الأربعاء, يناير 14, 2026
spot_img

بعيدًا عن الشعب السوري.. المستفيدون من انهيار نظام الأسد

بينما من حق أبناء سوريا الاحتفاء بسقوط نظام قتل منهم طوال سنوات تجاوزت الخمسين مئات الآلاف وهجر أعدادًا مماثلة، مدخلًا الاحتلال إلى بلاده مستعينًا بالروس والإيرانيين على شعبه، فإن هذا السقوط المفاجئ لنظام الأسد وبعيدًا عن الشعب السوري نفسه، قد يكون بداية تحول كبير في منطقة الشرق الأوسط، التي تنتظر مزيدًا من التحولات الجيوسياسية وإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية.

على الأرض، تسيطر مليشيات وجماعات متعددة، وهي تتصارع لحساب القوى الكبرى، فيما تتنافس تركيا، وإيران، وإسرائيل لفرض النفوذ.

وفقًا لتقارير دولية، يشكل هذا الانهيار (انهيار الأسد) فصلًا جديدًا في الصراعات الإقليمية، حيث تبرز تركيا كلاعب رئيسي، وتتراجع إيران تحت وطأة خسائرها، بينما تسعى إسرائيل ودول الخليج لاستغلال الوضع لإعادة ترتيب مصالحها الأمنية والسياسية.

شاحنة تسحب رأس التمثال المخلوع للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في شوارع مدينة حماة الواقعة في وسط غرب البلاد والتي تم الاستيلاء عليها في 6 ديسمبر 2024. - في ما يزيد قليلاً عن أسبوع، شهد الهجوم الذي شنته قوات المتمردين سوريا سقوط مدينة حلب الثانية وحماة ذات الموقع الاستراتيجي من سيطرة الرئيس بشار الأسد للمرة الأولى منذ بدء الحرب الأهلية في عام 2011. (تصوير محمد حاج قدور / وكالة فرانس برس)
شاحنة تسحب رأس التمثال المخلوع للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في شوارع مدينة حماة الواقعة في وسط غرب البلاد والتي تم الاستيلاء عليها في 6 ديسمبر 2024. – في ما يزيد قليلاً عن أسبوع، شهد الهجوم الذي شنته قوات المتمردين سوريا سقوط مدينة حلب الثانية وحماة ذات الموقع الاستراتيجي من سيطرة الرئيس بشار الأسد للمرة الأولى منذ بدء الحرب الأهلية في عام 2011. (تصوير محمد حاج قدور / وكالة فرانس برس)

وقد استغل الكيان الإسرائيلي الحالة الراهنة للسيطرة على الشريط الحدودي بريف دمشق، حتى وصل إلى المرتفعات وجبل الشيخ واقترب من دمشق بفارق 19 كلم، مخترقًا بذلك اتفاقية فك الاشتباك مع سوريا لعام 1974، التي صرح رئيس وزراء الكيان بنيامين نتنياهو بأنها “انهارت” مع استيلاء الفصائل على البلاد.

فتحت هذه الأحداث الكارثية التي شهدتها الأسابيع القليلة الماضية في لبنان وسوريا ــ من تدمير إسرائيل لحزب الله إلى سقوط نظام الأسد وتدمير إسرائيل لكل إمكانات الجيش السوري ــ فصلًا جديدًا في الشرق الأوسط.

سقوط الأسد وجدار برلين وإسرائيل

تصف مجلة “فورين بوليسي” سقوط نظام بشار الأسد في سوريا بأنه يشبه سقوط جدار برلين عام 1989، مؤكدة أن نهاية حكم عائلة الأسد الذي استمر 54 عامًا هو بمثابة زلزال سياسي إقليميًا، سيترك تأثيره لعقود.

وكما تميز عام 1989 بسلسلة من أحجار الدومينو المتساقطة في بولندا والمجر وألمانيا الشرقية وأماكن أخرى، فإن انهيار النظام السوري يشكل جزءًا من سلسلة أحداث مماثلة، بما في ذلك تدمير إسرائيل لحزب الله، وخسارة إيران لأهم محور للمقاومة، وإضعاف روسيا بسبب الحرب التي بدأت في أوكرانيا.

وتذكر المجلة أن هروب الأسد إلى موسكو يمثل نهاية لفكرة “المقاومة” المناهضة للغرب وإسرائيل في الشرق الأوسط، التي قادتها عائلة الأسد على مدى نصف قرن. فقد كان النظام السوري والإيراني يُشكّلان محورًا أساسيًا لهذا التوجه، واعتمدت إيران على سوريا كجسر يربطها بحزب الله، بينما عزز التحالف مكانة دمشق في مواجهة إسرائيل.

وتشير “فورين بوليسي” إلى أن الولايات المتحدة وحلفاءها، رغم عدم رضاهم عن المحور الإيراني السوري، تقبلوا بقاءه باعتباره أقل خطورة من سيناريوهات تغيير مفاجئة. إلا أن الانسحاب الأمريكي من المنطقة، خاصة في عهد إدارة أوباما، فتح الباب أمام روسيا للعب دور أكبر. واستغلت موسكو الحرب السورية لتعزيز وجودها العسكري الإقليمي، مما جعلها فاعلًا رئيسيًا في الشرق الأوسط.

إسرائيل دمرت قدرات الجيش السوري البرية والجوية والبحرية (الصورة متداولة لطائرة حربية مدمرة في مدرج استهدفته إسرائيل)
إسرائيل دمرت قدرات الجيش السوري البرية والجوية والبحرية (الصورة متداولة لطائرة حربية مدمرة في مدرج استهدفته إسرائيل)

تؤكد المجلة أن انهيار نظام الأسد تسبب في انقسامات داخل محور المقاومة، ما أدى إلى إضعاف إيران في دول مثل لبنان، والعراق، واليمن. وفي لبنان تحديدًا، فقد المحور شريان حياة مهم، ما ينبئ بتحولات واسعة في النظام الإقليمي.

وفي مقابل ذلك، فإن هذا السقوط يُمهد لهيمنة إسرائيل وشركائها على النظام الإقليمي الجديد. كما أن تراجع النفوذ الإيراني سيعزز خطط دول الخليج لتنفيذ رؤاها الاقتصادية وتوسيع علاقاتها مع إسرائيل في إطار مصالح سياسية وتجارية وأمنية مشتركة.

وبذلك، فإن انتهاء حكم الأسد قد يُنهي عقودًا من المواجهة الإقليمية، لتشهد المنطقة نهاية أيديولوجية المقاومة، وصعود نظام سياسي جديد أكثر براجماتية، ستكون إسرائيل أكثر المستفيدين منه.

تركيا.. المستفيد الأكبر الثاني من سقوط الأسد

لقد لعبت تركيا دورًا رئيسيًا في تغيير مجرى الحرب السورية، حيث قدمت دعمًا كبيرًا لقوى المعارضة المناهضة للنظام السوري، مثل “هيئة تحرير الشام”، مما ساهم بشكل كبير في نجاحاتها العسكرية.

ورغم أن تركيا فوجئت بسرعة انهيار نظام الأسد، إلا أن النتيجة كانت مقصودة، وقد أظهرت قدرة تركيا على فرض قوتها الإقليمية من خلال هذه الجماعات المسلحة، ما جعلها تحل محل روسيا وإيران باعتبارها القوة المهيمنة في سوريا.

السوريون المقيمون في تركيا يحملون صورة للرئيس التركي طيب أردوغان يحتفلون بسقوط بشار (وكالات)
السوريون المقيمون في تركيا يحملون صورة للرئيس التركي طيب أردوغان يحتفلون بسقوط بشار (وكالات)

إن توسع نفوذ تركيا في سوريا قد يمتد إلى لبنان والعراق في ظل تراجع الدور الإيراني في هذين البلدين بعد فقدانها لسوريا، وفق ما تقوله “فورين آفيرز“. وهذا التغيير في التوازن الإقليمي يمثل نكسة كبيرة لإيران، ولكن الأثر الأكبر قد يكون على القوى الإقليمية الأخرى التي من المحتمل أن تعدل سياساتها في مواجهة الواقع الجديد.

من وجهة نظر إيران، يمثل المكسب التركي في سوريا تهديدًا مباشرًا لطموحاتها الإقليمية. فقد كانت إيران تُعتبر القوة المهيمنة في مناطق الشرق الأوسط والقوقاز، ولكن دعم تركيا لأذربيجان، بما في ذلك استعادة جيب ناجورنو كاراباخ من أرمينيا في 2023، أضعف موقفها في تلك المناطق.

وإذا دعمت تركيا أذربيجان في تأكيد سيطرتها على طريق التجارة في زانجيزور الذي يربط أذربيجان وأرمينيا بتركيا، فقد تُقطع إيران تمامًا عن القوقاز، وهو ما يُعتبر إعادة تشكيل للهيمنة العثمانية في المنطقة التي كانت تتنافس عليها إيران في السابق.

إسرائيل أيضًا، رغم استفادتها من تراجع النفوذ الإيراني في سوريا، قد تجد نفسها أمام تحدٍ جديد في التعامل مع النفوذ التركي المتزايد في المنطقة. فقد تشكل الحكومة السورية الجديدة المدعومة من تركيا تحديًا كبيرًا لإسرائيل، حيث من المحتمل أن ترفض أي مطالب إسرائيلية بضم مرتفعات الجولان وتظل أكثر دعمًا للقضية الفلسطينية مقارنة بالنظام الإيراني. وهذا قد يعيد تشكيل العلاقات الإسرائيلية مع الدول المجاورة بشكل يعزز النفوذ التركي في المنطقة.

أما بالنسبة للدول العربية، فقد تثير المكاسب التركية في سوريا القلق، حيث يمكن أن تُعتبر عودة الإسلاميين إلى السلطة بمثابة امتداد للربيع العربي الذي اعتقدت هذه الدول أنها تمكنت من القضاء عليه. وقد دعمت تركيا حركات المعارضة السورية، بما في ذلك الفصائل الإسلامية، وقد أدت هذه الأحداث إلى توتر علاقات تركيا مع العديد من الدول العربية، التي كانت ترى في الإسلاميين تهديدًا لاستقرارها.

ومع ذلك، فإن المكاسب التركية الآن تعني أن سوريا قد تصبح مركزًا جديدًا للقوى الإسلامية في المنطقة، ما قد يعيد إحياء النقاش حول دور الإسلام السياسي في الحكم.

إن تعزيز النفوذ التركي في سوريا يفرض على القوى الإقليمية الأخرى إعادة تنظيم تحالفاتها وتحديث استراتيجياتها لمواجهة هذا الواقع الجديد. فحتى وإن كانت هيئة تحرير الشام تسيطر على مناطق هامة في سوريا، مثل الممر الشمالي الجنوبي من حلب إلى دمشق، فإن سيطرتها على بقية الأراضي السورية لا تزال محل تحدي، إذ توجد قوى إسلامية وقومية وكردية أخرى تعمل في سوريا، قد تجد دعمًا خارجيًا يعزز قدرتها على تحدي النظام التركي في المستقبل.

 

موضوعات ذات صلة