"الشوك والقرنفل" قراءة في سيرة السنوار يحيا

    سقط القناعُ عن القناعِ

لا إخوةٌ لك يا أَخي، لا أَصدقاءُ

يا صديقي، لا قلاعُ

لا الماءُ عندكَ، لا الدواء، ولا السماء

ولا الدماءُ ولا الشراعُ

ولا الأمامُ ولا الوراءُ

حاصِرْ حصَارَكَ... لا مفرُّ 

عُرف القيادي في حركة المقاومة الإسلامية "حماس" يحيى السنوار "1962 -2024" في السنوات الأخيرة بأدواره السياسية والعسكرية، وذاع صيته بوصفه رجل الحرب والمقاومة والصمود، الشخصية القيادية الحاسمة التي خرجت من المعتقلات الإسرائيلية لتتدرج في المناصب القيادية داخل التنظيم، وتعيد تنظيم وتطوير الجناح العسكري.

 فضلا عن قدرته على خداع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية طوال سنوات طويلة من اعتقاله إلى أن أُفرج عنه في صفقة تبادل الأسرى عام 2011 التي عُرفت إعلاميًا بصفقة "شاليط".

لكن للسنوار وجهًا آخر -غير معروف- يرتبط بالثقافة والأدب والترجمة، فقد درس اللغة العربية وآدابها في الجامعة الإسلامية بغزة، ودرس وأتقن اللغة العبرية في السجون الإسرائيلية، وصدر له عدة كتب ومقالات تنوعت بين التأليف والترجمة.

ولعل من أبرز هذه الأعمال  رواية "الشوك والقرنفل" وهى سيرة روائية، حكى فيها عن نشأته وتاريخ عائلته، كصورة مصغرة لتاريخ ونضال آلاف العائلات الفلسطينية، وكتاب "حماس التجربة والخطأ" الذي تتبع فيها نشأة وتطور حركة حماس بجناحيها السياسي والعسكري، واستشرف فيه مستقبل المواجهة مع المحتل الإسرائيلي.

وقدم في كتاب "المجد" رصد وتحليل آليات وأساليب عمل جهاز المخابرات الإسرائيلي "الشاباك" في جمع المعلومات وتجنيد العملاء وطرق ومناهج التحقيق والضغوط والانتهاكات النفسية والجسدية التي يمارسها محققي الجهاز على الأسرى الفلسطينيين.

كما ترجم عن العبرية كتاب بعنوان "الأحزاب الإسرائيلية" والذي تضمن تعريفًا بالأحزاب في دولة الإحتلال وبرامجها وتوجهاتها المختلفة في فترة التسعينيات من القرن الماضي، وكان هذا الكتاب بوابة وخطوة في حينها للتعرف على الداخل الإسرائيلي بصورة أعمق على المستوى السياسي والاجتماعي.

اقرأ أيضًا:من يخلف السنوار؟

السيرة أطول من العمر     

                                      

سقطت ذراعك فالتقطها!

واضرِبْ عدوك ..لا مفر

وسَقَطْتُ قربك، فالتقطني!

واضرب عدوك بي، فأنت الآن

 حُرٌّ

 

في عام 2004، صدر كتاب لأحد الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية بعنوان "الشوك والقرنفل"، كُتب على  غلافه تأليف الأسير يحيى السنوار (أبو إبراهيم) وبجوارها صورة رجل ملتحي في منتصف عقده الرابع غزا الشعر الأبيض رأسه، وتبدو على ملامح وجهه ونظرة عينيه مشاعر متباينة تجمع نصف ابتسامة وتحدي ودعاء وقدر من الألم والغضب، كان السنوار حينها واحد من آلاف الأسرى الفلسطينيين، وقد ألقي القبض عليه عام 1988، وحُكم عليه أكثر من مرة بالسجن المؤبد، ولم يكن أحد يتخيل أن هذا الرجل سيخرج من السجن يومًا ما، ويصبح المسؤول الأول في الحركة المقاومة الإسلامية حماس بجناحيها العسكري والسياسي، ويقود عملية السابع من أكتوبر 2023.

نُطالع في الصفحة الأولى معلومات وتعريف بالكاتب يحيى إبراهيم السنوار، فلسطيني من عائلة هُجرت من مدينة عسقلان عام ألف وثمانية وأربعين إلى قطاع غزة، ولد عام 1962 في مخيم خان يونس، حاز على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها من الجامعة الإسلامية في غزة، وكان أوائل من رفعوا  لواء المقاومة الإسلامية في فلسطين، سُجن عام 1988، وحُكم عليه بالسجن المؤبد، ولا يزال من ذلك التاريخ أسيرًا في سجون الإحتلال، كتب هذه الروية صاهرا منها ذكرياته، وقصة شعبه، من الآلام والآمال وجعلها قصة كل فلسطيني.

في عمل درامي أحداثه حقيقية وبعض شخصياته خيالية، تعرض أبو إبراهيم لمعظم المحطات الرئيسية في تاريخ الشعب الفلسطيني على مدار القرن العشرين بداية من نكبة 1948 مرورًا بنكسة 1967 وصولًا إلى انتفاضة الأقصى الثانية في بداية الألفية الجديدة؛ اللافت أن في الرواية بقدر تركيزها على الشأن السياسي والنضال، لكنها لا تُغرق القارىء فيهما، بل بالعكس نتعرف على وجه آخر للمقاومة والنضال غير الوجه العسكري الخطابي الجاف، وجه أدبي وإنساني نعيشه في تفاصيل الحياة اليومية داخل الرواية، فتتحول الحياة ذاتها بكل ملامحها وتفاصيلها البسيطة إلى فعل مقاومة وصمود دفاعا عن الحياة.

نُدرك من أحداث الرواية أن جموع الفلسطينيين من مدنيين ومقاتلين لا يسعون للموت، بل بالعكس يحبون الحياة، شرط أن تكون بحرية وكرامة، ويختارون الفداء والتضحية على أن يعيشوا تحت وطأة قهر المُحتل، وقد كانت الكتابة واحدة من هذه الأدوات الجامعة والمعبرة عن المقاومة وحب الحياة؛ فقد كُتبت الرواية في السجن وشارك في نسخها وتهريبها عدد كبير من الأسرى الفلسطينيين الذين رأوا فيها صوتًا وأملًا وحياة ممتدة تتجاوز الزنازين وأسوار المعتقلات "هذه الرواية كُتبت في ظلمة الأسر في سجون الاحتلال في فلسطين، دأب العشرات لنسخها ومحاولة إخفائها عن عيون الجلادين، وأيديهم الملوثة، وبذلوا جهدًا جبارًا في ذلك، عمل كعمل النمل لإخراجها للنور، لتكون في متناول القراء".

اقرأ أيضًا:السنوار.. ثلاثية الخندق والسجن والأنفاق

وتحت عنوان "مقدمة الكاتب" يشير السنوار إلى أن "هذه ليست قصتي الشخصية وليست قصة شخص بعينه رغم أن كل أحداثها حقيقية"، ويكمل موضحًا منظوره وغايته من كتابة الرواية:"كل حدث منها أو كل مجموعة أحداث تخص هذا الفلسطيني أو ذاك، الخيال في هذا العمل فقط في تحويله إلى رواية تدور حول أشخاص محددين ليتحقق لها شكل العمل الروائي وشروطه، وكل ما سوى ذلك حقيقي، عشته وكثير منه سمعته من أفواه من عاشوه هم وأهلهم وجيرانهم على مدار عشرات السنوات على أرض فلسطين الحبيبة"، ويختتم مقدمته بإهداء إلى من تعلقت أفئدتهم بأرض الإسراء والمعراج من المحيط إلى الخليج، بل من المحيط إلى المحيط.

سنوات النشأة والتكوين

 

قتلاكَ، أو جرحاك فيك ذخيرةٌ

فاضربْ بها . إضربْ عدوَّكَ...لا مَفَرُّ

أَشلاؤنا أسماؤنا

حاصرْ حصارَك بالجنونِ

وبالجنونْ

ذهبَ الذين تحبُّهم، ذهبوا

فإمَّا أن تكونْ

أَو لا تكونْ

تحتوي الرواية على ثلاثين فصلًا تمتد وتتسع على مستوى الشخصيات والأحداث والزمن مع ثبات المكان كمحور رئيسي، وبطل من أبطال الرواية، حيث الجغرافيا والتاريخ والهوية الفلسطينية، تبدأ أحداث الرواية في شتاء عام 1967 قبل شهور من النكسة، يتذكر الراوي هذه الأيام جيدًا رغم صغر سنه حينها؛ فقد كان طفلًا في الخامسة من عمره.. "شتاء عام 1967 كان ثقيلاً يرفض الرحيل، يُزاحم الربيع الذي يحاول الأطلال بشمسه الدافئة، فيدافعه الشتاء بغيومه المتلبدة، وإذا بالمطر ينهمر غزيرًا؛ فيُغرق البيوت في مخيم الشاطئ للاجئين بمدينة غزة وتجري السيول في أزقة المخيم، وتقتحم مرارًا وتكرارًا المياه ساحة دارنا الصغيرة، التي تسكنها عائلتنا منذ بدأ الحال يستقر بها، بعد أن هاجرت من بلدة الفلوجة في الأراضي المحتلة عام 1948".

يستمر الراوي في سرد هذا المشهد بدقة واصفًا مشاعره وواقع وحال أسرته في هذه المرحلة، تاريخهم الشخصي وتاريخ فلسطين العام: "في كل مرة يدب الفزع بي وبإخواني الثلاثة وأختي، وخمستهم كانوا يكبرونني سنًا فيهب أبي وأمي إلينا ليرفعونا عن الأرض، ولأنني كنت الأصغر كنت أتعلق في رقبة أمي إلى جوار أختي الرضيعة التي كانت في العادة على ذراعيها في مثل هذه الحالات"، ورغم حالة الفقر وقسوة برد الشتاء لم تكن حياتهم تخلو من لحظات من البهجة والسعادة المحفورة في ذاكرة الراوي مثل قطع الحلوى التي كان يعطيها لهم المجندين المصريين في معسكر الجيش المصري القريب من المخيم، حين كان قطاع غزو تحت الإدارة المصرية من بعد نكبة 1948.

"كان الجنود المصريون في ذلك المعسكر يحبوننا كثيرًا، أحدهم تعرف علينا وعرفنا بالأسماء، فإذا ما أطللنا نادى علينا:"أحمد .. محمد،  تعالا هنا"، فنذهب إليه ونقف إلى جواره في انتظار ما سيعطينا كالعادة فيمد يده إلى جيب بنطاله العسكري ويخرج لكل واحد منا قطعة من حلوى الفستقية يلتقط كل واحد منا قطعته ويبدأ بقضمها بنهم شديد، يربت ذلك الجندي على أكتافنا ويمسح على رؤوسنا ويأمرنا بالرجوع إلى البيت فنبدأ بجرجرة أرجلنا عائدين في طرقات المخيم"، لم تستمر هذه اللحظات السعيدة؛ فبقدوم صيف ذلك العام وتحديدًا في الخامس من يونيو 1967 وقعت النكسة واحتلت القوات الإسرائيلية سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والجولان.

هنا اختبر الطفل الصغير مشاعر أكثر قسوة، فقد غاب الأب والعم، وبعد فترة عرفوا باستشهاد العم، ولم يعد هناك معسكر للجنود المصريين يمكن للأطفال الصغار أن يحصلوا على الحلوى من جنوده، وسيطرت قوات الاحتلال على قطاع غزة، ومنعوا التجوال في أوقات وأيام محددة وتكرر إطلاق النيران على المخيم إما لترويعهم وفرض السيطرة أو في مطاردتهم لمجموعات المقاومة من أبناء المخيم "مرت الأيام وما من خبر عن مصير أبي من رأوه أكدوا أنه على قيد الحياة، هو ومجموعة من رجال المقاومة الشعبية انسحبوا نحو الجنوب هذا كل ما هناك، ولا شيء جديد، كان الجد بعد أيام العزاء بعمي، قد بدأ رحلته من جديد في البحث عن أخبار مصير أبي وهذا كل ما حصل عليه، ومع مرور الأيام وصل إلى قناعة أنه عليه الانتظار".

الذاكرة والتاريخ

 

سقط القناعُ

ولا أَحدْ

إلاَّك في هذا المدى المفتوح

للأعداء والنسيانِ

سقط القناعُ

عَرَبٌ أَطاعوا رُومَهم

عَرَبٌ وباعوا رُوْحَهُم

عَرَبٌ.. وضاعوا

 

يُخبرنا التاريخ أن المنتصر سياسيًا وعسكريًا تكون له اليد العليا في صياغة الذاكرة الجماعية وكتابة التاريخ، لكن الأعمال الأدبية تكسر هذه الهيمنة وتمنح صوت للمهمشين وتفتح أبواب عديدة لنسمع أصوات مختلفة ووجهات نظر متعددة من حياة الناس العادية، لذلك تحظى كتب السيرة سواء في صورة روايات أو مذكرات بمكانة مميزة، خاصة لو كانت كتابة جميلة على مستوى اللغة والسرد والخيال، تخرج نصوص السيرة من قلب صاحبها إلى قلب القارئ مباشرة، تشعر أنك شريك في رحلته وجزء من حياته، ويصبح هو كذلك جزء من حياتك وتجربتك الشخصية، يمنح كلا منكما حياة جديدة للآخر.

عندما تتأمل تفاصيل الحياة اليومية والعلاقات العائلية/التراحمية بين الأهل والجيران على مدار فصول الرواية تشعر كأنك في واحدة من القرى المصرية، حيث نفس نمط الحياة البسيط والعائلة الممتدة وإيقاع الحياة اليومي المعتاد بين العمل والزيارات العائلية وصلاة الجماعة في المسجد، والعمليات الفدائية للمقاومة؛ فرغم قسوة الهزيمة العسكرية في 67 وسيطرة قوات الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة إلا أن عمليات المقاومة الشعبية لم تتوقف، يتذكر الراوي العديد من هذه العمليات التي كان يتبعها حظر تجوال لمدة أسبوع تفرضه قوات الاحتلال.

لا يرسم السنوار صورة مثالية للوضع في المخيم، ولا الفلسطينيين بشكل عام، ففي الفصول الأولى نشاهد من خلال عين الصبي الصغير لحظة قبض رجال المقاومة على أحد الخائنين الذين تعاونوا مع قوات الاحتلال وأبلغ عن عدد من رجال المقاومة الشعبية "بينما كنا نلعب في الحارة، وإذ بعدد من الفدائيين الملثمين المسلحين كل واحد منهم يأخذ موقعه على رأس الأزقة، ثم جاء "أبو حاتم" وهو يجر أحد رجال المخيم من أذنه وهو في أذل شكل وأخزى صورة، كانت بيد أبي حاتم عصا خيزران وبندقية معلقة في كتفه، توقفنا جميعا عن اللعب، وبدأ أهل الحي يتجمعون ويطلون من بيوتهم، وقف أبو حاتم والعصا بيده وذلك الرجل يحاول إخفاء وجهه بين يديه ويثني جسده ليلصقه قدر المستطاع".

يكمل الراوي في وصف هذا المشهد الذي سيكون له أثر كبير في مراحل حياة السنوار التالية:"ساد صمت مطبق قطعه صوت أبي حاتم الجهوري قائلاً: يا ناس كلكم بتعرفوا أبو يوسف قائد قوات التحرير الشعبية في المخيم وبتعرفوا بطولاته وعملياته اللي رفعت روسنا كلنا، وكلكم بتعرفوا هذا الخسيس اللي اكتشفنا إنه جاسوس، رفع أبو حاتم عصاه في الهواء سائلًا الرجل: يا ندل إحكي قدام الناس إيش اللي صار، فبدأ الرجل يعترف أنه هو الذي أبلغ عن أبي يوسف مقابل مبلغ من المال، ارتفع صوت الناس الله يخزيك يا حقير.. الله يخزيك يا خاین یا جاسوس، فقال أبو حاتم يا ناس هذول اليهود احتلوا أرضنا وطردونا من بلادنا، وقتلوا رجالنا، وهتكوا أعراضنا، وفينا ناس مستعدين يتعاونوا معهم ضد الفدائيين اللي حملوا أرواحهم على أيديهم، إيش جزاة الخاين اللي بشتغل مع اليهود يا ناس؟".

عيون السنوار القلقة

 

كُنَّا هناكَ ومن هنا ستهاجر العَرَبُ

لعقيدةٍ أُخرى . وتغتربُ

قَصَبٌ هياكلنا

وعروشنا قَصَبُ

في كُلَّ مئذَنَةٍ

حاوٍ , ومغتصبُ

 

تمتد أحداث الرواية على مدار أربعة عقود، نعيش مع أحداثها مراحل وتجارب ومسارات مختلفة من واقع الحياة والنضال الفلسطيني، وبقدر المتعة الأدبية والمعرفة والتجارب والخبرات والمعلومات التاريخية ووجهات النظر المختلفة للعالم التي نلمسها في سيرة السنوار الروائية إلا أن كل هذا الثراء يضعني أمام معضلة أواجهها مرارًا تتعلق بكيفية تقديم قراءة وعرض وافي لمثل هذه الأعمال الملهمة في مقال لا يتجاوز ألفي كلمة، لكن عزائي إن الهدف الرئيسي من هذه الكتابات هو فتح الباب وتسليط الضوء على العمل ذاته بصورة مكثفة وأسلوب صحفي بسيط يشجع القراء المهتمين على البحث عن هذه الأعمال وقراءتها كاملة، ورواية "الشوك والقرنفل" تستحق أن تُقرأ جيدًا لا لمكانة مؤلفها السياسية فقط، ولكن لقيمتها الأدبية والإنسانية كوثيقة وسيرة حية لقطاع واسع من الفلسطينيين.

اعتقل يحيى السنوار شابًا في السادسة والعشرين من عمره، ليبقى في السجون الإسرائيلية ما يُقارب ربع قرن وما يزيد عن ثُلث حياته؛ فقد رحل عن عالمنا في عمر الثانية والستين، ورغم بلوغ هذا العمر ظل يقاوم، فبعد خروجه من السجن عام 2011، في صفقة تبادل للأسرى، بدا السنوار غريبًا عن الواقع الجديد، في ظل تطور تكنولوجي هائل، وثورات الربيع العربي وتغيرات كبرى يعيشها العالم، قاد السنوار في السنوات التالية انشقاق تاريخي عن جماعة الإخوان، خاصة ذراعيها في مصر وسوريا، وعبر هذا القرار، حمى حركة "حماس" من الانزلاق في صراعات إقليمية، وحافظ على الدور الأساسي للحركة في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.

في المرة الأولى التي رأيت فيها السنوار قبل سنوات على شاشات التلفزيون، وسمعت فيها خطاباته، بدا مختلفًا تمامًا عن إسماعيل هنية القائد السائد السياسي للحركة في حينها، ومختلف كذلك عن معظم قيادات الحركة التي نعرفها من شاشات التلفزيون، كانت عيناه زائغة دائمة تحوم في المكان، كأنما تدور ثلاثمائة وستون درجة، كان صوته قوي وحاد وحركته وانفعالاته الجسدية قوية وسريعة كأنه يطوق للطيران، في واحد من حواراته القليلة يتحدث عن شباب القطاع وحلم التحرر من المحتل قائلا لمحاوره: "أنا مش عاوز حصار، ولا طالب حرب، بس هاد مش معناه إني مش راح أقاتل، بس تمشي وقت الغروب على بحر غزة بتشوف شباب وصبايا قاعدين يتحدثوا، ويتساءلوا كيف شكل العالم وراء هذا البحر؟! أنا بدي أحررهم".

 قبل سنوات انتشرت صورة أيقونية لأبو إبراهيم وهو يجلس على كرسي "أنتريه" وسط بقايا منزل مدمر، واضعًا قدم فوق الأخرى، بعد محاولة الاحتلال اغتياله، بدا السنوار في هذه الصورة كأنه يجلس على فوهة بركان من الركام والنار، ورغم ذلك ترى في ملامحه القوة والشجاعة والتحدي، وانتهت حياته بصورة ووضعية مماثلة، وهو جالسًا على كرسي داخل أحد المنازل المهدمة في قطاع غزة، ورغم إصابته الشديدة، حاول أن يسقط الطائرة المسيرة التي تراقبه، وألقى عليها عصاه، لتكتمل الصورة "الشبحية" للسنوار، صورة أشبه بصور وملامح مجموعات النضال المسلح اليسارية في ستينيات القرن الماضي، وإن كانت تحمل بصمته الشخصية الخاصة.

 

إن الموتَ يأتينا بكل

سلاحه الجويِّ والبريِّ والبحريِّ مليون انفجار في المدينة

هيروشيما هيروشيما

وحدنا نُصغي لما في الروحِ من عبثٍ ومن جدوى

وأمريكا على الأسوارِ تهدي كل طفل لعبةً للموتِ عنقوديَّةً

يا هيروشيما العاشقِ العربي 

أَمريكا هي الطاعون, والطاعونُ أمريكا

 

*الآبيات من قصيدة "مديح الظل العالي" لمحمود درويش.

 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة