"إفساد للحياة السياسية، تدمير الحياة البرلمانية، استغلال نفوذ، عنف، .."، مجموعة من أبرز اتهامات المعارضة المصرية التي تلاحق حزب مستقبل وطن، منذ تأسيسه قبل 10 سنوات، حتى اليوم، كما يرى قيادات بارزة في المعارضة خلال حديثهم لموقع "فكّر تاني".
تتزامن هذه الاتهامات، مع تراجع الاهتمام الرسمي بالحزب في دولاب عمل الدولة، بحكم أنه الحزب الأكبر المحسوب على السلطة المصرية، لصالح توجه جديد يرى ضم حزبي الشعب الجمهوري وحماة وطن، إلى صدارة المشهد، وعدم ترك المجال لحزب مستقبل وطن، للاستفراد بالمشهد السياسي والنيابي، وفق مصادرنا.
هذه المعلومات دفعت الحزب إلى سرعة "تغيير جلده"، بحسب وصف مراقبين، حيث منح النائب أحمد عبد الجواد الأمين العام الجديد ونائب رئيس الحزب، فرصة لصعود سياسي صاروخي لتصحيح المسار الحالي للحزب، الذي أزعج قيادات بالنظام المصري، ما أسفر عن إطاحة درامية بالنائب أشرف رشاد، الذي فقد قيادة الحزب ورئاسة الهيئة البرلمانية بشكل متتابع، فيما تثار العديد من الأسئلة حول صعود "عبد الجواد" السياسي المتسارع بعد استقالته من جهة أمنية مؤثرة.
حزب من الموظفيين السياسيين
تأسس حزب "مستقبل وطن" في نوفمبر 2014 على يد محمد بدران، عضو لجنة الخمسين لتعديل دستور 2012. ومنذ هذه الانطلاقة، واجه اتهامات بالارتباط بجهة أمنية نافذة في الدولة. ودعم هذه الشكوك ما حظي به "مستقبل وطن" من دعم رسمي غير مباشر ساعده في تصدّر الساحة النيابية خلال السنوات الماضية، التي شهدت استغلالًا حادًا للنفوذ والتأثير على الحياة السياسية في مصر.

"لم تكن هذه بدايتنا"؛ قال محمد بدران الذي يترأس الآن حزب "صوت الشعب"، لـ"فكّر تاني"، وأضاف أن "مستقبل وطن" مر بمرحلتين مختلفتين؛ الأولى كانت للتأسيس، واتسمت بإدارة شبابية خالصة، رغم ما شابها من قلة الخبرة، فيما شهدت المرحلة التالية تحولًا إلى إدارة تعتمد على رجال المال والصناعة، إلا أن هذا لا يمنع النشأة الخالصة لخدمة الوطن، على حد قوله.
وهو ما يختلف معه تمامًا مراقبون يرون أن "مستقبل وطن" لم ينشأ في الأساس بإرادة شعبية، وإنما بتوجيه سلطوي فوقي، جعله أشبه ببوق برلماني يعبر عن مصالح السلطة فقط.
تأكيدًا على ذلك، يصف السياسي والحقوقي مجدي عبد الحميد، المنسق العام السابق للحركة المدنية الديمقراطية، "مستقبل وطن" بأنه "حزب من الموظفين السياسيين، يشغلون مناصب ودرجات تتيح لهم التعبير عن مصالح السلطة السياسية، مع تحقيق مصالحهم الشخصية، والتقدم في السلم السياسي، سواء عبر الحصول على عضوية البرلمان أو مناصب سياسية أخرى".
الأيديولوجية الغائبة
طوال السنوات الماضية، تنظر غالبية أحزاب المعارضة في مصر إلى "مستقبل وطن" باعتباره نموذجًا لأحزاب السلطة الجديدة التي ظهرت بعد يونيو 2013، وتميزت بغياب أي هوية أيديولوجية واضحة أو كوادر ذات خبرة سياسية عميقة، رغم محاولات دعمه بالمال والحماية.

ويدعم ذلك ورقة تحليلية صادرة عن مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، في مطلع يناير 2016، أقر ناشرها الباحث الأكاديمي يسري العزباوي بأن الحزب يتلقى دعمًا من بعض المؤسسات في الدولة، التي تنظر إليه باعتباره رقمًا مهمًا في الحياة الحزبية المصرية.
وبينما تشير الورقة إلى تأسيس الحزب الذي جاء في ظروف انتقالية عقب ثورة 30 يونيو، حيث أطلقت مجموعة من شباب اتحاد طلاب مصر حملة شبابية بعنوان "مستقبل وطن" بهدف أساسي هو تمرير دستور 2014، تؤكد أن هذه الفكرة سرعان ما تم التقاطها من قبل بعض الأفراد الذين عمدوا إلى تحويلها إلى حزب سياسي.
وهو الأمر الذي يثير الضجة الكبيرة حول آلية التأسيس والأشخاص الذين يقفون خلف الحزب، خاصة بعد نجاحه في جمع التوكيلات المطلوبة (5000 توكيل) كأساس لإشهاره في أقل من يومين.
ليس حزبًا سياسيًا
هناك فريق في المعارضة، يراه مجرد كيان أمني، وليس حزبًا سياسيًا، وهو رأى علاء الخيام رئيس حزب الدستور الأسبق ومنسق اللجنة التأسيسة لحزب تيار الأمل والقيادي بالحركة المدنية الديمقراطية، حيث يتحفظ على وصف حزب مستقبل وطن، بأنه "حزب سياسي"، من الأساس، قائلاً لـ"فكر تاني" :" هذا كيان أمني يدعم النظام الحاكم تحت لافتة الأحزاب السياسية في مصر".

وعادة ينفي حزب مستقبل وطن هذه التهمة المتكررة من قيادات المعارضة، ويدافع عن كونه حزبًا سياسيًا لا علاقة له بمؤسسات الدولة، خاصة الأمنية منها"،
وأكد "أشرف رشاد" في تصريحات في عام 2016، بأن "الأجهزة الأمنية لا تتدخل فى قرارات حزب مستقبل وطن"، لكن هناك معلومات رائجة في الوسط السياسي، نشرت بعضها صفحة "الموقف المصري" على موقع فيس بوك"، تربط بين وجود النائب أحمد عبد الجواد في صدراة الحزب وبين علاقة الحزب بالجهات الأمنية، حيث كان عبد الجواد ضابط برتبة عقيد في جهاز أمني سيادي قبل أن يتركه.
ويتفق مجدي عبد الحميد مع "الخيام" ، في أن حزب مستقبل وطن، بات يشكل علامة على ظاهرة معروفة بالضرورة في الوسط السياسي حاليًا، وهي "أحزاب المؤسسات"، وفق تعبيره، موضحاً أنه بعد يونيو 2013، حزب السلطة تشظي، ولم يعد هناك حزب سلطة واحد كما كان في وقت سابق، بل بات هناك أحزاب عدة يظهر ثقلها بناء على ثقل الجهة التي تتبع لها في مؤسسات الدولة، وفق رصده.
ويضيف "عبد الحميد" أن هذا الأمر جعل حزب مستقبل وطن، واجهة سياسية للسلطة، بجانب أحزاب كبرى ومتوسطة وصغرى في مقدمتها: حزب حماة وطن، وحزب الشعب الجمهوري.
اقرأ أيضاً : ثلاثي الكعكة البرلمانية.. مخطط أحزاب الموالاة لعلاج "هشاشتها التشريعية"
قفزات برلمانية
سرعان ما حقق حزب مستقبل وطن في انتخابات مجلس نواب 2015، نتيجة لافتة، رغم حداثة نشأته، ما أكد اتهامات المعارضة بحقه، كونه حزب السلطة، حيث حل الحزب في المركز الثاني بعدد 53 مقعدًا، بعد تصدر حزب المصريين الأحرار النتائج بـ 65 مقعدًا فى المجلس.
وتطورت النسب البرلمانية في انتخابات عام 2020، حيث حقق حزب مستقبل وطن قفزة كبرى، وبات معروفًا في الوسط السياسي أنه حزب السلطة الأكبر، بعدما بات صاحب الأغلبية البرلمانية، وتصدر تحالفه الذي جاء تحت لافتة القائمة الوطنية من أجل مصر، مجلس النواب بأغلبية المقاعد، بعدد 360 مقعدًا من أصل 596 مقعدًا، فيما حل حزب الشعب الجمهوري وصيفًا.
هنا، يرى "محمد بدران" أن الظروف السياسية هي من سمحت لحزب "مستقبل وطن"، بما وصفه بـ"سيادة الحياة السياسية"، في ظل ما يراه من ضعف الأحزاب السياسية الأخرى، وعدم استطاعتها منافسته في ظل امتلاك حزب "مستقبل وطن" لأمانات وعضويات في مختلف المواقع، وعدد نواب كبير في البرلمان، بما يسمح له بالأغلبية ويدفع الآخرين لاتهامه باحتكار الحياة السياسة.
ويضيف بدران أن استمرار اختصار الحياة السياسية، في انتخابات البرلمان والكوتة البرلمانية، يجعل حزب مستقبل وطن يستمر بلا منافس، حتى يظهر له من يستطيع امتلاك قوة مماثلة، وقدرة مالية مناسبة بشكل يسهل لمنافسيه الوصول إلى مساحات انتشار وتأثير كبيرة تستطيع زحزحته من مكانه، مشددًا على أن ذلك لن يحدث إلا بوجود إرادة سياسية لإحداث تغيير شامل في الحياة الحزبية يسمح بتغيير المشهد.

لكن "مجدي عبد الحميد " يرى أن تلك القفزات الكبرى للحزب تقف ورائها، فكرة حزب السلطة المعتمدة في مصر من بعد يوليو 1952، بأسماء متعددة ولافتات مختلفة، مثل الاتحاد القومي والاتحاد الاشتراكي والمنابر، والحزب الوطني، ووظيفته هي أن يكون بوق للسلطة، ولذلك كان كل من له مصالح مع السلطة ينتمى لحزبها، وهو ما حدث مع حزب مستقبل وطن، وفق كلامه.
ويشير عبد الحميد إلى أن مصر حُرمت بعد هزيمة قوى يناير، من مواصفات مرحلة تأميم للحياة السياسية التي كانت سائدة قبل ثورة 25 يناير 2011، ودخلت على يد حزب مستقبل وطن، وأمثاله، في مرحلة يسودها تدمير الحياة السياسية والحزبية، ما ألقى بظلاله السلبية على الحياة البرلمانية، كون البرلمان هو مرآة الواقع السياسي.
في نفس الاتجاه، يصنف "علاء الخيام" القفزات الكبرى للحزب بأنها لا تعبر عن خبرة سياسية أو برلمانية لدى أعضاء "مستقبل وطن"، ولا تعني صعودهم بإرادة شعبية، لأنهم "مجرد بوق للسلطة، وصعودهم جاء عبر قوائم مغلقة مجهزة ومناخ غير ديمقراطي في إدارة الإنتخابات"، بحسب رأيه.
اقرأ أيضاً: بعد 10 سنوات مثيرة للجدل.. برلمان مصر في ميزان المعارضة والموالاة
لغز "أشرف رشاد"
في البنية التنظيمية، يمثل رحيل محمد بدران بعد فترة قصيرة من تأسيس الحزب، ثم صعود النائب أشرف رشاد سريعًا، ثم الإطاحة به، لغزًا كبيرًا.
تعرض "رشاد" للإبعاد عن قيادة الهيئة البرلمانية للحزب في أكتوبر 2023، ثم أطيح به من موقعه كأمين عام للحزب في سبتمبر الماضي، وسط علامات استفهام من المراقبين للشأن الحزبي.
القيل والقال في صفوف أحزاب الموالاة زاد، بالتحديد في 15 سبتمبر الماضي، حيث اختارت الهيئة العُليا لحزب "مُستقبل وطن" النائب أحمد عبد الجواد "أمينًا عامًا" للحزب، فيما اتخذ المكتب السياسي برئاسة المستشار عبدالوهاب عبدالرازق رئيس الحزب، قرارًا بتعيينه نائبًا لرئيس الحزب، وبذلك أطاح الحزب بأمينه السابق أشرف رشاد من مواقع المسئولية مرتين في عام، ليكون لغز المشهد الحزبي في صفوف الموالاة في الفترة الأخيرة.

ويعلق "بدران " أن ما حدث من رحيل "رشاد" على مراحل من قيادة الحزب، أمر مثير للحيرة والجدل في الأوساط السياسية، ولا أحد يعرف أسبابه بعد، خاصة أنه كان في فترة رئيس الكتلة البرلمانية للحزب والأمين العام له معًا، وانتهى به الأمر أنه أصبح عضوًا فقط بالحزب.
وينفى "بدران" أنه تم استبعاده من حزبه، رغم أنه مؤسسه، لصالح "رشاد"، موضحًا أنه لم يكن يستطيع القيام بنفس الدور الذي قام به المهندس أشرف رشاد أمين عام الحزب السابق، سواء في إدارة الحزب أو النواب، بالشكل الذي تم.
حركة تطهير
ما حدث للأمين العام السابق لحزب مستقبل وطن من استبعاد، يفتح ملف اتهامات بحقه لم يغلق بعد، حيث نقلت منصة "مدى مصر"، في 31 أغسطس 2022، عن مصادرها تجهيز ما وصفته بـ"حركة تطهير في صفوف القيادات العليا في حزب مستقبل وطن"، على خلفية وقائع استغلال نفوذ واتهامات مالية، مؤكدة أن أشرف رشاد، الأمين العام للحزب والنائب الأول لرئيسه، وقتها سيكون على رأس القائمة التي سيتم الإطاحة بها في الحزب.

بعد النشر، تعرضت 4 صحفيات للملاحقة القانونية بسبب هذه المعلومات، وهن الصحفيات: رنا ممدوح وبيسان كساب وسارة سيف الدين، ولينا عطا الله، رغم الإطاحة بـ"رشاد" في وقت لاحق دون إبداء أي أسباب حتى تاريخه.
لكن "بدران" يدعو الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى ما وصفها بـ"ثورة سياسية، لتحريك المشهد السياسي ، وإفراز مشهد حزبي جديد في ظل واقع داخلي وإقليمي صعب، ما يساعد على إصلاح الحياة الحزبية ووضع ضوابط لاختيار أعضاء الحزب ونوابه والصعود السياسي والحزبي بشكل عام، وفق دعوته.
مصادر التمويل
يظل الحديث عن مصادر التمويل أحد الشبهات الكبيرة التي تلاحق الحزب على مدار العشر سنوات الأخيرة.
وشغل هذا الأمر بلاغات أمام النائب العام، بتهم الاستيلاء على أموال بعض راغبي الترشح للانتخابات، واستغلال النفوذ وتضخم الثروات، وهو ما نفاه الحزب في حينه.

ففي نوفمبر 2015، قدم أحد المواطنين راغبي الترشح للبرلمان، ويدعى حسن أبوالعنيين، البلاغ الذي حمل رقم 18140 لسنة 2015 عرائض النائب العام، ضد قيادات حزب مستقبل وطن، وقتها، ومنهم محمد بدران وأشرف رشاد، بتهمة الاستيلاء على أموال راغبي الترشح لانتخابات مجلس النواب 2015 عن حزب مستقبل وطن ، مستغلين اسم الرئيس عبدالفتاح السيسي ومؤسسات الدولة، فيما نفى الحزب في حينه هذه التهمة، ولم يتحرك البلاغ بعد.
وفي نوفمبر 2020، تقدم النائب عبد الحميد كمال ببلاغ للنائب العام قيد تحت رقم 14522 ضد ما وصفه بـ"المخالفات القانونية والدستورية"، التي قام بها حزب مستقبل وطن خلال الانتخابات البرلمانية ومن قبلها الانتخابات بمجلس الشيوخ وخاصة المادة 11 من قانون الاحزاب .
وتضمن بلاغ النائب ما اعتبره 7 مخالفات ، في مقدمتها جمع تبرعات مقابل الترشح على مقاعد الحزب، دون الإعلان عن قيمة وحجم تلك التبرعات وأسماء المتبرعين بها، وعدم نشر ذلك في الصحف اليومية بالمخالفة لقانون الأحزاب السياسية رقم 40 لسنة 1977، ومخالفة الحزب المواد "4 – 5 – 14"، من قانون الأحزاب بعدم علانية مصادر تمويل الحزب وعدم تحديد موارده والبنك الذي يودع فيه أمواله والقواعد والإجراءات الخاصة لأموال الأحزاب، وشراء الأصوات وحشد الناخبين بطرق غير مشروعة، وفق البلاغ.
ميدانيًا، كان رجال المال والأعمال، هم بمثابة "البنك المركزي" لحزب مستقبل وطن، على مدار سنوات، وفق تصريحات رسمية لقيادات الحزب.
ففي عام 2015، أعلن محمد بدران مؤسس الحزب في تصريحات تلفزيونية وجود 4 ممولين للحزب وقتها، وهم رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة، ومنصور عامر، وكامل أبو على، وهانى أبوريدة، إضافة إلى عائلة الغنيمي في الإسكندرية، والأشراف فى قنا وقرشي فى أسيوط، موضحًا أن هذا الترتيب يأتي وفقًا لنسب المساهمة فى الحزب، وأن هناك شرطًا وضعه على الممولين للحزب وهو عدم وجود علاقة لهم بالحزب وعدم تدخلهم في قراراته.

وفي 2017، أشار أشرف رشاد الأمين العام للحزب وقتها، في تصريحات صحفية، لوجود مشاكل فى التمويل وحاجة إلى دعم مادي، موضحًا أن " هذا غير متوافر طبقا للقوانين المصرية فالأحزاب محظور عليها عمل مشروعات تجارية، وأيضًا يُحظر عليها جمع تبرعات من الجهات الاعتبارية".
وحول أسماء القائمين بتمويل الحزب في هذا التوقيت، قال "رشاد" :" الحزب يقوم على ثلاثة أنواع من التمويلات، الأول نقدي وهو اشتراكات العضوية، والثانى تبرعات عينية من مجموعة من رجال الأعمال وعلى رأسهم أحمد أبو هشيمة وبعض أعضاء الحزب مثل النائب أشرف رشاد عثمان بالإسكندرية وعمرو غنيمى وعبد الهادى بعجر، وأنا كنائب للصعيد والكثير أيضا من النواب".

من جانبه، يرى "عادل عامر" رئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والاقتصادية في حديثه لـ"فكر تاني" أن أي حزب يريد أن يقدم خدمات للجماهير، يجب أن يكون له ظهير مالي قوي، ورجال أعمال يخدمونه، لأنه لا يريد تنفيذ البرامج على الأرض دون حضور رأسمال قوي مساند.
ويشير عادل عامر إلى أن الدولة بعد تغيير القوانين لا تدعم أي حزب سياسي، كما كانت تفعل في أنظمة سابقة، وبالتالي يعتمد الحزب على موارده المالية، ورجال أعماله، مؤكداً أن الحزب الذي لا يملك أموالاً يموت على الأرض بعد أن يذبل، وفق وصفه.
موقعة الجمل الثانية
اللجوء إلى العنف كان مستنقع سقط فيه بعض أعضاء حزب مستقبل وطن، ما أثار قلقًا واسعًا في الأوساط السياسية بشأن ما اعتبره البعض "عودة العنف لإنهاء الأزمات السياسية" على يد حزب السلطة الأكبر.

في مايو 2023، تورط عدد من نواب وأعضاء بحزب مستقبل وطن، في الهجوم على مقر الجمعية العمومية لنقابة المهندسين، قبل إعلان تجديد الثقة في النقيب الحالي طارق النبراوي، ما منع إعلان النتيجة، واختصم طارق النبراوي نقيب المهندسين 4 من أعضاء الحزب خلال تحقيقات النيابة في حينه، وانتقدت مؤسسات حقوقية ما حدث من أعضاء بحزب الأغلبية بعد رفض الجمعية العمومية لطلبات أعضاءهم بمجلس النقابة.
ونشرت النائبة مها عبدالناصر، عضوة مجلس النواب، عن الحزب المصري الديمقراطي، والجمعية العمومية للنقابة، فيديو يتضمن واقعة التعدي على الأعضاء خلال الجمعية العمومية، مؤكدة وجود 4 نواب من حزب مستقبل وطن، وسط المعتدين، فيما جرى "تقفيل الأزمة" ودياً بعد تدخل جهات نافذة في الدولة.
واعتبر نشطاء، وقتها، ما حدث بمثابة "موقعة الجمل الثانية"، ووثقت صفحة "صحيح مصر" على فيس بوك"، أسماء قيادات بالحزب، عبر تقنية التحقق من الوجوه، بجانب مساعدة عدد من أعضاء نقابة المهندسين المصرية، وهم: إيهاب العمدة عضو مجلس النواب عن الحزب، ومحمد عبد الرحمن راضي، عضو مجلس النواب عن الحزب عن دائرة روض الفرج وشبرا وبولاق، والنائب أبانوب عزت عزيز عضو مجلس النواب عن الحزب، وكريم جمعة رئيس أمانة شباب حزب مستقبل وطن بمنطقة الشرابية، ومحمد قلقاسه مساعد أمين الشباب بحزب مستقبل وطن بمنطقة الشرابية.
وفي ديسمبر 2022، برزت "واقعة كمين 15 مايو"، كأحد أبرز الاتهامات المشينة لأعضاء بالحزب، والتي دفعت النائب عيد حماد عضو مجلس النواب عن حزب مستقبل وطن، للاعتذار إلى وزارة الداخلية، عما بدر من أحد العاملين لديه من تجاوزات عنيفة بكمين 15 مايو ضد ضابط شرطة أثناء تأدية عمله.
وتحفظت الأجهزة الأمنية بالقاهرة، وقتها، "على سائقه وبحوزته كمية كبيرة من مخدر الحشيش والشابو و2 طبنجة قبل أن يحاول الاعتداء على القوة الأمنية، فيما تفاجأ الضابط بوصول عضو مجلس النواب بعد القبض على سائقه ومحاولته الاستيلاء على السيارة المحرزة"، وفق ما نشر في حينه.
الحزب الوطني من جديد
"حزب مستقبل وطن، هو إعادة للحزب الوطني الديمقراطي، ولكن بصورة فجة وأكثر قتامة"، تقول منى عبد الراضي، عضوة المكتب السياسي بالحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، وأمين المرأة بالحزب.
ويعد هذا الاتهام من أكثر الاتهامات التي ترددها بعض قيادات المعارضة بحق حزب مستقبل وطن، حيث يربطون بينه وبين أداء الحزب الحاكم قبيل الثورة.

وتضيف عضوة المكتب السياسي بالحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، في حديثها لـ"فكر تاني"، أن حزب مستقبل وطن مثله مثل الحزب الوطني لا يعنيه سوى حشد الفقراء على أبواب اللجان الانتخابية بالزيت والسكر، وغلق المجال العام لإجبار أحزاب المعارضة على التحالفات الانتخابية معه، والحصول على الفتات.
"لا يقدر المرأة بالشكل الواجب دستوريًا، بدليل عدم تمريره للقوانين المنصفة للمرأة، ولم يظهر مرة واحدة مناضلاً في مشهد نضالي من أجل قضايا الناس في أي قضية مهمة مقابل تأييد مطلق للسلطة"، تضيف منى.
وكان أشرف رشاد الأمين العام السابق لحزب مستقبل وطن، صرح في عام 2015، بأن حزب مستقبل وطن، "لا يمانع فى ضم أعضاء من الحزب الوطنى ما لم يثبت تورطهم فى قضايا فساد".
في المقابل، يرفض رئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والاقتصادية، وصف "مستقبل وطن"، بأنه كالحزب الوطني، موضحًا أن الحزب البائد كان له سياسيات ضارة، ويرفع شعار "من لم يدخل الحزب الوطني فليس منا ولا معنا"، ويصنع معارضة ديكورية، ما أضر بالمجتمع، وهو عكس ما يفعله حزب مستقبل وطن حاليًا، بحسب تقديره.
ماذا قدم للحياة السياسية؟
وحول تقييمه لأداء الحزب السياسي خلال العشر سنوات الماضية، يرى محمد بدران مؤسس الحزب أن "مستقبل وطن" يشكل إضافة للحياة السياسية وخصمًا منها في نفس الوقت، موضحًا أنه كان إضافة في بعض الأمور كونه حزبًا قويًا مؤثرًا، ويمتلك قوة مالية كبيرة جدًا، وممتد في كل أنحاء الجمهورية.

ويضيف بدران أن الحزب كان خصمًا من قوة الحياة السياسية في بعض الأمور، بناء على نوعية الأداء الذي قام به، مثل توزيعه دعم عيني للمواطنين، تحت شعارات إيجابية ولكنه في ذات الوقت أضر بالانتخابات وآلية التصويت الحر، بحيث ربط تصويت المواطنين بالعائد المادي، لا القيم والسلوك والبرامج.
بدوره، يعتبر "عادل عامر" رئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والاقتصادية "مستقبل وطن" إضافة للحياة السياسية والنيابة، كذلك لأنه تعلم من التجارب السابقة ولم يكررها، وكان له دورًا في إحياء الحياة السياسية، ولكن الأزمة بحسب عامر، في عدم إذاعة جلسات البرلمان، ما حجب عن الجماهير قوة نوابه، وأدائهم القوي، ومجهودهم الكبير، بالمقارنة بباقي الأحزاب والنواب، محذرًا من استمرار حرمان الشعب من مشاهدة مجهود نوابه.
ويضيف عامر أن الحزب أثبت تواجده في الشارع بين الجماهير، لتبنيه مشاكل الشعب، خاصة الاقتصادية والاجتماعية، وما يخص التمكين الاقتصادي للمرأة، وإيجاد حلول اجتماعية لمشاكل الفقر والصحة والوعي الجماهيري في الريف، بما مكنه من نيل الأغلبية البرلمانية، وفق تقديره.
"تدمير الحياة السياسية"
في المقابل، يقول السياسي والحقوقي مجدي عبد الحميد:" حزب مستقبل وطن، طوال العقد الماضي، لم يفسد الحياة السياسية، فحسب، بل فعل أكثر، حيث دمر الحياة الحزبية وقام هو وباقي أحزاب السلطة، بإلغاء الحياة السياسية في مصر".
وبحسب مصادر سياسية تحدثت لمنصة فكر تاني؛ في وقت سابق، فإن حزب مستقبل وطن، لم يقدم المأمول منه رسميًا، ما جعل الترتيبات الأولية لانتخابات العام 2025 تتجه إلى اقتسام أحزاب مستقبل وطن والشعب الجمهوري وحماة وطن، الكعكة البرلمانية في مجلس النواب المقبل، مشكلين سويًا ما يمكن وصفه بــ ثلاثي الكعكة البرلمانية.

وتتفق منى عبد الراضي مع عبد الحميد، تقول لـ"فكر تاني":" لقد أفسد حزب مستقبل وطن الحياة السياسية، واستغل معاناة الناس والفقر لصالح حصد أكبر مقاعد في الانتخابات، وللأسف بعد ما وصل نوابه إلى المجلس صوتوا لصالح قوانين ضد العدالة، وتجاهلوا قوانين مهمة مثل الأحوال الشخصية ومفوضية مكافحة التمييز. وضعوها في الأدراج".
ويرى علاء الخيام كذلك، أن "مستقبل وطن"، كان سببًا في "إفساد الحياة السياسية بالكامل، عبر أعضاء ونواب لا يملكون كفاءة العمل الحزبي ولهم مصالحهم، بشكل أثر سلبًا على المشهد البرلماني والسياسي، عبر أداء هو الأسوأ في تاريخ كيانات الأنظمة المصرية في العقود الأخيرة" وفق رأيه.
ويضيف "الخيام" أن "كم القوانين الصادرة لصالح النظام لا المواطن، تكشف حقيقة راسخة لكل سياسي في مصر، خلال السنوات العشر الماضية، وهي أن "مستقبل وطن" جماعة في خدمة النظام لا حزبًا في خدمة الشعب، تأخذ تعليماتها من جهة إنشائها في مؤسسات الدولة، لا من أولويات الشارع المصري الذي يعاني في كافة المجالات، فضلاً عن غياب الفكر والأيدولوجية والبرنامج عنه".