فازت الكورية الجنوبية هان كانج بجائزة نوبل في الأدب في الثلث الأول من أكتوبر الجاري. وقد أشارت لجنة التحكيم إلى أنها استحقت الجائزة بفضل "شعرها النثري" الذي يسلط الضوء على هشاشة الحياة البشرية.
تميزت كتابات كانج بالتماس العميق مع الجانب النفسي الهش للبشر، ووصفت تلك التجارب باستخدام لغة تعبر عن الأحاسيس الإنسانية، بما يخلق صورًا ذهنية حية لدى القراء، حيث نجحت كانج في إثارة التشويق عبر اختيارها المفردات بعناية، الأمر الذي جعل أسلوبها محط اهتمام لدى النقاد والجمهور.
انطلقت جائزة نوبل في عام 1901، بينما منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، لم تتجاوز نسبة النساء الحاصلات عليها 6% تقريبًا.
ويسجل الموقع الرسمي لجائزة نوبل أنه منذ انطلاقها حتى 2024، حصلت النساء عليها 66 مرة فقط، في مجالات الفيزياء والكيمياء والاقتصاد والأدب والنشاط السياسي، فيما فازت امرأة واحدة فقط بالجائزة لمرتين، وهي ماري كوري، التي حصلت عليها في الفيزياء عام 1903، والكيمياء عام 1911.
هذا يعني أن إجمالي عدد النساء اللاتي حصلن على جائزة نوبل بين عامي 1901 و2024 يبلغ 65 امرأة مقارنة بـ 905 من الرجال.

ولا يقتصر الأمر على نوبل، فقد فازت النساء بجائزة بوليتزر في فئة الرواية لأول مرة في عام 1921 عندما حصلت عليها الكاتبة إديث وارتون، صاحبة رواية "عصر البراءة". ومنذ ذلك الحين، لم تفز النساء إلا بـ 33 جائزة بوليتزر مقابل 64 جائزة للرجال. وقد فازت بالنسخة الأخيرة من هذه الجائزة (نسخة 2024) جين آن فيليبس، عن روايتها "دورية الليل".
هذا التحليل البسيط للأرقام، يظهر كم الخلل في تسليط الضوء على إنجازات النساء الأديبات والعالمات والفنانات مقابل الرجال. وهو تفاوت لم يكن وليد اللحظة، إذ واجهت المرأة عبر العصور، التهميش والتنميط وتفضيل الذكور للحصول على فرص التعليم والعمل المناسبة، ما أدى إلى تفاقم هذا الوضع حتى يومنا هذا.
الإسهامات المختلفة للنساء
في التاريخ الحديث، شهد الأدب تقدمًا كبيرًا في إسهامات النساء رغم المعوقات الاجتماعية التي واجهتهن على مر التاريخ. ففي القرن السابع عشر، كانت النساء ممثلات بشكل ضئيل في الأدب، إذ تجاهل المجتمع تقاليد الأدب النسائي وعارض إنتاجهن الفني.
واضطرت بعض الكاتبات إلى استخدام أسماء ذكور مستعارة لينشرن أعمالهن، مثل الكاتبة البريطانية الشهيرة ماري آن إيفانس، التي كتبت تحت اسم "جورج إليوت"، والتي أصبحت رواياتها "ظاهرة" في القرن الثامن عشر بسبب حداثتها ومعانيها الدينية العميقة.
أما في مجالات العلوم، لا سيما التكنولوجيا والهندسة، فكانت النساء في طليعة الابتكارات، وبدأ دورهن يتضح في مجال البرمجيات، وهو ما أدى إلى ظهور التكنولوجيا الحديثة.
يعود الفضل إلى هيدي لامار، التي ساهمت في اكتشاف القفز الترددي المستخدم حاليًا في موجات اللاسلكي، والبلوتوث، والواي فاي.
كما لعبت روزاليند فرانكلين دورًا أساسيًا في اكتشاف تركيب الـ DNA، إلا أن فريقها من الرجال حصل على التكريم دون الالتفات إلى مساهماتها.
تعكس هذه الإنجازات الإبداعية في الأدب والعلوم قوة المرأة وتفوقها في مختلف المجالات، رغم العقبات التي واجهتها، ما يبرز ضرورة الاعتراف الكامل بإسهاماتهن.
التمييز في الجوائز
في السنوات الأخيرة، تصاعدت الجهود نحو تحقيق المساواة بين الجنسين، ما سلط الضوء على النقص الواضح في تمثيل النساء في الجوائز الدولية، وعلى الرغم من الريادة البارزة للنساء في مختلف المجالات.
تشير الإحصائيات إلى وجود خلل ملحوظ في الترشيحات والفوز بالجوائز المرموقة مثل جائزة مان بوكر، وجائزة بوليتزر، وجائزة الكتاب الوطني.
ولعل هذه الفجوة لا تقتصر فقط على الأدب، بل تمتد إلى مجالات الأفلام والموسيقى والعلوم والرياضة، فعلى الرغم من الإنجازات الكبيرة التي حققتها المرأة، فإنها غالبًا ما تواجه حواجز تقلل من ظهورها وتقديرها مقارنة بأقرانها من الرجال.
واحد من أهم العوامل الرئيسية التي تساهم في هذا النقص هو التحيز المؤسسي واللاواعي تجاه الرجال، حيث تخضع العديد من الجوائز لمنظمات أو لجان غالبًا ما يهيمن عليها الذكور، ما يؤدي إلى تحيزات غير مقصودة تؤثر على عملية الاختيار.
وقد أظهرت الأبحاث أن لجان التحكيم المختلطة بين الجنسين تكون أكثر ميلًا إلى الاهتمام بإنتاج النساء وترشيحها مقارنةً باللجان التي تتكون من الذكور فقط. وهذه التحيزات لا تؤثر فقط على الترشيحات، بل تشوه أيضًا الصورة الشاملة لمساهمات النساء في مجالاتهن.
ولا يخفى على أحد أن الجوائز تعكس أيضًا القيم والأعراف المجتمعية السائدة. فعلى سبيل المثال، كانت فئة "أفضل مخرج" في الجوائز السينمائية الكبرى تاريخيًا تحت هيمنة الرجال، وبما يعطي انطباعًا بأن مساهمات النساء أقل أهمية أو لا تستحق التقدير، وقد يؤدي هذا إلى نقص في الوعي بجودة وتأثير عمل النساء، ما يقلل من احتمالية ترشيحهن وفوزهن بالجوائز.
عوامل تاريخية
على أرض الإبداع لا ممارسة القمع ضده، لم تؤثر النظرة الدونية في دور المرأة وإنتاجها الفني، بل على العكس تمكنت بعض الكاتبات من إثارة موضوعات هامة في الدين، وعدم المساواة، والخيانة الزوجية، فقدمت النساء رؤى نقدية تقدميّة لمجتمعهن، وأثرت هذه الرؤى العمل الأدبي الذي كان يهيمن عليه الذكور، بتجارب قوية لشخصيات من نسج نسائي متفرد متعدد الأبعاد مثّل ضرورة قصوى لفهم الفترات التاريخية في القرون السابع عشر، الثامن عشر، والتاسع عشر.

في العام 1929، نشرت فرجينيا وولف مقالها المطوّل في كتاب بعنوان "غرفة تخص المرء وحده"، حيث ناقشت استقلال المرأة وتمكينها الاقتصادي.
وفقًا لوولف، كانت معاناة الكاتبات بالأساس في تلك الفترة ناتجة عن أزمة اقتصادية. حينها لم تكن النساء مستقلات بما يكفي لإيجاد الوقت اللازم للإبداع، وكانت حياتهن محصورة في الأدوار الاجتماعية التقليدية مثل الاهتمام بالمنزل والأسرة وتربية الأطفال.
أما الأعباء الاقتصادية، مثل توفير دخل للأسرة، فكانت مسؤولية الرجل وحده، وهذا الوضع جعل النساء يعتمدن اقتصاديًا على الرجال، دون أن يكنّ لديهن دخل مالي خاص أو ذمة مالية مستقلة.
ورأت وولف أن هذا الاعتماد الاقتصادي هو السبب الرئيسي الذي منع النساء من الكتابة، وقدّمت مثالًا خياليًا عن "أخت شكسبير" الكاتبة الموهوبة، التي منعتها الأعباء المنزلية من ممارسة الكتابة، ما أدى في النهاية إلى انتحارها. وأكدت وولف هنا أن الحرية المالية هي شرط أساسي لتحقيق الحرية الأدبية.
وبحسب الأدوار الاجتماعية التقليدية، كانت المرأة تعيش وفق دخل الرجل ورغباته ونظرته للحياة. وفي القرون السابع عشر، الثامن عشر، والتاسع عشر، لم يكن للمرأة الحق في التعليم، بل كانت محصورة في دورها الطبيعي داخل المنزل.
لذا، كان الأدب والفنون والعلوم في ذلك الوقت يُنتج ويُكتب من منظور الرجال. وحتى عندما كانت المرأة تقرأ الأدب، كانت تقرأه من وجهة نظر الرجل.
ورغم وجود المرأة اليوم في أغلب المجالات، لا يزال تقييم إنتاجها يعتمد بشكل كبير على نظرة الرجال، الذين يقررون ما إذا كانت تلك النساء تستحقن الجوائز، أم أن النتاج الفكري للرجال هو الأجدر بالاحتفاء.
وبناءً على هذه الأفكار، ظهرت في أواخر القرن العشرين حركات نسوية تطالب بالمساواة بين الجنسين في العلوم، وكشفت عن إسهامات العديد من النساء التي تم تجاهلها.
وعلى الرغم من الجهود المبذولة لدمج المزيد من النساء في العلوم والفنون، إلا أن هذه المجالات لا تزال تحت هيمنة الرجال، حيث يُغفل دور النساء في العمل والتجارب، وحتى الأدب والفنون لا تزال تُستخدم فيها لغة ذكورية يحتكرها الرجال.
إن نقص تمثيل النساء في الجوائز الدولية لا يؤثر فقط على مساراتهن المهنية، بل له تأثيرات أوسع على المجتمع؛ إذ تلعب الجوائز دورًا أساسيًا في تشكيل التصورات الثقافية وتوجيه الرأي العام نحو التميز في مختلف المجالات.
وعندما يتم تجاهل إنجازات المرأة، تصبح مثل رسالة ضمنية وانطباع بأن مساهماتها أقل قيمة، ما يؤدي إلى تقليل التنوع في التمثيل وضيق الأفكار ووجهات النظر المقدمة للجمهور.
في المقابل، يمكن أن يؤدي الاعتراف المتزايد بإنجازات النساء إلى خلق بيئة أكثر شمولًا، تشجع الجيل القادم من القائدات والمبدعات على تحقيق طموحاتهن. فالتمثيل مهم؛ إذ عندما ترى الفتيات الصغيرات النساء يُحتفل بإنجازاتهن، يطمحن بدورهن للوصول إلى مراتب عالية في حياتهن المهنية، ما يعزز التنوع والإبداع في المجتمع.