تصيح معلمة في وجه طالبة تضحك بصوت عالٍ. تنفر عروق سائق سيارة أجرة لرؤيته شاب يحتضن صديقته. تُحيل تنورة فتاة جامعية الشارع والمجتمع إلى كتلة نار على استعداد لحرق جميع الجونلات القصيرة قبل أن ترتديها أخريات.ثم تنذرنا طبيبة النساء والتوليد وسام شعيب، عن حالات تستقبلها داخل عيادتها تحمل مشاكل أخلاقية تُهدد مستقبل الفتيات، والأزواج، والأسر، وربما زائري جبال الألب السويسرية، وكواكب المجرة مجتمعة.
جميع النماذج المذكورة أعلاه لدى أصحابها قناعات مختلفة، لكنهم يتفقون في “الانزعاج” من سلوك شخص ما، وكأن لا وجود لآخرين سواهم، أو أن وجود آخرين يعني تهديد بقائهم.
حكاية وسام شعيب من البداية..
طبيبة أمراض نساء وتوليد، صار اسمها حديث الساعات الماضية، بعد نشرها فيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تتحدث فيه عن تزايد حالات الحمل غير الشرعي، والأطفال مجهولي النسب، ضمن مرضاها التي تستقبلهم في العيادة.
في الفيديو، تُشير الدكتورة إلى سيدة تُؤجر شابًا لكتابة الجنين باسمه بعد الولادة، وأخرى تخون زوجها مع شاب صغير، تم حبسها بعد ضبطها متلبسة في علاقتها غير الشرعية.
على نهج سائق التاكسي، والمعلمة، والمجتمع المنزعج من التنورة؛ عرّفت الطبيبة وسام الفيديو مثار الجدل بـ”لايف صدق أو لا تصدق”، وقالت: “أنا شخصيًا مكنتش مصدقة، كنت حاسة إن أنا في مسلسل عربي هابط، في فيلم من أفلام السبكي.. أكيد أنا بحلم”، ثم بدأت بسرد حكايات المترددات على عيادتها، كاشفةً في تتبعها كل قصة أن ورائها كذبة.
يمكن تلخيص ما قالته الطبيبة الشابة في عناوين: حمل سِفاح من أقارب، تزويج قاصرات، علاقات خارج إطار الزواج.. كلها أمور تحدث وستحدث كل يوم في كل المجتمعات باختلاف طبقاتها وظروفها المادية والاجتماعية، أمور يعرفها أصغر محامي/ة أو صحفي/ة أو باحث/ة اجتماعي/ة، أو أي فئة تحتك بشكل مباشر مع المجتمع وتتلامس مع تعقيداته.
من المفترض أن يؤدي الاقتراب من هذه المشكلات إلى التفهم وأن يكون المرء أكثر تعاطفًا مع الآخرين، وأكثر وعيًا بتنويعات أنماط البشر، وما يتبع تلك التنويعات من تشابكات يصعب الحكم عليها بالصواب أو الخطأ المطلقين؛ فما يعد بديهيًا لدى من نشأ في بيئة سوية تكونت من أب/ أم/ إخوة/ أسرة داعمة تدفع للنجاح والتحقق، يكون محض هذيان بالنسبة إلى فرد تربى مع أب يعنف ويدمر أبناؤه نفسيًا، أو بالنسبة لفتاة تنفتح عليها أبواب الجحيم إذا ما اعترفت لأمها/ أبيها بمشاعر حب لشاب ما، هذا بخلاف آباء يعتدون على بناتهم جنسيًا أو بدنيًا، أو على أقل تقدير يلقون باللوم على الفتاة إذا تعرضت للتحرش، ويزيد اللوم والتكذيب إذا كان المعتدي أحد الأقارب أو رجل ذو سطوة دينية أو اجتماعية..
استيعاب كل هذا اللغو لا يحتاج أكثر من نصف ساعة مطالعة لجريدة بشكل يومي، أو تتبع تقارير من إحدى المؤسسات المعنية بأطفال الشوارع والمجتمعات الفقيرة.
“بلوت تويست” طبيبة النساء
للوهلة الأولى من سماع فيديو الطبيبة وسام تصورت أنها ستتحدث عن صاحبات تلك الإشكاليات من باب العطف والشفقة على مريضاتها، وكيف يمكننا البحث عن حلول أكثر بشرية ورحمة تتناسب مع كل حالة، خاصة وأن الحكايات تجتمع فيها ثالوث الفقر والجهل وانعدام الإرادة، سواء في قصة الفتاة الصغيرة، أو تأزمات أخرى لا نعرف عنها شيئًا سوى ما روته وسام، إلا أن الطبيبة على طريقة “البلوت تويست” أو ما يعرف بـ”الحبكة الملتوية” التي تقدم تغييرًا جذريَا في مسار القصة، أصدرت أحكامًا أخلاقية على مريضاتها، وزادت، بالفخر بعدم تعاطفها نهائيًا مع والدة الابنة القاصر الحامل في شهرها الثامن، غير مبالية بفقدان وعيها “الأم” وسقوطها في ممر المستشفى والتفاف الناس حولها، قالت: “متعاطفتش مع الست ببصلة لأن دي تربية إيدك، ونتاج حصاد اللي انتِ عملتيه السنين اللي فاتت.. روحت وكنت متضايقة”.
لكن البلوت تويست الأعنف كان في تفسير الطبيية لما اعتبرته غرائبي وغير مفهوم، بأنه نتاج الأحاديث عن حقوق المرأة “المشاكل بدأت من وقت ما قولنا الست مش ملزمة”، وبسبب التربية الإيجابية، وخروج الفتيات في رحلات مع أصدقائها، لتقترح في النهاية خطابات بديلة عن بقاء “الست المحترمة” في بيتها لتربية أبنائها، “كل واحد عنده بنت بقى كأنه ماسك حتة من النار مش عارف بنته هتجيب له الفضيحة امتى”، ثم تختتم بسؤال حول عقاب النساء: “ليه الناس دي مبتتجلدش ولا تترجم زي ما الشريعة الإسلامية”.. قالت.
في ذات الوقت الذي لم تلزم هي بيتها بل تقود سيارتها، وتمارس مهنتها بمخالطة الرجال، وتتمتع بكافة الحقوق التي ناضلت لأجلها نساء أخريات، نساء تراهن الدكتورة الآن.. سبب مشكلات المجتمع.
صورة وهمية عن الأخلاق
التعليقات الأولى الواردة على الفيديو -وتُقدر بالآلاف- كانت لصالح الطبيبة، يقترح بعضها إعداد المزيد من الفيديوهات التوعوية للفتيات والأسر، ويشكر أصحابها دور الطبيبة في تسليط الضوء على ظاهرة اجتماعية تتنامى بشكل مقلق.
قد يكون هذا مفهومًا في إطار سلوك سائد “ينزعج” أصحابه من فتاة تضحك بصوت عالٍ، أو يثير قلقهم أن يعيش المرء بقدر من الحرية، أو أن يرتدي آخر ما يحلو له؛ سلوك بدائي أقرب للقبيلة المنغلقة على ذاتها، يرفض سكانها البحث عن حل لأي مشكلة اجتماعية، فإما يحتمون من مواجهتها بالإنكار، أو يلقون باللوم على ضحاياها خوفًا من خروج أحدهم عن الخط المرسوم لكل فرد مسبقًا فيهدد استقرارهم المزعوم.
وجدت “وسائل الإعلام” الفيديو تحذيرًا ويحتوي على فكرة مقبولة، فخرجت عناوين من نوعية: “دكتورة نساء وتوليد تحذر: تزايد عدد الولادة لأطفال غير شرعيين.. خلي بالكم من بناتكم”، “احكي يا شهرزاد.. قصص مخيفة لـ”طبيبة نسا” عن شراء النسب وحمل السِفاح”.. حتى أن الطبيبة احتفت على صفحتها بهذه العناوين، واعتبرتها انتصارًا لفكرتها.
محاولات الإعلام لتحسين الصورة لم تكن مقبولة، كونها تنساق إلى قواعد قبلية، راحت ترحب هي الأخرى بنمط السلوكيات الاستعلائية المنزعجة من حياة نساء كان من الممكن أن تكون الطبيبة مكان واحدة منهن لولا الصدفة البحتة التي وضعتها في بيئة وأسرة حُرمت منها أخريات.
مرة أخرى، هذا الترحيب بما قالته الطبيبة مفهوم في إطار كراهية القطاع الأكبر من المجتمع للنساء، واعتبار أزماتهن عبئًا يتم حله بمزيد من العنف وقيود تُجرد النساء من أي حق أو حريات، كراهية لها تفاصيل متجذرة ومروعة نوهت إليها الدكتورة آية البحقيري، المتخصصة في الاستشارات المتعلقة بالصحة الزوجية / الجنسية.
في منشور لها قالت فيه: “فيديو الدكتورة بيكشف حقيقة مفزعة في الوسط الطبي أنه لا كرامة للنساء خاصة فيما يخص أعضائهم التناسلية والإنجابية، طب النساء والتوليد في مصر لا يحترم النساء غالبًا وكثير من الدكاترة بيهينوا مريضاتهم وبيحكموا عليهم بشكل أو بآخر، كتير بنات بتخاف تروح تكشف نسا وتتحمل تعاني المرض والألم والمضاعفات خوفًا من حكم الطبيب أو الطبيبة.. وفيه منهم اللي بيتطوع ويعمل كشوفات عذرية بدون ما يتطلب منهم ويقعدوا يحققوا مع الست في سلوكها الجنسي”.
منشور الدكتورة آية، يذكرني بموقف لصديقة ترددت على عيادة كبيرة لطب النساء للكشف عن آلام زائدة صاحبت دورتها الشهرية، فما كان من الممرضة والطبيب إلا تعنيفها والاستهانة بآلامها والسخرية من تبعاته.
هذا أيضًا أشارت إليه البحقيري فكتبت تقول: “..الستات بتتهان بمختلف الطرق في أعز لحظات ضعفهم، بيتم السخرية منهم، تعنيفهم، كشف عوراتهم ع الملأ، ضربهم وهم بيولدوا.. الجهل الشديد بتعقيدات واقع النساء وكراهيتهم والغل ناحيتهم والذكورية المترسخة في مجتمعنا تتجمع في ممارسات شديدة القبح والإجرام في طب النساء في مصر”.
المنطق وإشكالية التمايز الأخلاقي
اقترحت الطبيبة على الرجال إجراء تحليل “دي إن إيه” لإثبات نسب أطفاله، فما يحدث من النساء كما ذكرت: “متعرفش مين نايمة في حضن مين” ليدفع مقترحها هذا الرجال إلى التشكك في نسب أبنائهم؛ ورغم كونها امرأة إلا أن عقوباتها وأحكامها لم تمس الرجال..
الرجل غائب لم يحضر معنا هذا اليوم، هو ليس جزءًا من المشكلة من الأساس في عُرف الطبيبة التي عادت بنا إلى حكايات ميثولوجيا المرأة الشيطانة المُحركة للأحداث، والمغوية اللعوب، والواقع عليها سخط جميع الآلهة.
بالعودة لهذا الخط الأخلاقي، كان منطقيًا أن تتناول شريحة أخرى من المجتمع حكاية “طبيبة كفر الدوار” بنفس المبدأ، جاءت تعليقات تُعلي على استعلائها الأخلاقي، وتُطالبها بالتزام بيتها لتكون متسقة مع ما تقوله، ثم دعت تعليقات أخرى زوجها لإجراء تحليل دي إن إيه للتأكد من نسب أبنائه.
إلى أن دخل الإعلامي عمرو أديب على الخط وهاجمها عبر برنامجه “الحكاية” قائلًا: “دي مصر، ودول ستات مصر، هو انتي مصرية؟ إزاي دكتورة؟ فين القسم؟ فين النخوة؟ فين الوطنية؟ فين الإسلام؟ فين الستر؟ اوعوا تأخذكم بها أي رحمة، لو محدش ناوي يلاحقها إلى النهاية أنا هلاحقها إلى النهاية، بتعمل إعلان على جسد المصريات!”.
الإشكالية هنا رغم وصول الأمر إلى ذروته بالقبض على الطبيبة، بعد تلقي النقابة العامة للأطباء شكاوى ضد الطبيبة، تتهمها بنشر فيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي يتضمن تشهيرًا بالمرضى، واستخدام ألفاظ لا تليق، تمثل اعتداءً على المبادئ والقيم الأسرية في المجتمع المصري، تلاها تأكيد النقابة إحالة الشكاوى إلى لجنة آداب المهنة للتحقيق -ورغم هذا- تناول الجميع ما فعلته الطبيبة من نفس الحفرة الأخلاقية التي سبق وحفرتها لنساء أخريات.
فبدلًا من توجيه الحديث لكيفية تغيير هذه الأفكار الاستعلائية، وتعليم الأطباء والفئات التي تتعامل مع المجتمع فلسفة علوم الاجتماع، وتهذيب قناعاتهم حتى تنمو لديهم مشاعر الإيثار والتعاطف مع أشخاص لا يشبهونهم، وألا يكون لديهم أحكامًا مسبقة من الأساس تجاه أحد، كي لا يعيق عملهم الذي أقسموا على توجيهه للكل دون النظر لمعتقدهم، وخلفياتهم الدينية أو الثقافية أو الاجتماعية، أو حتى أخطائهم البشرية، بدلًا من ذلك -مارس الجميع استعلاءً آخر بتضييق الخناق على الموضوع كونه لا يشبه قيم المجتمع- التي هي في الأساس لا تتشابه ولا يوجد مسطرة لقياسها.
بشكل ما تناولت كتب الفيلسوف النمساوي، كورت باير مشكلة أسماها “التمايز الأخلاقي”، وبعكس ما هو سائد في مجتمعاتنا بكون الحديث الأخلاقي أمر جذاب، اعتبر “باير” أن “الحديث الأخلاقي غالبًا ما يكون مثيرًا للاشمئزاز”، متسائلًا: “من الذي قد يستمتع بمثل هذا الحديث إذا ما وجّهنا الاتهامات الأخلاقية، أو عبرنا عن السخط الأخلاقي، أو أصدرنا أحكامًا أخلاقية ضد أحد، أو وزعنا اللوم، أو وجّهنا التوبيخ الأخلاقي، أو تبريرنا لأنفسنا، أو قبل كل شيء، الوعظ الأخلاقي؟”.
قراءة باير النمساوي تبدو أقرب لواقعنا عمن تصدروا القراءة من واقعنا، فالخطاب الأخلاقي أو التمايز الأخلاقي يوقعنا في أفخاخ لن ينجو منها أحد، يبدأها سائق الأجرة المنزعج من يد الشاب الملتفة على رقبة صديقته، وتنهيها بيانات النقابات التي تظن أن الإشكالية المساس بقيم المجتمع، وبين هذا وذاك طبيبة تطلق أحكامًا أخلاقية على نساء لا تعرف هل كانت ستعيش مثلهن إن تبدلت الأدوار والمواقع أم لا.
