا تحتاج إلى الري بكميّاتٍ كبيرة، وتتحمل العطش بشدة.
قبل الزواج من الميت الفحل، كان جسد سيسبان مُسطّحًا -لا يمت لأجساد النساء بصلةٍ- لكن بعد زواجها من ابن خالتها، الميت الفحل، تحول جسدها البور إلى صارخ الأنوثة. بدّلها "الميت الفحل" فأصبحت مكتملة الأنوثة في نظر نساء القرية، يحسدنها على فحولة زوجها الجنسية، وقدرته الهائلة على منح هذا الجسد الهزيل النحيف المتعة والشبق الذي روى جسد سيسبان في فترةٍ وجيزةٍ.
أصبح "الميت الفحل" هدفًا لكل نساء القرية؛ لا يشعرنَ بكينونَتهنّ الأنثوية إلا بمضاجعة هذا الميت الفحل.
المرأة الريفية هنا مُتحررة في علاقاتها الجنسيّة إلى حدٍّ كبيرٍ؛ وكأنها تستمد من خلالها كينونتها وهويتها الأنثويّةK فهاهنا "كُوكب" التي وَلعت بمضاجعة هذا الفحل وتركَت كل رجالها من أجله. وعندما هجرها الميت الفحل، سارت في شوارع القرية مشعثة الشعر؛ وكأن نفر من الجان مسها.
الميت هنا في الرواية يصنع لهؤلاء النساء حياة مُفعمة بالأنوثة والكينونة؛ وفي المقابل تصنع النساء له حياة مُوازيةً تُعينه على تحمل همومه وآلامه، وتساعده على نسيان سر الموت الذي يُلاحق تفكيره دائمًا.
في ليلة مُا مع كُوكب، أدرك الميّت تمام الإدراك أنه مُصاب بلعنة شيطان الشبق الذي تملّكه؛ وكأنه هو ذاته سر الموت الذي يبحث عنه دومًا طيلة حياته.
"صفية" وهي حفيدة "الجليلة" هي المُنتَقاة والمُختارَة، التي تتولى رئاسة عرش الجليلة في نهاية أحداث الرواية وتمارس أفعالها.
في كثير من الروايات المصرية؛ مثل "شىء من الخوف" للكاتب "ثروت أباظة"، ورواية "الأرض" لعبد الرحمن الشرقاوي، العمدة هو السيد. الريف في "تاج شمس" متشابه مع هاتيْن الروايتيْن؛ والعمدة صحيح أنه سيد القرية لسببين: مرة لوضعه الطبقي والاجتماعي كعمدة أو حاكم للقرية يتحكم في مصير أهاليها، ومرة لانتمائه إلى جنس الرجال. لكنّه ليس كذلك في "تاج الشمس"، والسلطة في القرية ممثلة في أقصى صورها في "الجليلية" التي تعتلي تاج العرش، و"الميت الفحل" السيد الحقيقي لهذه القرية.
تناوب على حكم هذه القرية أربعة أشخاص، انتهت حياة أغلبهم بطريقة مأساويةٍ مُخيفةٍ؛ ولم يبقَ سوى "الميت الفحل الأسطوري" الذي يواري أو يدفن الموتى في المقابر، ثم يعود لفتح هذه المقابر وكشف رؤوس هؤلاء الموتى؛ لعله يستنبط سر الموت. وعندما لا يجد الإجابة الحتمية، يسير بلا هدفٍ في شوارع القرية؛ حتى يجد ملاذه في مضاجعة النساء.
"الميت الفحل" هنا يشبه "آيروس" في الميثولوجيا الإغريقيّة، إله الحب والرغبة الإباحية، والخصوبة والسعادة. وكما كان "آيروس" مُلازمًا لأمه "أفروديت"، لازم "الميت الفحل" أمه أيضًا. وكما كان راصدًا لتجليات الجنس عبر الحضارات البشرية، رصد "الميت الفحل" ومارس تجليات الجنس بشتى صورها وأنواعها.
يتلذذ "الميت الفحل" بتجاربه الجنسية المتعددة والعابثة؛ كي تُزيده قوةً وصرامةً، وتبعث داخل وجدانه النشوة والسعادة لمواجهة فكرة الموت، التي تُلاحقه منذ طفولته عبر موت جميع إخوته الصغار.
أسمته أمه "الميت" كي يحيا ولتتجنب فجيعة موته -هو الآخر مثل بقية أطفالها- حسب معتقدها.
منذ الصغر والميّت يتخيل أن الموت لعبةٌ، حتى وجد ملاذه وأدرك سر الموت عبر تأوهات المتعة التي يستمتع بها وتنسيه الموت.