يُشكّل سقوط نظام الأسد، وفقًا لنيكولاي كوزانوف، الزميل غير المقيم في برنامج روسيا وأوراسيا بـ"تشاتام هاوس"، نهاية فصلٍ مهمّ في حضور روسيا بالشرق الأوسط. لكنه لا يعني انسحابها من المنطقة.
يقول كوزانوف، في مقال بصحيفة "الجارديان"، إن قرار روسيا عدم القتال من أجل نظام بشار الأسد، ونقل الأخير جوًا إلى موسكو حيث يبدو أنه سيبقى هناك لفترة، ليس أكثر من محاولة لتعزيز وجودها في الشرق الأوسط بالتخلص من "أصل سام".
يُشير كوزانوف إلى أن نشر القوات الروسية في سوريا عام 2015 لدعم نظام الأسد، كان علامة فارقة في تاريخ العلاقات الروسية مع الشرق الأوسط. فقد أعلنت موسكو بذلك عودتها بقوة إلى السياسة الشرق أوسطية، بعد أن تراجع حضورها بشكل كبير بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.
وبحسب تحليله، كانت هذه العملية العسكرية الكبرى الأولى التي تقوم بها موسكو في المنطقة منذ عام 1991، حيث لم تقتصر على إنقاذ النظام الصديق من الانهيار الوشيك، بل أظهرت استعدادها للعب دورٍ فاعل في تشكيل العمليات الإقليمية، متجاوزةً سوريا.
لماذا دخلت روسيا سوريا؟
يضيف كوزانوف أن التجربة السورية أصبحت بمثابة تمهيد ضروري لتدخل موسكو الأكثر نشاطًا في ليبيا والسودان وإفريقيا جنوب الصحراء. ويقول إن "ربيع العرب" بين عامي 2010 و2012 كاد أن يؤدي إلى فقدان موسكو جميع شركائها المتبقين في المنطقة، والذين ورثتهم من الاتحاد السوفييتي.

وعلى العكس من ذلك، فإن العملية السورية، وفقًا لكوزانوف، لم تحافظ فقط على نظام دمشق الموالي لموسكو، بل عززت العلاقات الروسية الإيرانية، كما أجبرت دولًا شرق أوسطية أخرى على اعتبار روسيا لاعبًا مهمًا. وبالتالي، أصبح الوجود العسكري الروسي في سوريا أحد العوامل التي أدت إلى تكثيف حوار موسكو مع الممالك العربية الخليجية، وأضاف بندًا جديدًا إلى جدول أعمال علاقات موسكو مع مصر والعراق وتركيا.
منذ التدخل العسكري، تُموقع روسيا نفسها بنشاط، وفقًا لكوزانوف، كضامن للاستقرار وحامي لأنظمة موالية (عادةً ديكتاتورية) من التهديدات الخارجية والداخلية. وعلاوة على ذلك، رسمت آلة الدعاية الروسية مقارنات بين الأسد ومصير حسني مبارك في مصر، مدعيةً أن موسكو هي داعم أفضل وأكثر موثوقية من الولايات المتحدة.
أما بالنسبة للولايات المتحدة والغرب بشكل أوسع، فقد خلقت إجراءات موسكو قناة تواصل جديدة لمواجهة تقليص الاتصال النشط بعد ضم شبه جزيرة القرم عام 2014.
كانت رسالة الكرملين بسيطة، وفق كوزانوف، وهي: "سواء أعجبكم الأمر أم لا، روسيا لاعب مهم، ويجب على الغرب التحدث إليها على الأقل لإنشاء آليات لتجنب الاشتباكات العرضية بين القوات الروسية والأمريكية في سوريا".
وقد راهن الكرملين على أن جهوده، وكذلك جهود الأوليغارشية الروسية مثل يفجيني بريجوجين، لإنقاذ الأسد، ستُثمر عاجلًا أم آجلًا بالحصول على جزء من "الكعكة الاقتصادية" السورية. لكن سقوط الأسد ألغى هذه الخطط إلى الأبد.
لماذا تخلت روسيا عن الأسد؟
بعد وقت قصير من بدء هجوم المعارضة على حلب في نوفمبر 2024، قررت روسيا بوضوح وعن عمد، وفقًا لكوزانوف، عدم إنقاذ الأسد.
يميل المحللون إلى تفسير ذلك بالإشارة إلى حرب روسيا في أوكرانيا، والتي لم تسمح لروسيا بالرد في الوقت المناسب والطريقة الصحيحة على الهجوم الجديد لقوات المعارضة السورية. إلا أن الأمر لم يكن الأمر يتعلق فقط بتناقص عدد الجنود، بل أيضًا بانخفاض الجودة، وفقًا لكوزانوف، إذ تحولت سوريا إلى نوع من "البالوعة" للرتب العسكرية الروسية العليا التي سقطت في موسكو، والضباط الذين أرادوا الفرار من الحرب في أوكرانيا. كما ضعف حلفاء روسيا والأسد الرئيسيين – إيران ووكلاؤها – بسبب مواجهة طهران مع إسرائيل.

وبينما هذه البيانات صحيحة إلى حد كبير، إلا أنها تتجاهل، بحسب كوزانوف، عاملًا مهمًا آخر؛ فبحلول عام 2024، تحولت سوريا من فرصة إلى عبء اقتصادي وسياسي على روسيا.
فقدت سوريا أهميتها كأصل لإسقاط النفوذ في المنطقة.
خلال ثماني سنوات من تدخل روسيا، ظهرت مجموعة من العوامل الجديدة - الأكثر أهمية - التي تشكل علاقات الكرملين مع المنطقة، وشملت: دور روسيا داخل أوبك، وزيادة التجارة، والدبلوماسية المكثفة. كما فقدت سوريا أهميتها السابقة كعنصر اتصال مع الغرب؛ إذ أدت الحرب في أوكرانيا إلى تقليل الاتصالات وأصبح الموضوع الرئيسي للمناقشة مع روسيا.
اقتصاد الأسد الهش "سرّع سقوطه"
كذلك، اتضح أن الاقتصاد الحربي الذي أنشأه الأسد، وفقًا لكوزانوف، كان بيئة سامة لدرجة أن رجال الأعمال الروس الذين اعتادوا على العديد من التحديات لم يتمكنوا من القيام بأعمال تجارية فيه. وفي الوقت نفسه، جعل تعنت الأسد السياسي، ورفضه التوصل إلى تسويات مع المعارضة الداخلية وجيران المنطقة، والموازنة المستمرة بين موسكو وطهران، نظامه شريكًا صعبًا.
وفي هذه الأثناء، بدأ الاقتصاد السوري، الذي يعتمد إلى حد كبير على تجارة المخدرات غير القانونية ومخططات الفساد، يُظهر علامات متزايدة على الانهيار الوشيك. فبلغ اليأس بين السكان، وانعدام الحماس في الجيش، والسخرية بين أجهزة المخابرات، ذروته، مما حول النظام إلى دولة "فارغة" محرومة من قاعدة دعم صلبة.
وبحلول ديسمبر من هذا العام، واجهت روسيا خيارًا، بحسب كوزانوف: تكرار مصير الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، وتحمّل المسؤولية المالية والاقتصادية والعسكرية الكاملة عن سوريا في عهد الأسد (وهو أمر بالكاد ممكن بالنظر إلى جهود الحرب الروسية في أوكرانيا)، أو التراجع خطوة للوراء. وقد تم الاستقرار على الخيار الثاني؛ إذ فتح سقوط الأسد، مهما بدا مؤلمًا، فرصة لموسكو للخروج من الصراع المطول الذي أصبح أقل ربحية.
ويقول كوزانوف إنه سيتعين على الكرملين أن ينسى أي عائد على الجهود المبذولة في سوريا، لكنه قد يحاول الاحتفاظ بقواعده العسكرية في البلاد. وقد أوضحت السلطات السورية الجديدة أنها مستعدة للتحدث إلى الكرملين، وهي ليست في عجلة من أمرها لطرد جيشها من أراضيها.
وعلى نطاق إقليمي، وكما لوحظ بالفعل، أصبح جدول أعمال علاقات موسكو مع المنطقة واسعًا لدرجة أن خسارة سوريا، على الرغم من أنها قد تكون مزعجة، ليست بعيدة عن كونها عاملًا حاسمًا في قوة وجودها في المنطقة.
