دخلت كوريا الجنوبية في مواجهة عنيفة كادت تهدد استقرار البلاد، بعد إعلان الرئيس يون سوك يول الأحكام العرفية، مساء الثلاثاء، في خطوة دراماتيكية وغير متوقعة، أثارت أخطر أزمة للديمقراطية منذ الثمانينيات، قبل أن تتصدى الجمعية الوطنية (البرلمان)، الذي تسيطر عليه المعارضة، لهذا القرار بدعم من مواطنين استجابوا لدعوات حماية البرلمان من محاولة اقتحام نفذتها قوات إنفاذ الأحكام العرفية.
خطاب رئاسي يشعل الفوضى
أثار خطاب الرئيس "يون" حالة من الفوضى في العاصمة سيول، حيث اشتبكت حشود غاضبة من المواطنين مع شرطة مكافحة الشغب والقوات الأمنية خارج البرلمان. وأعلنت القوات المسلحة أن الأحكام العرفية تتضمن تعليق عمل البرلمان والتجمعات السياسية المسببة "للارتباك الاجتماعي"، مع السماح باعتقال أي شخص ينتهك اللوائح دون مذكرة قضائية.
قال "يون": "سأحمي جمهورية كوريا الحرة من تهديد القوات الشيوعية الكورية الشمالية، وأقضي على القوى المناهضة للدولة المؤيدة لكوريا الشمالية التي تسرق سعادة شعبنا، وسأعيد بناء النظام الدستوري". وأضاف: "المعارضة شلت الحكومة لتحقيق مصالحها الخاصة، عبر المساءلات والتحقيقات وحماية زعيمها من العدالة. بهذا القانون العرفي، سأعيد بناء وحماية جمهورية كوريا الحرة من الخراب الوطني".
على إثر ذلك، اندلعت احتجاجات واسعة في العاصمة، حيث سار المواطنون المستاؤون نحو مبنى البرلمان، واستمرت التظاهرات حتى ساعات الليل. وأظهرت صور صادمة اشتباكات بين المتظاهرين وقوات مكافحة الشغب، بينما تم نشر طائرات هليكوبتر عسكرية فوق البرلمان، وفقًا لتقرير "ديلي ميل".
ووثّقت الكاميرات لحظة هبوط الطائرات المروحية على سطح مبنى البرلمان، حيث نزل الجنود المسلحون وبدأوا في تأمين الموقع. أظهرت لقطات أخرى جنودًا مدججين بالسلاح يتجولون داخل ممرات الجمعية الوطنية، في حين حاول مساعدو البرلمان التصدي لهم باستخدام طفايات الحريق.
داخل البرلمان، صوّت النواب بالإجماع على حظر الأحكام العرفية التي أعلنها الرئيس، في جلسة طارئة عقدها 190 مشرعًا. وأعلن رئيس البرلمان أن القرار غير صالح، مما اضطر الرئيس إلى إعلان رفع الأحكام العرفية بعد التصويت، وفقًا لوكالة "يونهاب" الإخبارية.
تراجع تحت ضغط الاحتجاجات
رغم تصويت البرلمان، أعلنت وزارة الدفاع أنها ستواصل فرض الأحكام العرفية حتى صدور أمر رسمي من الرئيس، مما خلق حالة من الجمود بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
ينص القانون الكوري الجنوبي على أن الرئيس يجب أن يمتثل لقرار البرلمان بوقف الأحكام العرفية، لكن دون تحديد إطار زمني لذلك. وفي هذا الإطار، صرح بارك أن-سو، رئيس أركان الجيش، أن "الإضرابات وتوقفات العمل والتجمعات المحرضة على الاضطرابات الاجتماعية محظورة". كما أشار إلى أن القانون العرفي يمنح السلطات العسكرية صلاحيات واسعة، منها اعتقال الأفراد دون مذكرة ووضع وسائل الإعلام تحت سيطرة الجيش، بحسب تقرير للجارديان.

ووسط هذه التطورات، استمرت الاحتجاجات الشعبية في شوارع سيول، ورفض المجتمع الكوري الامتثال للقوانين المفروضة. بينما غطت وسائل الإعلام المحلية الأحداث بشكل مكثف، ودعت النقابات العمالية إلى اجتماعات طارئة لمناقشة الإضراب. وقال لي جاي-ميونغ، زعيم الحزب الديمقراطي صاحب الأغلبية البرلمانية: "الدبابات والجنود سيحكمون البلاد، مما سيؤدي إلى انهيار اقتصاد جمهورية كوريا بشكل لا يمكن إصلاحه. لن نسمح بذلك".
وتحت وقع هذا التصعيد والتفاف المواطنين حول المعارضة، اضطر الرئيس أخيرًا للاستجابة برفع قراره، مستجيبًا للبرلمان، ولضغوط دولية، ربما كان ابرز الولايات المتحدة والرئيس جو بايدن المعروف بعلاقته القوية بـ يون، والذي صرح الثلاثاء، بأن على اطلاع بما يجري في كوريا الجنوبية، في وقت أبدى البيت الأبيض "قلقًا" الأزمة، وحذر خبراء من أن الفوضى بكوريا الجنوبية تترك مساحة التدخل كبيرة للجارة الشمالية.
وضع يون السياسي
منذ توليه منصبه في مايو 2022، واجه الرئيس يون سوك يول تحديات سياسية كبيرة، أبرزها الصراع مع برلمان تسيطر عليه المعارضة، ما أثار تكهنات بأن إعلان الأحكام العرفية كان محاولة لتعزيز سلطته في مواجهة المعارضة القوية.

قبل أزمته الاخيرة، تعرض يون لانخفاض في شعبيته بسبب فضائح متعددة تتعلق بمقربين منه. اتهمت المعارضة السيدة الأولى بقبول حقيبة "ديور" كرشوة والتلاعب بالأسهم، ما أدى إلى ضغوط كبيرة لإجراء تحقيقات أوسع. وخلال الشهر الماضي، اضطر للاعتذار علنًا وأعلن عن إنشاء مكتب للإشراف على أنشطة السيدة الأولى، لكنه رفض الدعوات لتحقيق شامل، مما زاد من حدة التوتر مع المعارضة.
عُرف عن يون تصنيفه خصومه السياسيين كـ"قوى معادية للدولة"، وتوسيع نطاق دعاوى التشهير ضد الصحافة. بينما اصطدم -في أكثر من مناسبة- بالحزب الديمقراطي الليبرالي حول ميزانية العام المقبل، التي تضمنت تخفيضات بقيمة 4 تريليونات وون كوري (حوالي 2.2 مليار جنيه إسترليني)، وسط جدل حول تأثير ذلك على وظائف الحكومة الأساسية.
يقول جون نيلسون-رايت، رئيس برنامج اليابان وكوريا في جامعة كامبريدج، إن تصرفات يون لا تعكس حنينًا إلى القيادة الاستبدادية بقدر ما تعكس شخصيته ونهجه السياسي. ويضيف: "كان الزخم السياسي يتلاشى من يون، وربما دفعه ذلك إلى اتخاذ هذا القرار المتهور والخاطئ بشدة، والذي قد ينقلب عليه".
وتثير التطورات الأخيرة تساؤلات حول قدرة يون على الحفاظ على موقعه السياسي وسط الأزمات المتلاحقة.
تحركات لعزل الرئيس
عقب الدوء النسبي في الشارع مع تراجع الرئيس عن قرار فرض الأحكام العرفية، دعت مجموعات مدنية ونقابية إلى تنظيم مسيرات احتجاجية أو تجمعات بالشموع في جميع أنحاء البلاد، بدءًا من اليوم الأربعاء، للمطالبة باستقالة يون سيوك-يول.

وذكرت وكالة "يونهاب" أن مدينة جوانججو بجنوب غرب البلاد تستعد لاحتجاجات سينظمها نحو ألف مواطن ضد الرئيس يون. وفي مدينتي دايجو وبوهانج بجنوب شرق البلاد، عقد نشطاء مدنيون ونقابيون مؤتمرات صحفية صباح اليوم للمطالبة باستقالة الرئيس يون، وخططوا لتنظيم تجمعات مشابهة في فترة ما بعد الظهر. ونددوا بإعلان الرئيس للأحكام العرفية، واصفين إياه بأنه تمرد يشمل الجيش والشرطة.
وفي بوسان، أعلن نشطاء مدنيون عن تنظيم مسيرة ضد الرئيس يون يوميًا بدءًا من ظهر الأربعاء وحتى أوائل الأسبوع المقبل. ومن المقرر أن تبدأ مسيرة مشابهة في مدينة أولسان القريبة في الساعة السادسة مساء الأربعاء. وكذلك تستعد مدينة تشونتشيون بإقليم جانجوون وجزيرة جيجو الجنوبية لمسيرات بالشموع في الساعة السابعة مساء في نفس اليوم.

وتقدمت أحزاب المعارضة في كوريا الجنوبية اليوم بمقترح لعزل الرئيس يون سوك يول، وذلك بعد يوم من تصويت البرلمان على إيقاف الأحكام العرفية التي أعلنها الرئيس بشكل مفاجئ.
وقُدم المقترح إلى مكتب التشريعات في الجمعية الوطنية عند الساعة 2:43 مساءً. وتخطط المعارضة لطرحه للتصويت خلال جلسة عامة يوم الخميس، مع تصويت متوقع يوم الجمعة أو السبت.
ويحتاج الاقتراح إلى موافقة ثلثي أعضاء الجمعية الوطنية، أي ما يعادل 200 صوت من أصل 300، مما يعني أن المعارضة بحاجة إلى ثمانية أصوات من الحزب الحاكم لتمريره.
وإلى جانب عزل الرئيس، قدمت المعارضة اقتراحًا آخر لعزل وزير الدفاع كيم يونج هيون، بسبب ما وصفته بالفشل الذريع في إدارة أزمة الأحكام العرفية. كما أعلنت عن نيتها رفع دعوى ضد الرئيس ووزيري الدفاع والداخلية بتهمة الخيانة.
وفي تطور لافت، قدم عدد من كبار مساعدي الرئيس استقالاتهم بشكل جماعي، ومن بينهم: رئيس السكرتارية الرئاسية جونج جين سوك - مستشار الأمن الوطني شين وون سيك - كبير المساعدين الرئاسيين للسياسات سيونج تيه يون.
وذكرت مصادر أن رئيس الوزراء هان دوك سو وعدد من كبار المسؤولين في الحزب الحاكم اجتمعوا مع الرئيس في المكتب الرئاسي مساء الأربعاء، وسط تكهنات بشأن كيفية التعامل مع الأزمة. كما أعلن المكتب الرئاسي تأجيل اجتماع كان من المقرر عقده صباح الأربعاء حول مكافحة المخدرات، وهو أول نشاط للرئيس منذ إعلان الأحكام العرفية.
