نظام الأسد.. ما نعرفه عن السقوط "فائق السرعة"

وصف الأحداث بأنها "مزلزلة" قد يبدو مبالغة في أي حدث آخر غير سقوط النظام في سوريا، الدولة التي تمثل نقطة التقاء خطوط التصدع الجيوسياسية في الشرق الأوسط، حسب وصف شبكة "سكاي نيوز" البريطانية، وقد انهار حكم عائلة الأسد الاستبدادي الذي حكم منذ أوائل السبعينيات، في 12 يومًا، وبشكل درامتيكي غير مسبوق وغير متوقع.

إرث عائلي استبدادي وانهيار فائق السرعة

بشار الأسد هو الجيل الثاني من عائلة استبدادية، سيطرت على سوريا لأكثر من خمسة عقود، ورث السلطة عن والده حافظ الأسد، الذي تولى الحكم عام 1971 بعد انقلاب عسكري، وأسس نفوذًا قويًا للأقلية العلوية في المناصب السياسية والعسكرية.

مقاتل معارض يخطو على صورة ممزقة للرئيس السوري بشار الأسد في حماة، بعد يوم من احتلال المتمردين على المدينة في 6 ديسمبر 2024. محمد الرفاعي / وكالة الصحافة الفرنسية / جيتي إيماجيس
مقاتل معارض يخطو على صورة ممزقة للرئيس السوري بشار الأسد في حماة، بعد يوم من احتلال المتمردين على المدينة في 6 ديسمبر 2024. محمد الرفاعي / وكالة الصحافة الفرنسية / جيتي إيماجيس

بداية، لم يكن بشار مُهيأ لخلافة والده، إذ درس طب العيون في لندن، لكن وفاة شقيقه الأكبر باسل عام 1994 دفعت به إلى الانخراط في الحياة العسكرية وتولي قيادة الجيش. ثم بعد وفاة والده في يونيو 2000، عدّل الدستور السوري لتخفيض السن القانونية للرئاسة من 40 إلى 34 عامًا، ما مهد الطريق لتوليه السلطة عقب انتخابات صورية.

رغم الآمال الغربية بأن يكون قائدًا إصلاحيًا، خيب الأسد التوقعات باستمراره في دعم الجماعات المسلحة مثل حزب الله وحماس. ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، واجه الاحتجاجات السلمية بالقمع الوحشي، مما أدى إلى تشكيل معارضة مسلحة.

استمرت الحرب لأكثر من عقد، مخلفة مئات الآلاف من القتلى، وأكثر من 7 ملايين نازح داخلي، وما يزيد عن 6 ملايين لاجئ دولي وفق تقديرات الأمم المتحدة. وتفاقم الوضع بتدخل دول كبرى، مثل الولايات المتحدة وتركيا والاتحاد الأوروبي، التي طالبت بتنحي الأسد. ومع ذلك، ورغم العقوبات الغربية والعزلة الدولية، صمد نظام الأسد بدعم روسيا وإيران، وواصل شن حملات عسكرية عنيفة ضد الفصائل. حتى تغير كل شيئ في لحظة.

كيف ولماذا سقط بشار الأسد؟

تصف هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" ما حدث لنظام بشار في الأيام الأخيرة بجملة "تخلى عنه حلفاؤه المنشغلون بشؤونهم الخاصة"، فدون مساعدتهم، لم تكن قوات بشار قادرة على إيقاف الفصائل المسلحة، بقيادة هيئة تحرير الشام الإسلامية.

بدايةً، استولت الفصائل بقيادة هيئة تحرير الشام على حلب، ثاني أكبر مدينة في البلاد، دون مقاومة تقريبًا. ثم حماة، وبعد أيام، عزل المحور الرئيسي للمعارضة دمشق. وفي غضون ساعات، دخلوا العاصمة، مقر سلطة الأسد، وأعلنوا إسقاطه في بيان بثه التلفزيون الرسمي. وهو ما تصفه بي بي سي بأنه نهاية ستعيد تشكيل ميزان القوى في المنطقة، التي فقدت فيها إيران نفوذ جديد، وتعرضت لضربة أخرى كبيرة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وبشار الأسد (وكالات)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وبشار الأسد (وكالات)

كانت سوريا في عهد الأسد جزءًا من العلاقة بين الإيرانيين وحزب الله، وكانت أساسية لنقل الأسلحة والذخيرة إلى الجماعة. ولكن الآن، ضعف حزب الله بشدة بعد حربه التي استمرت عامًا مع إسرائيل ومستقبله بات غير مؤكد، بينما تشتت إيران بضعف محورها في المنطقة.

في تحليل لتطور الأحداث في سوريا، نقلت شبكة "سي إن إن" الأمريكية، عن مصدر قالت إنه قريب من المخابرات الأمريكية، أن الفصائل في سوريا أحرزت تقدمًا لأن قوات النظام لم تبق إلى حد كبير في القتال، ولأن المناطق التي تقدمت فيها قوات المعارضة أكثر من غيرها - حلب وإدلب وحماة - لا يحظى النظام فيها بأي دعم شعبي، لذلك واجهت مقاومة أقل.

سقوط حلب وإدلب وحماة ثم حمص فتح الباب أمام الفصائل المعارضة إلى دمشق التي وصلتها بالفعل في الساعات الأولى من صباح اليوم الأحد. ومن هناك، أعلنت الفصائل أن العاصمة "محررة" بعد دخولهم المدينة وسط مقاومة هشة أيضًا من قوات النظام، بينما انتشرت أخبار هروب بشار الأسد من العاصمة، ليفقد قبضته التي استمرت عقودًا وبشكل نهائي.

وقال رئيس الوزراء محمد غازي الجلالي، في رسالة مسجلة صباح الأحد، إن الحكومة مستعدة "للتعاون مع أي قيادة يختارها الشعب"، بينما أعلنت الفصائل استمرار حكومة غازي في تسيير الأعمال حتى تسليم السلطة.

أين بشار الأسد؟

يبقى إلى الآن مصير الأسد مجهولًا، فمن غير الواضح إلى أين سيفر، وإن من المرجح أن يقدم له رعاته ملجأ في موسكو أو طهران، ويبقى أن نرى ما إذا كان المتمردون سيضعون نصب أعينهم اللاذقية، وهي جيب للطائفة العلوية التي ينتمي إليها الأسد، وفق "سي إن إن".

صورة ممزقة لبشار الأسد (وكالات)
صورة ممزقة لبشار الأسد (وكالات)

ماذا بعد بشار الأسد؟

تقول "سي إن إن" إن الولايات المتحدة في السنوات الأربع الماضية وحتى الآن اخطأت في تقدير قدرة الأنظمة على البقاء، حدث ذلك في أفغانستان - حيث رأت الاستخبارات الأمريكية أن الحكومة الأفغانية ستكون أكثر مرونة مما كانت عليه في نهاية المطاف - وفي أوكرانيا، التي اعتقدت الولايات المتحدة خطأ أنها ستسقط في أيدي روسيا في غضون أيام من غزو موسكو. ونتيجة لذلك، أطلقت المخابرات الأمريكية في عام 2022 مراجعة لكيفية تقييمها لـ "إرادة القتال" للجيوش الأجنبية.

يوم السبت، قال مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض، جيك سوليفان، إن الولايات المتحدة "لن تغوص" في الحرب الأهلية في سوريا لكنها "ستتخذ خطوات" لمنع أي عودة محتملة لداعش. "ما سنفعله هو التركيز على أولويات ومصالح الأمن القومي الأمريكي"؛ قال سوليفان في منتدى ريجان للدفاع الوطني في سيمي فالي بكاليفورنيا.

"لدينا مخاوف حقيقية بشأن أهداف تلك المنظمة"؛ قال سوليفان لـ"سي إن إن" نهاية الأسبوع الماضي. وأضاف: "في الوقت نفسه، بالطبع، نحن لا نبكي على حقيقة أن حكومة الأسد، المدعومة من روسيا وإيران وحزب الله، تواجه أنواعًا معينة من الضغوط".

ولم تبد كذلك إيران وروسيا أي مؤشرات على إنقاذ الأسد، بطريقة من شأنها أن تحدث فرقًا. وهو ما بررته "سي إن إن" بأن روسيا غارقة في حربها في أوكرانيا، بينما ضعفت إيران بشكل كبير بعد الضربات الإسرائيلية الأخيرة على دفاعاتها الجوية وتدمير وكلائها الإقليميين حماس وحزب الله.

يقول أحد المسؤولين الأمريكيين، وتنقل عنه "سي إن إن"، إن هيئة تحرير الشام استغلت على ما يبدو حقيقة أن حلفاء الأسد كانوا جميعا مشتتين – وأن العالم لم يكن يولي اهتمامًا كبيرًا لسوريا – عندما أطلقت عمليتها. ويضيف أحد المسؤولين الآخرين إن البنتاجون، الذي لديه نحو 900 جندي في سوريا، لا يخطط لتغيير وضع قوته في البلاد وينتظر ليرى ما سيحدث مع اتخاذ إجراءات إضافية لحماية القوات.

مقاتلون من هيئة تحرير الشام يتحركون نحو حلب في مركبات عسكرية (الفرنسية)
مقاتلون من هيئة تحرير الشام يتحركون نحو حلب في مركبات عسكرية (الفرنسية)

ولطالما دخلت الولايات المتحدة في شراكة مع قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد في عمليات مكافحة داعش في سوريا. وقد حافظ قوات سوريا الديمقراطية على اتصال مع جماعة الثوار المعروفة باسم هيئة تحرير الشام، ومن ثم فإنه بشكل ما كان هناك صمت أمريكي على ما يحدث في سوريا.

أيضًا، لا يبدو أن هيئة تحرير الشام تحظى بدعم علني من تركيا خصم الأسد في سوريا، لكن المسؤولين الأمريكيين يعتقدون أن تركيا أعطت الفصائل الضوء الأخضر لإطلاق عمليتها.

يأتي السقوط المحتمل للنظام في سوريا في وقت حرج في الولايات المتحدة، حيث يستعد الرئيس جو بايدن لتسليم السلطة إلى الرئيس المنتخب دونالد ترامب، الذي دعا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، السبت، يدعو الولايات المتحدة إلى البقاء بعيدًا عن أي تغيير محتمل للنظام في سوريا والسماح للصراع بالتكشف.

كتب ترامب عبر "سوشيال تروث": "سوريا في حالة من الفوضى، لكنها ليست صديقنا"، وحث على اتباع نهج عدم التدخل واختتم بالرسالة: "دعهم يلعبون. لا تتورط!".

وقد حذر السناتور ليندسي جراهام، حليف ترامب، يوم الجمعة على وسائل التواصل الاجتماعي، من أن الحكومة الأمريكية بحاجة إلى ضمان عدم إطلاق سراح سجناء داعش المحتجزين في شمال شرق سوريا، وأن تحصل القوات الأمريكية في البلاد على الدعم الذي تحتاجه. وأضاف "أخشى أن تتعرض القوات الأمريكية للخطر. لذلك من الضروري أن تكون لدينا خطط طوارئ لتعزيز قواتنا للتأكد من عدم انهيار المهمة المناهضة لداعش".

 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة