انتصارًا للحريات أم قيود جديدة؟

ملاحظات عديدة أثيرت حول قانون الإجراءات الجنائية الجديد الذي يفترض أن يناقشه مجلس النواب في الفترة الحالية، والبعض يخشى من أن يصبح قانون الإجراءات الجنائية استمرار لسياسة تكديس السجون بالمزيد من الأفراد، سواء في القضايا السياسية أو الجنائية، وهو هاجس مبرر بالطبع بعد ممارسات عملية امتدّت لعقود طويلة، وليس سرّا بأن هناك أيضًا أزمة ثقة موجودة بين السلطة والمجموعات المعارضة منذ سنوات طويلة.

على الرغم من تقليص فترة الحبس الاحتياطي -شكليًا- في القانون الجديد، فإن طريقة تنفيذه المتعارف عليها تُحوّله إلى عقوبة لا نهاية واضحة لها.

وبدلاً من كونه إجراءً احترازيًا، أصبح يُستخدم كأداة ضغط، حيث تتحول فترات الاحتجاز إلى عقوبات طويلة المدى، والتخوف من عيوب التطبيق له وجاهته، فلا يمكن فصل التطبيق التعسفي المعتاد والمتعارف عليه عن جوهر صياغة القانون الجديد، فالممارسات الفعلية وضحت كيف يتم استخدام العبارات والصياغات المطاطة من أجل إفراغ النص من مضمونه.

المؤيدون يقدمون مبررات غير مقنعة، يزعمون أن قانون الإجراءات الجنائية المعدل سيقدم خطوات إيجابية نحو حقوق الإنسان والحريات، أو أنه انتصار لقيم العدالة، أو أنه تنفيذ لتوصيات الحوار الوطني،

لكننا نجد هنا تناقض واضح، فهذا القانون يأتي بمشكلات جديدة تثير القلق حول مصداقية تلك الوعود التي قيلت في فترة الحوار الوطني، بل إن الإصرار على إصدار القانون رغم كل تلك الاعتراضات تؤدي إلى ضرب مصداقية وجدوى الحوار الوطني في حد ذاته، فهل يعكس هذا القانون المرتقب بالفعل تحولًا نحو الحرية أم أنه مجرد إجراءات شكلية لا تغير من الواقع شيئًا؟

في هذا السياق، يتذكر البعض التعديلات الدستورية التي حدثت في مصر عام 2005 ثم في 2007، عندما حاولت الحكومة الترويج لها كخطوات نحو الديمقراطية، لكن الشروط غير المتكافئة وإجراءات الترشح المشددة، جعلتها بعيدة عن تحقيق الحرية والديمقراطية الحقيقية.

بل كانت التعديلات الدستورية المقترحة وقتها مجرد التفاف على مطالب التحول الديمقراطي ومحاولة لتنظيم انتخابات تعددية شكلية لكن في جوهر الأمر كانت تعزز سلطة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك ثم وريثه جمال مبارك بعد ذلك، ويبدو أن التاريخ يعيد نفسه مجددًا مع اختلاف التفاصيل.

أبرز التحفظات على القانون الجديد

هناك العديد من الملاحظات والتحفظات التي تم الكتابة عنها منذ ظهور المسودة الأولى، منها على سبيل المثال التوسع في منح سلطات لمأموري الضبط القضائي، ووضع قيود على استحقاقات تعويض الحبس الاحتياطي، بالإضافة لبنود حماية الشهود، التي لا تستثني منه مأموري الضبط من هذا البند فيمكن أن يتسبب ذلك في تجهيل الشهود وعدم مواجهتهم أو تفنيد ادعاءاتهم وبيان ثغراتها، ومنح النيابة حق التسجيل والمراقبة الهاتفية بدون حد زمني أقصى.

نقيب الصحفيين خالد البلشي متحدثاً في جلسة من جلسات رفض مشروع قانون الاجراءات الجنائية - خاص فكر تاني
نقيب الصحفيين خالد البلشي متحدثاً في جلسة من جلسات رفض مشروع قانون الاجراءات الجنائية - خاص فكر تاني

وطبقا لتصريحات ومساهمات عدد كبير من الحقوقيين والقانونيين، فإن المشروع المقدم يمنح النيابة العامة سلطات عديدة كانت تعد في القانون السابق استثناءًا يمكن الطعن عليه، مثل إمكانية منع اتصال المحبوس احتياطيا بغيره من المحبوسين، أو منع الزيارة عنه طوال مدة حبسه، ولم يتح المشروع للمتهم ودفاعه أي وسيلة للطعن على قرار المنع أو مدته.

بالإضافة لنزع العديد من الضوابط التي كان القانون السابق يتيحها مثل عدم وجود نص يلزم النيابة بتمكين المحامي من الاطلاع على التحقيقات قبل الاستجواب، أو إمكانية حرمان المحامي من سماع شهود الإثبات ومناقشتهم، وإمكانية حبس المحامي تحت زعم عدم الامتثال لأوامر المحكمة أو الإخلال بنظام الجلسة.

لا تتسع المساحة للاستفاضة في الاعتراضات الحقوقية وأراء القانونيين بتفاصيلها، لكن يمكن الحديث عن تجاربنا وخبراتنا من منظور شخصي، فالقانون القديم كان به مواد كثيرة تحفظ حقوق المتهم، لكن كان يتم تجاهل الكثير منها وكان ذلك يعتبر من الانتهاكات أو التجاوزات التي كان يمكن تؤدي لبطلان الدعوى في حال تم إثباتها أو الأخذ بها، ولكن ما يحدث في المسودة الجديدة هو شرعنة وتقنين لما كان يتم اعتباره تجاوزات، وإلغاء تام لما كان يمكن اعتباره ضمانات للعدالة في القانون القديم.

أنصار القانون الجديد يزعمون أنه جاء بفلسفة جديدة تنتصر للحريات ومعايير العصر الحديث، ولكن لا يبدو أن هذا الكلام صحيح، فالقانون الحالي الذي صدر عام ١٩٥٠ كان يعتبر تطور كبيرا في حينها بعد عقود طويلة من تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الصادر عام ١٨٨٣، وشهد القانون تعديلات عديدة طوال تلك العقود حتى أصبح الأمر يتطلب قانون جديد بفلسفة جديدة، لكن المسودة المطروحة لا تتجاوز تعديل للقانون الحالي مع الحفاظ على جوهر الفلسفة القديمة التي تستسهل الحبس في القضايا الجنائية والسياسية.

القانون القديم اشتمل أيضًا على بدائل للحبس الاحتياطي مثل إخلاء السبيل بضمان الوظيفة أو محل الإقامة أو الكفالة والإقامة الجبرية والإجراءات الاحترازية، وهي كلها بدائل لضمان عدم هروب المتهمين أو عدم قيام أحدهم بإتلاف الأدلة أو التأثير على الشهود، ولكن لم يكن يؤخذ بها وكان الإجراء الأولي للنيابة هو الحبس الاحتياطي رغم أنه الاختيار الأخير كما يفترض، وهو ما كان يتسبب في معاناة آلاف الأسر.

سيدات كانت من ضمن قائمة الافراج الأخيرة - فيس بوك
سيدات كانت من ضمن قائمة الافراج الأخيرة - فيس بوك

وللأسف تعتبر السجون مفرخة للعديد من الجرائم، ومن مر بتلك التجربة يعلم جيدًا تحول العديد من الشباب للأفكار المتطرفة بعد مخالطة الدواعش والجهاديين، والأمر مثله في القضايا الجنائية، فالبعض تحوله الحياة القاسية داخل السجون لخبراء وعتاة في الإجرام.

الغريب أنه ليس هناك مبرر لهذه العجلة لإصدار القانون، فكان يكفي في المرحلة الحالية تعديلات للمواد المعيبة وهي معروفة للجميع وتم قتلها بحثا، وفي النهاية يبقى السؤال الأهم: هل سيحقق القانون الجديد العدالة المنشودة أم سيظل مجرد أداة لتعزيز السلطة التنفيذية؟ فالتجارب السابقة والتطبيقات العملية تجعلنا نتساءل عن مدى جدية الإصلاحات المزعومة.

 فتحقيق العدالة يحتاج إلى تغيير جذري في فلسفة القانون والتطبيق العملي لضمان حقوق الأفراد وحرياتهم وليس من مجرد تعديلات شكلية بل.

وكم كانت الأمنيات في أن تكون التعديلات خطوة نحو مستقبل أفضل، البعض لا يرى أي بادرة أمل، والبعض يقول دعونا لننتظر ونرى المنتج النهائي.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة