هل يستمر وقف إطلاق النار في غزة؟

في تحليل سياسي نشرته مجلة "فورين أفيرز" الأمريكية، يقدم البروفيسور مارك لينش، أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن والباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، رؤيته الشاملة لاتفاق وقف إطلاق النار الأخير بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، والذي دخل حيز التنفيذ في تمام الساعة 11:30 اليوم الأحد بالتوقيت المحلي، بعد ساعات على رفض تل أبيب تنفيذه لعدم تسلمها قائمة بأسماء المحتجزات.

يتناول لينش الأبعاد السياسية والإقليمية والديموغرافية المُعقدة للاتفاق، مُشيرًا بوضوح إلى أن الطريق نحو تحقيق سلام عادل وشامل في الشرق الأوسط لا يزال طويلًا وشاقًا ومُحاطًا بالكثير من العقبات والتحديات، في ظل تعقيدات الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وهذه الهدنة الهشة التي يراها تحمل في طياتها بذور عدم الاستقرار.

غزة.. استقرار الهدنة ومرحلة ما بعد القتال

يفتتح لينش تحليله بالتعبير عن تفاؤله الحذر بشأن توقف القتال الدائر، مُؤكدًا على أن أي جهد يهدف إلى إنهاء نزيف الدماء وتمكين سكان قطاع غزة من التعافي وإعادة بناء حياتهم هو أمر يستحق الترحيب والدعم. ومع ذلك، لا يُخفي لينش قلقه العميق إزاء إمكانية تعثر تنفيذ بنود الاتفاق على أرض الواقع، مُشددًا على ضرورة وجود آليات فعّالة لضمان الالتزام الكامل بجميع جوانب الهدنة.

آليات وجنود الاحتلال يتمركزون في محور صلاح الدين (فلاديلفيا) الحدودي بين مصر وغزة (وكالات)
آليات وجنود الاحتلال يتمركزون في محور صلاح الدين (فلاديلفيا) الحدودي بين مصر وغزة (وكالات)

ويُركز بشكل خاص على الأهمية القصوى لتدفق المساعدات الإنسانية بسلاسة ودون عوائق إلى القطاع المُحاصر، مُستذكرًا التجارب السابقة التي شهدت وعودًا بزيادة المساعدات لم يتم الوفاء بها فعليًا على أرض الواقع.

ويرى لينش أن عدم قدرة السكان النازحين على العودة إلى ديارهم المُدمرة وبدء عملية إعادة الإعمار الشاملة سيُعوق بشكل كبير استقرار الهدنة، وسيُبقي الوضع مُعرضًا لخطر الانفجار في أي لحظة.

ما تضمنه اتفاق غزة

وقد توصل الطرفان إلى اتفاق لتنفيذه على ثلاث مراحل، تبدأ مرحلته الأولى اليوم الأحد، وتمتد كل مرحلة لمدة 42 يومًا.

المرحلة الأولى:

تشمل:

وقف العمليات العسكرية المتبادلة وانسحاب إسرائيلي جزئي:
توقف مؤقت للعمليات العسكرية، وانسحاب القوات الإسرائيلية إلى منطقة بمحاذاة الحدود على بعد 700 متر، وفق خرائط ما قبل 7 أكتوبر 2023، مع تعليق النشاط الجوي الإسرائيلي بمعدل 10 ساعات يوميًا و12 ساعة خلال أيام إطلاق الأسرى والمحتجزين.

إطلاق سراح أسرى وتبادل محتجزين:
تشمل المرحلة الأولى الإفراج عن 2,000 أسير فلسطيني، بينهم 250 محكومون بالسجن المؤبد، مقابل إطلاق المقاومة سراح 33 محتجزًا إسرائيليًا، وفق جدول زمني يبدأ بإطلاق 3 محتجزين مدنيين في اليوم الأول.

عودة النازحين وتيسير المساعدات:
يبدأ النازحون بالعودة تدريجيًا إلى منازلهم في المناطق المنسحب منها، مع دخول المساعدات الإنسانية عبر المعابر. يُسمح بمرور 600 شاحنة يوميًا، منها 50 تحمل الوقود، مع فتح معبر رفح بعد 7 أيام.

إجراءات إعادة الإعمار:
تتضمن المرحلة الأولى إعادة تأهيل البنية التحتية وتوفير 60 ألف وحدة سكنية مؤقتة و200 ألف خيمة للنازحين، إضافة إلى إزالة الأنقاض والسماح بإدخال المعدات اللازمة.

