لماذا سقط الأسد؟

في أولى مقترحات محرك "جوجل" عند البحث عن عبارة "سقوط الأسد"، يُرفق بها "في المنام"، إلا أن هذا السقوط لم يعد خيالًا بعد الآن. فقد سقط نظام بشار الأسد، وكان انهياره استثنائيًا وانتصارًا تاريخيًا للشعب السوري الذي عانى لأكثر من نصف قرن تحت حكم هذه العائلة الاستبدادية. ويُعد هذا السقوط نقطة تحول كبيرة في تاريخ سوريا والمنطقة بأسرها، لكنه في الوقت ذاته يثير تساؤلات حول أسباب هذا الانهيار السريع والعجيب.

أهمية فهم أسباب الانهيار

يقول أندرو ج. تابلي، المدير السابق الخاص بسوريا في مجلس الأمن القومي الأمريكي، في مقاله بصحيفة "نيويورك تايمز"، إنه من الضروري فهم الأسباب التي أدت إلى انهيار النظام بشكل كامل. ويضيف أنه في قلب سقوط بشار الأسد، تكمن عوامل عديدة أبرزها عدم قدرة حكومته على التكيف مع التغيرات الاجتماعية والسياسية في سوريا.

نظام أنكر وعوده لشعبه

فبعد أن تولى الأسد السلطة في عام 2000 عقب وفاة والده حافظ الأسد، وعد الشعب السوري بإجراء تغييرات جذرية في البلاد، حيث تعهد بتحسين الأوضاع السياسية والاقتصادية. وقد بدأ بتوجيه دعوات لإجراء إصلاحات شاملة من خلال الانفتاح على المجتمع الدولي وتشجيع الحريات السياسية. إلا أن ما حدث على الأرض كان مختلفًا تمامًا.

بشار الأسد (أرشيفية - وكالات)
بشار الأسد (أرشيفية - وكالات)

ورغم وعود الأسد بإجراء إصلاحات سياسية ودستورية، إلا أن الواقع كان يشير إلى استمرار القمع والإجراءات الاستبدادية، فظل النظام في تحدٍ مستمر مع الشعب السوري.

وعلى الرغم من هذه الوعود، لم يحدث الكثير من التغيير الفعلي في سوريا.

في بداية حكم الأسد، سمح النظام ببعض المعارضة، لكن ما تلاه كان مجرد عملية إصلاحية غير واضحة وغير مؤثرة، حيث ظل النظام الاستبدادي قائمًا، وازداد القمع بشكل مضطرد، فكانت عملية الإصلاح التي بدأها النظام مجرد واجهة تم استخدامها لتسهيل بعض الأنشطة الاقتصادية والتجارية، لكن من دون أي أساس قانوني حقيقي.

وطوال حكم بشار، كان الشعب السوري يعاني من فساد مستشر، حيث كانت الرشاوى جزءًا من الحياة اليومية، ما جعل بيئة الأعمال في سوريا واحدة من أكثر البيئات فسادًا في العالم. واستمر القمع السياسي على يد الأجهزة الأمنية التي كانت تعتقل المعارضين السياسيين، فيما استمر التعذيب والقمع من البداية حتى انهيار النظام.

نظام يخالف المتفق عليه دبلوماسيًا

بالنسبة لأولئك الذين تفاعلوا مع آل الأسد، كانت تجربة محيرة وغير واضحة، وفق تابلي. ففي الاجتماعات والمحادثات الرسمية، كان آل الأسد يعدون بتقديم إصلاحات جذرية في السياسة الداخلية والدولية لسوريا. ولكن ما كان يحدث بعد ذلك كان يتناقض تمامًا مع هذه الوعود.

في عام 2010، كان المفاوضون الأمريكيون يعتقدون أنهم قد حصلوا على موافقة الأسد على اتفاقية سلام مع إسرائيل، تتضمن انسحاب إسرائيل من هضبة الجولان مقابل قطع سوريا علاقاتها مع إيران وتقليص دعمها لحزب الله. ولكن ما ظهر بعد ذلك "كانت صور بالأقمار الصناعية تظهر أن الجيش السوري كان يجري تدريبًا لعناصر حزب الله على استخدام صواريخ سكود، وهي صواريخ استراتيجية يمكنها حمل رؤوس حربية تقليدية أو كيماوية ولها القدرة على تدمير أجزاء كبيرة من المدن"؛ ينقل تابلي.

الضعف الإيراني وتهديدات إسرائيل

بالإضافة إلى هذه العوامل، كانت هناك تداعيات أخرى مهمة أدت إلى تراجع النظام ومن ثم سقوطه، وفق تابلي، الذي يشير إلى تراجع قدرة إيران العسكرية في سوريا ولبنان نتيجة الحرب في غزة، كعامل حاسم ضمن عوامل سقوط الأسد.

في العام الماضي، كثفت إسرائيل من قصف مستودعات الأسلحة الإيرانية في الأراضي السورية، وازدادت الضغوط على إيران من خلال ضرباتها المتواصلة ضد الأهداف الإيرانية في سوريا، وهو ما أجبر طهران على تعديل خططها العسكرية في المنطقة. وفي الوقت نفسه، كانت إسرائيل تدمر الكثير من قدرات حزب الله العسكرية في لبنان، بما في ذلك قتل قادته العسكريين، على رأسهم حسن نصر الله.

استياء موسكو الصامت

من بين العوامل الأقل فهمًا في انهيار النظام كان استياء موسكو الصامت. يقول تابلي إنه على الرغم من الدعم الروسي العلني للأسد، إلا أن الكواليس كانت تشير إلى وجود حالة من الإحباط داخل القيادة الروسية بسبب تعنت الأسد ورفضه تقديم أي تنازلات سياسية كانت ضرورية لتثبيت ما استعادت روسيا وإيران من الأرض على طاولة المفاوضات.

وفي الوقت الذي كانت فيه موسكو تدعم الأسد في مواجهة المعارضة، كان النظام السوري يطالب بتنازلات من الدول الإقليمية مثل تركيا، وكان يضع شروطًا قاسية على الدول العربية بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، في محاولة للضغط على الولايات المتحدة لرفع العقوبات عن سوريا.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والسوري المخلوع بشار الأسد (وكالات)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والسوري المخلوع بشار الأسد (وكالات)

المرحلة القادمة في سوريا

ومع ذلك، فإن سيطرة جماعات مثل هيئة تحرير الشام والقوات المعارضة الأخرى على العاصمة دمشق، وبدء بعض الدول في المنطقة بالعودة إلى التواصل مع المسيطرين على سوريا الآن من أجل تسوية سياسية، أصبح من الضروري أن يعمل المجتمع الدولي على ضمان الالتزام بتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 لعام 2015.

ينص القرار على وقف إطلاق النار، وتشكيل حكومة انتقالية، وإجراء انتخابات حرة وعادلة. وهذا هو السبيل الوحيد الذي قد يؤدي إلى تحقيق نوع من الاستقرار السياسي في سوريا بعد عقود من الدكتاتورية والحروب الداخلية، وفق ما يراه تابلي الذي تولى منصب مستشار أول للممثل الخاص لسوريا في وزارة الخارجية الأمريكية من 2020 إلى 2021.

يضيف تابلي أن الوصول إلى حل سوري يقوده السوريون هو الفرصة الحقيقية لقطع علاقة إيران بمحور المقاومة بشكل نهائي. إذ لن ينسى الشعب السوري الدور الذي لعبته طهران في دعم نظام الأسد خلال سنوات القمع، وفي تحويل ثورة الشعب السوري إلى صراع دام أكثر من 14 عامًا.

وهو يرى أن إتمام هذا الحل قد يتيح للولايات المتحدة سحب قواتها من سوريا واستعادة جنودها إلى وطنهم، مع ضمان أن يكون لسوريا "مستقبل ديمقراطي" يستعيد فيه الشعب السوري حقوقه وحرياته.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة