في الحروب والنزاعات المُسلحة عادة ما تكون النساء على رأس قائمة الأكثر عُرضة للاستهداف، يدفعن ضريبة حُريتهن وحرية الأوطان، حتى وإن لم يكنّ طرفًا مباشرًا في الصراع، بينما الصحفيات في الصراعات يختبرن استهدافًا مزدوجًا للحقيقة التي يحاولن نقلها ولحريتهن أو لحيواتهن أيضًا.
والصحفيات في هذه الحالة هن الحلقة الأضعف، ليس فقط لكونهن نساء، بل لأن قتلهن يحمل أثرًا نفسيًا أشد إيلامًا، يتم توظيفه لخلق مزيد من الخوف تُمارس به أساليب القمع لباقي الصحفيين من الرجال بغرض منعهم من نقل الصورة الكاملة. ويزيد من تفاقم العنف الممارس ضد الصحفيات صمت المؤسسات الصحفية في الشرق الأوسط وعلى المستوى الدولي. ففي كثير من الأحيان، تكتفي هذه المؤسسات بإصدار بيانات رمزية أو تنظيم وقفات احتجاجية محدودة، دون اتخاذ خطوات فعلية لحماية المنتميات إليها.
ويزداد الوضع سوءًا في ظل غياب قوانين واضحة، وأدوات فعّالة للسلامة، بالإضافة إلى نقص التدريبات المتخصصة التي يمكن أن تساعد الصحفيات العاملات في مناطق النزاع على تجنب المخاطر التي يتعرضن لها.
في 30 سبتمبر الماضي، اغتالت إسرائيل الزميلة الصحفية الفلسطينية وفاء العديني، التي كانت تعمل مراسلة عن قطاع غزة لعدة صُحف إنجليزية وتنشط في تنظيم المؤتمرات ولقاءات دولية.
استطاعت العديني بقلمها نقل معاناة وطنها وشعبها إلى العالم، وهو ما أزعج الاحتلال الإسرائيلي، فاستهدف منزلها في منطقة دير البلح بقطاع غزة، ما أدى إلى استشهادها مع زوجها وطفليها. وبمقتلها، ارتفع عدد الصحفيين الشهداء في أحداث غزة منذ أكتوبر 2023 إلى 175، منهم نحو 20 صحفية، ما يجعل هذه الحرب أكبر صراع شهدته الصحافة من حيث عدد الضحايا في العصر الحديث.
ورغم جسامة الحادث، اكتفت بعض نقابات الصحفيين في الوطن العربي بإضافة صورة وفاء ضمن ألبوم الشهداء، دون اتخاذ خطوات ملموسة تتجاوز هذا التكريم الرمزي.
الأكثر استهدافًا للصحفيات
ومن أيقونة الإعلام الفلسطيني الراحلة شيرين أبو عاقلة إلى وفاء العديني، تتواصل حلقات استهداف الصحفيات الفلسطينيات.
جريمة اغتيال أبو عاقلة أثارت ضجةً وتعاطفًا واسعًا، بعد مقتلها في 11 مايو 2022 خلال تغطيتها لأحداث جنين، وكانت تعمل مراسلة لقناة الجزيرة.
استهدفت شيرين برصاصة في الرأس من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، التي أرادت إسقاطها وحال بينها وبين هدفها سترة الصحافة الواقية من الرصاص التي كانت ترتديها الراحلة.

ليس قتلها فقط، بل أيضًا منع وصول الإسعاف إلى موقعها ثم الاعتداء على مسيرة تشييعها، حكت زميلتها شذا حنايشة، وكانت شاهدة على الواقعة وعلى منع قوات الاحتلال وصول سيارة الإسعاف إلى المكان حيث سقطت شيرين، ما زاد من حدة الغضب تجاه الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة ضد الصحفيين والصحفيات في المناطق المحتلة.
في 13 سبتمبر الماضي، أصدرت "هيومان رايتس ووتش" تقريرًا يؤكد على ضرورة التحقيق العاجل في جرائم قتل واستهداف الصحفيين، واعتبار استهداف القوات الإسرائيلية للصحفيين "جريمة حرب".
جاء هذا التقرير بالتعاون مع 10 مؤسسات حقوقية وصحفية بالتزامن مع الذكرى الأولى لمقتل الصحفي اللبناني عصام عبد الله، الذي قُتل في 13 أكتوبر 2023 في جنوب لبنان.
توجهت المنظمات الحقوقية بتقريرها إلى لجنة التحقيق الدولية المعنية بمنطقة فلسطين المحتلة، مطالبةً إياها بنشر النتائج ومحاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات.
قبل أيام، استشهدت صفاء أحمد، الصحفية ومذيعة التلفزيون السوري، جراء القصف الجوي الإسرائيلي على دمشق.
استهداف النساء
من فلسطين المحتلة إلى النزاع في سوريا وصولًا إلى السودان، قد تختلف الجغرافيا وشكل النزاع، لكن الهدف يبقى واحدًا؛ النساء، وخاصة الصحفيات، هدفًا للقتل والانتهاكات الفادحة.
في السودان، تعرضت النساء لانتهاكات جسيمة، سواء داخل البلاد أو أثناء لجوئهن إلى دول الجوار في ظروف قاسية، حيث استُغللن من قبل الأطراف المتنازعة أو خلال رحلة الهروب على الحدود.
ونتيجة لذلك، فقد عدد من الصحفيات السودانيات أرواحهن، من بينهن حليمة إدريس سليم، مراسلة قناة "سودان بُكرة"، التي كانت واحدة من أولى الضحايا، قُتلت في 10 أكتوبر 2023، واستمر بعدها مسلسل استهداف الصحفيات حتى مايو الماضي، حين قُتلت الصحفية منال بسطاوي وطفلها جراء سقوط قذيفة على السيارة التي كانت تستقلها.
ومن فلسطين والسودان وسوريا، إلى مصر، لم تسلم الصحفيات من الاستهداف في فترات الانتقال السياسي والانفلات الأمني. وكانت أبرزهن الصحفية ميادة أشرف، التي قُتلت برصاص أنصار الرئيس محمد مرسي، في أحداث العنف بحي عين شمس في مارس 2014، أثناء تغطيتها للاشتباكات، وفق ما قضت به المحكمة آنذاك.
الصراع على الهوية
يعاني الأكراد في مناطقهم الأربعة؛ تركيا وإيران والعراق وسوريا، من اضطهاد متواصل يستهدف القضاء على هويتهم ولغتهم. ورغم ذلك، يستمر النضال على كل الأصعدة، سواء سياسيًا أو عسكريًا أو ثقافيًا أو فنيًا.
وتلعب النساء دورًا بالغ الأهمية في الدفاع عن تاريخهن وهويتهن ضد الاحتلال واستبداد الحكومات، ما يجعلهن أهدافًا للتصفية.
هنا، لا يمكن أن نغفل حادثة اغتيال الصحفية والمناضلة الكردية سكينة جانسيز، التي وقعت قبل 11 عامًا في باريس. وقد كشفت التحقيقات لاحقًا عن تورط حكومة تركيا في تصفيتها للتخلص من صوتها المزعج.
جاء في الجزء الأول من مذكراتها، المترجمة للعربية، أنها كانت تدرك مخطط استهدافها من قبل الدولة التركية.
وفي 23 يوليو الماضي، أصدرت إيران حكمًا بالإعدام على الصحفية الكردية بخشان عزيزي بتهمة معارضة النظام الحاكم. هذه الأحداث تبرز بشكل واضح حجم المعاناة التي تتعرض لها النساء الكرديات في سياق نضالهن المستمر من أجل الهوية والحرية.
كما استشهدت الصحفيتان كلستان تارا وهيروا بهاء الدين، 30 أغسطس الماضي، في منطقة السليمانية بكردستان العراق، حيث تعرضتا لاستهداف بطائرة بدون طيار من قبل الاحتلال التركي. جاء استهدافهن نتيجة لنضالهما المستمر عبر عملهما الصحفي من أجل حرية وطنهما، وقضيتهما الكردية، بالإضافة إلى قضايا النساء عمومًا.
وتُعتبر هذه الحادثة تجسيدًا للتهديدات التي تواجهها الصحفيات اللاتي يطالبن بحقوق شعوبهن، وتعكس التحديات الكبيرة التي تواجه النساء في سعيهن لتحقيق العدالة والمساواة في ظل النزاعات والصراعات.
انتهاك لحرية التعبير
"خلال سنوات الأزمة في منطقة الشرق الأوسط، لعبت الصحافة دورًا كبيرًا في تعرية حقيقة المؤامرات والخطط وكشف الحقائق، وتوعية الشعوب والعالم بحقيقة الثورات والحروب والصراعات وقضايا الشعوب. لذا، وجدنا أنه عند دخول جيش الاحتلال، بدأ يستهدف الإعلاميين بشكل متعمد، في انتهاك صارخ لجميع الأعراف والمواثيق والعهود الدولية والإنسانية، لكتم صوت الحقيقة"؛ تقول ليلى موسى، ممثلة مجلس سوريا الديمقراطية، لـ فكّر تاني.

وتؤكد موسى أن هذا الاستهداف قد تجلى بشكل واضح للصحفيات الكرديات من قبل الاحتلال التركي في سوريا والعراق، أو داخل تركيا نفسها، التي تصدرت قائمة الدول التي تمارس مصادرة حرية التعبير، الأمر الذي حول البلاد إلى سجن كبير، حيث وصل عدد المعتقلين إلى الآلاف.
دور الكرديات في مواجهة الاحتلال والتضحية من أجل الحرية
تضيف ليلى موسى: "لعبت الكرديات دورًا كبيرًا على مختلف الأصعدة، عسكريًا وسياسيًا ودبلوماسيًا ومجتمعيًا، في تعرية حقيقة سياسات الدولة التركية واستراتيجيتها التوسعية الاحتلالية، وفضح أدواتها من التنظيمات الإسلامية المتطرفة مثل داعش وأخواتها. لقد حققن انتصارات عظيمًا وساهمن في تحقيق الاستقرار والسلم الدوليين".
لذا، كما تُشير موسى، أن الحكومة التركية قد وجدت ضالتها في استهداف الصحفيات بالدرجة الأولى، ومن بين هؤلاء، كانت نوجيان في شنكال عام 2014، التي كانت صوت الإيزيديين الأحرار، والإعلامية دليشان وزملاؤها الذين استشهدوا على يد عناصر التنظيم الإرهابي أثناء تغطيتهم لمعارك عاصفة الجزيرة عام 2017.
كما استُهدفت سيارة تابعة لقناة المرأة، ما أدى إلى استشهاد السائق وإصابة مراسلة القناة، دليلة عكيد، بجروح خطيرة من قبل الدولة التركية. وآخر تلك الحوادث كان استهداف الإعلامية كليستان تارا وزميلاتها في مدينة السليمانية.
وتشير ليلى موسى إلى: "إن فقدان الشهيدات اللواتي يمتلكن خبرة وكفاءة عالية في الإعلام وإيصال صوت الحقيقة يمثل خسارة كبيرة لقضية الشعوب ومناصرتها. في ظل عالم التكنولوجيا والفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث لم تعد سياسات تركيا المتعلقة بحرية التعبير والرأي قادرة على إسكات صوت الحقيقة، فيمكن لكل فرد عبر هاتفه المحمول إيصال الحدث في وقت حدوثه، وهنا، نجد إصرارًا أكبر من قبل الكرديات على استكمال مسيرة الشهيدات والسير على نهجهن لإيصال قضيتهن للعالم".
وتؤكد موسى على أهمية أن يتبنى المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية والإنسانية القيام بمسؤولياتهم تجاه حماية الصحافيين والدفاع عنهم، وتقديم الجناة للعدالة.

اضطهاد النساء لا يتوقف عند رصاص الاحتلال وقذائف التيارات المتنازعة، بل يواجهن أيضًا حربًا اجتماعية لا تقل ألمًا وقتلًا. فهن يقعن تحت سيطرة النظام الأبوي الصارم الذي يفرض عليهن الذل عبر هيمنة ذكورية تقمعهن على كافة الأصعدة.
تتنوع هذه الانتهاكات ما بين التحرش والاعتداءات الجنسية التي يتعرضن لها دون وجود آليات حماية أو إرادة سياسية حقيقية لإنهاء هذا العنف من خلال إصدار قوانين صارمة لمناهضة العنف في الحياة العامة وداخل الأسرة، وأيضًا في بيئة العمل.
العنف المنزلي هو أحد أبرز أشكال هذه الانتهاكات، حيث يتم التعامل معه في بعض المجتمعات كأمر مفهوم ومبرر، ما يجعله يلقى قبولًا أو على الأقل عدم استنكار كافٍ. وفي الحالات التي تسعى فيها المرأة لطلب المساعدة أو تقديم بلاغ للشرطة ضد أهلها أو زوجها، تجد رفضًا وامتعاضًا وكأنها هي المسؤولة عن هذا العنف. هذه المواقف تضع النساء في مواقف أكثر هشاشة وتزيد من صعوبة التصدي لهذه الاعتداءات.
وتواجه المصريات على وجه التحديد، تمييزًا آخر في سوق العمل يزيد من معاناتهن، حيث يدفعهن إلى الحاجة المادية التي تضعهن في مواقف ضعف، ما يجعلهن عرضة للاستغلال من قبل الرجال.
يحدث التمييز بشكل ضمني في فرص العمل والترقيات والأجور على أساس الجنس، خاصة في القطاع الخاص. ويأتي ذلك دون مواجهة أي رفض مجتمعي حقيقي لإعلانات التوظيف التي تستهدف النساء وتحمل عبارات مثل "مطلوب آنسة حسنة المظهر"، وهو ما يعكس تمييزًا عنصريًا واستغلالًا جسديًا واضحًا.
هذه الإعلانات لا تهدر فقط كفاءات النساء، بل تختزل أدوارهن إلى مجرد أجساد يمكن استغلالها، ما يعكس حجم الإهمال والإجحاف الذي يتعرضن له في بيئات العمل، دون أي تقدير لمهاراتهن أو قدراتهن المهنية.