المرحلة الثانية:

تهدف إلى تعزيز الهدوء المستدام، وتشمل:

وقف دائم للعمليات العسكرية:
يتم إعلان وقف كامل ودائم للأعمال العدائية، مع استمرار تبادل الأسرى والمحتجزين، بما يشمل إطلاق جميع الرجال الإسرائيليين المحتجزين لدى المقاومة مقابل عدد متفق عليه من الأسرى الفلسطينيين.

انسحاب إسرائيلي كامل:
تنسحب القوات الإسرائيلية بالكامل من قطاع غزة.

المرحلة الثالثة:

تركز هذه المرحلة على استكمال إعادة الإعمار وتبادل جثامين الموتى:

تبادل رفات الموتى:
يتم التعرف على الجثامين الموجودة لدى الطرفين وتبادلها.

إعادة إعمار شاملة:
يشمل ذلك المنازل والمباني المدنية والبنية التحتية، ويُنفذ المشروع تحت إشراف دول ومنظمات دولية مثل مصر، قطر، والأمم المتحدة.

فتح المعابر وتسهيل الحركة:
يُسمح بحرية حركة الأفراد والبضائع عبر جميع المعابر، مع إزالة القيود المفروضة سابقًا.

مفاوضات المرحلة الثانية:

تبدأ المفاوضات غير المباشرة حول المرحلة الثانية في اليوم السادس عشر من بدء الاتفاق، ويجب التوصل لاتفاق قبل نهاية الأسبوع الخامس من المرحلة الأولى. ويشرف على تنفيذ الاتفاق دول ومنظمات دولية، مع ضمان استمرار تقديم المساعدات الإنسانية وإعادة إعمار القطاع.

اقرأ أيضًا: ما نعرفه عن مفاوضات وقف إطلاق النار في غزة

فلسطينيون يحتفلون بين ركام المنازل المدمرة في غزة بوقف إطلاق النار (وكالات)
فلسطينيون يحتفلون بين ركام المنازل المدمرة في غزة بوقف إطلاق النار (وكالات)

نظرة واقعية على الوضع واحتمالات التعثر

يُبدي لينش تشاؤمًا ملحوظًا بشأن إمكانية تجاوز المرحلة الأولى من الاتفاق والوصول إلى سلام دائم ومستقر. ويُرجع هذا التشاؤم إلى وجود رغبات ومصالح مُتضاربة داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث يُفضل بعض الأطراف استمرار حالة الحرب لتحقيق أهداف مُختلفة، تتراوح بين إقامة مناطق عازلة دائمة على طول حدود قطاع غزة وتدمير البنية التحتية العسكرية لحركة حماس بشكل كامل.

وفي المقابل، يُشير لينش إلى إمكانية قيام عناصر المقاومة الفلسطينية بتنفيذ أعمال قتال مُفاجئة بهدف تقويض الاتفاق وإفشال أي فرصة للسلام، على حد قوله. بينما يُحذر من إمكانية عودة القوات الإسرائيلية للقصف الجوي والمدفعي بذريعة حصولها على معلومات استخباراتية تُفيد بإعادة حركة حماس تنظيم صفوفها واستعدادها لاستئناف العمليات العسكرية.

الدور الأمريكي المتردد ودوافع إسرائيل المُعقدة

ينتقد لينش بشدة الإدارة الأمريكية الحالية لعدم ممارسة ضغوط حقيقية ومُؤثرة على الحكومة الإسرائيلية في وقت سابق، مُشيرًا إلى أن الانتقادات الأمريكية العلنية لم تتجاوز حدود التصريحات الإعلامية ولم تترجم إلى إجراءات ملموسة على أرض الواقع، مثل تقييد إمدادات الأسلحة والمُعدات العسكرية التي تعتمد عليها إسرائيل بشكل كبير.

ويُرجح لينش أن موافقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على الاتفاق في هذا التوقيت تحديدًا قد تكون مرتبطة بالتغيرات السياسية المُحتملة في الولايات المتحدة مع قرب وصول ترامب للبيت الأبيض، ورغبته في تقديم ما يُشبه "الهدية" للإدارة الأمريكية الجديدة، ربما مقابل الحصول على دعم سياسي وعسكري لتوسيع السيطرة الإسرائيلية في مناطق الضفة الغربية المُحتلة.

تأثير الهدنة على المشهد الإقليمي

يُشير لينش إلى أن وقف إطلاق النار الحالي، بالرغم من أهميته الإنسانية، لن يُحسن بشكل كبير صورة الولايات المتحدة في أوساط الرأي العام العربي والإسلامي، خاصة بعد الخسائر الفادحة التي تكبدها قطاع غزة خلال جولة العنف الأخيرة.

ومع ذلك، يرى أن الهدنة قد تمنح بعض الدول العربية مساحة سياسية أكبر للمُضي قُدمًا في تبني سياسات داخلية وخارجية غير شعبية، مثل استئناف مسار التطبيع مع إسرائيل الذي توقف مؤقتًا.

وفيما يتعلق بتأثير الهدنة على الصراعات الإقليمية المُشتعلة، يرى لينش أن الاحتمالات لا تزال مفتوحة على مصراعيها، حيث قد تعتبر إسرائيل أنها حققت أهدافها الاستراتيجية من هذه الجولة من العنف، أو قد تستغل الظروف الإقليمية المُتغيرة لشن هجمات عسكرية أوسع نطاقًا ضد خصومها الإقليميين، وعلى رأسهم إيران وحلفاؤها في المنطقة.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان، ووزير خارجية البحرين عبد اللطيف بن راشد الزياني خلال توقيع اتفاقيات "التطبيع" في 15 سبتمبر 2020. (البيت الأبيض / تيا دوفور)
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان، ووزير خارجية البحرين عبد اللطيف بن راشد الزياني خلال توقيع اتفاقيات "التطبيع" في 15 سبتمبر 2020. (البيت الأبيض / تيا دوفور)

السياسة الإسرائيلية ومستقبل نتنياهو

يُحلل لينش تأثير الهدنة على الساحة السياسية الداخلية في إسرائيل، مُتوقعًا عودة التركيز التدريجي على القضايا الداخلية التي كانت تُؤرق المجتمع الإسرائيلي قبل اندلاع جولة العنف الأخيرة. ويرى أن معارضي رئيس الوزراء نتنياهو قد يُحاولون استغلال الوضع السياسي الجديد لتقويض شعبيته المُتراجعة، بينما قد يسعى نتنياهو نفسه إلى الحفاظ على منصبه المُهتز من خلال التحالف مع أطراف سياسية مُختلفة.

ويُؤكد لينش على أن هدف نتنياهو الأساسي في المرحلة الراهنة هو البقاء في السلطة بأي ثمن، وأن هذا الهدف سيُؤثر بشكل كبير على طريقة تعامله مع الهدنة ومستقبل العلاقات مع الفلسطينيين.

مستقبل الحكم في قطاع غزة

ويتوقع لينش أن تشهد المرحلة القادمة محاولات جادة لإعادة تمكين السلطة الفلسطينية في قطاع غزة، لكنه يُعرب عن شكوكه العميقة بشأن إمكانية نجاح هذه الخطة على المدى القصير، بالنظر إلى ضعف السلطة الفلسطينية الحالي وتحدياتها الهيكلية والمالية.

ويُشير إلى أن حركة حماس لا تزال تُعتبر القوة السياسية والعسكرية الأبرز على أرض الواقع في قطاع غزة، وإذا فشلت الهدنة الحالية في تحقيق تحسن ملموس في الظروف المعيشية للفلسطينيين، فمن المُحتمل أن تستعيد الحركة نفوذها وقوتها بشكل تدريجي.

حل الدولتين في مهب الريح

يُؤكد لينش بشكل قاطع أن هذا الاتفاق الأخير لوقف إطلاق النار لا يُمثل بأي حال من الأحوال بداية لمسار سياسي جاد يُفضي إلى حل الدولتين الذي طال انتظاره.

ويرى لينش أن الواقع الحالي على الأرض يُشير إلى ترسيخ مُتزايد لواقع "الدولة الواحدة" ثنائية القومية، حيث تُسيطر إسرائيل بشكل مُحكم على جميع جوانب الحياة في الأراضي الفلسطينية المُحتلة. ويُختتم تحليله بنبرة مُتشائمة، مُعتبرًا أن الحديث عن حل الدولتين قد يتلاشى تمامًا من الخطاب السياسي في ظل الإدارة الأمريكية القادمة التي لا تُبدي اهتمامًا كبيرًا بهذا الخيار.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة