تستهويني شخصية جحا، كما تستهوي غيري من مُحبي مُلح وطرائف الأدب الشفاهي.
ما يروى عنه من نوادر، وما يُنسب إليه من مفارقات، تجعله نموذجًا مثاليًا لـ"الحَدَاقة" بقلب القاف ألفًا، وفق مدلول اللفظة منطوقًا في العامية المصرية، ومرادفها الحذاقة في الفصيحة، وهي سمة تروق للمصريين الذين تأسر الفطنة مشاعرهم، ويستملحون حسن التصرف وسرعة البديهة، إذ تُخرج صاحبها من المآزق كالشعرة من العجين.
يقولون على سبيل امتداح "الحِدِق": "ابن جنية" و"عفريت"، نزوعًا إلى تضخيم قدراته بالإحالة إلى تراث الأساطير حينًا، أو معجزات الأنبياء في القصص القرآني حينًا آخر؛ إنه مثل جن سيدنا سليمان، الذي عنده علم الكتاب.
المصريون يتعلقون بجحا لذلك، هو "الفهلوي" الذي يلقطها "وهي طايرة"، متقد القريحة سريع التصرف، وتلك شخصية طاغية النجومية.
في كتابه الرشيق "أبو نواس" يقارن أديبنا الكبير عباس العقاد، ما بين الشاعر الذي عاصر العصر العباسي، وبين شخصية جحا، فيقرر بعين الناقد اللمّاح والباحث المترَّيث، أن الشاعر العابث مثله مثل جحا، لم يكن بطل معظم الروايات المتداولة عنه في الأدب الشفاهي، فكثيرها موضوعٌ من وحي خيالات الناس، وفيه جنوح إلى التضخيم والتهويل، لإنتاج "الخلطة الشعبوية" التي ترضي مزاج العامة.
والمعلوم أن ظاهرة اختلاق الروايات لم تقتصر على أبي نواس وحده، فالناس متى يجدون شخصية مثالية يسارعون إلى تأليف السيناريوهات عنها، على غرار عنترة بن شداد والحكيم أبي قراط وحاتم الطائي وغيرهم.
وحتى يغدو الاختلاق مُستساغًا، لا بد أن يتحرى دسَّ أخبارٍ مناسبة لشخصية "المختلّق عليه"، لا تجافي ما يطغى عليها من سمت وسمات وطبائع، فليس واردًا على سبيل المثال، أن تنسب إلى عنترة واقعة للجبن، أو إلى الحكيم أبي قراط ما يوحي بالغباء، أو إلى الطائي أنه ردَّ جائعًا أو قتَّر على سائلٍ تقتيرا.
فيما يتعلق بالمأثورات عن الشاعر العباسي، فإن ذلك غير متحقق، إذ تتضارب أخباره تضاربًا حادًا، بما يجعلك تحس أنك إزاء أكثر من أبي نواس، ومن ذلك مثلًا أن ما يتحاكى به العوام من نوادر فصاحته وسرعة بديهته، ليس عقلانيًا أن ينتمي إلى خصاله، ذلك أنه كان ألثغ، رفيعًا صوته، خجولًا قلمّا يتكلم في جمع من الناس، إلى حد أنه كان أقرب إلى الانطوائية، رغم شعره الماجن أو العابث.
كذلك جحا تدور حوله الحكايات، فيتناقلها البسطاء في مجالس اللهو، وهم يظنون أنها حدثت بالفعل في زمن ما، لكنهم لا يعرفون ذاك الزمن، كما لا يعرفون حتى مكان حدوثها، والأكثر من ذلك لا يعرفون ما هو أصل جحا؟
الاختلاق العصري على وسائل التواصل
يُحيلنا هذا التضارب إلى فوضى وسائل التواصل الاجتماعي، التي تفتري كذبًا على أدباء ومفكرين وفلاسفة، فتُبعثِّر لهم مقولات على صفحاتها، ليس ممكنًا تصديق أنهم تفوهوا بها، إلا إذا اعتقدنا مثلًا أن النابغة الذبياني هو مؤلف "سكر محلي مرشوش على كريمة"، هذا بغض النظر عن السؤال الموضوعي عن وجود السكر المُحلى، والسكر المملَّح.
أفكرُ أحيانًا في لو أن واحدًا من "المتقوَّل عليهم" قد بُعِث من مرقده، فرأي بعينيه اللتين أكلهما دود الأرض، ما يهذي به العامة وجهابذة "السوشيال ميديا"، لمَّا تردد عن إطلاق صوت سكندري حلقي خشن، تعبيرًا عن الاعتراض، وأسفًا على العمر الذي أفناه عبثًا وهو يقرأ ويكتب ويفكر.
إزاء هذا التفكير المتعاطف، كثيرًا ما أتولى مهمة الصوت السكندري بنفسي، إذ يندفق من حلقي انفجاريًا عارمًا، وبصورة لا إرادية، وذلك بحكم انتمائي الحميم لمسقط الرأس وحبيبة القلب عروس البحر الأبيض، وتعلقي الفخور بعادات أهلها بكل وقاحتهم الجميلة؛ تعلُّقَ السجين السياسي بصور أحبابه المخبئة في ملابسه، خوفًا من وقوعها بين يدي مخبر غليظ القلب.
نعود إلى جحا، فالغموض حول ما يحيط به، والخلافات بشأنه تبدأ من الألف ولا تنتهي إلا عند الياء.
خلافاتٌ تبدأ من التشكيك فيما إذا قد كان قد تواجد بالفعل، ثم وإن وُجد، فهنالك التشكيك في الحقبة التاريخية التي عاش فيها، ومن ثم التشكيك في أصله، فليس هناك جحا واحد، بل "جحاوات".
جحا العربي هو أبوالغصين الفزاري، الذي عاصر الدولة الأموية، وللأتراك أيضًا "جُحاهم"، وهو الشيخ نصر الدين خوجه، وقد عاصر الحكم المغولي للأناضول، وهناك حكايات يوردها الأدب العالمي عن مساجلاته مع تيمور لنك، وهناك جحا الإيراني مُلّا نصر الدين، وجحا الإيطالي جوخا، والأرمني أرتين، والألماني كلوس نار، والروسي لاكيرف، والصيني الأفندي.
كلٌ يدّعي قُربًا لجحا، وجحا لا يعير أحدًا اهتمامًا، ذلك لأنه والحال كذلك من كثرة "الجحاوات" مستحيلٌ أن يكون قد تواجد في أي زمان ومكان، أو "مش موجود في الوجود"، كما تقول الحكمة الخالدة التي أطلقتها "مواطنة شريفة" في وصلة ردح لباسم يوسف.
جحا إذن من بنات قرائح شعوب عدة، على مدى حقب تاريخية متلاحقة لا حقبة بعينها.
لكن لماذا يعبر هذا "الجحا الخرافي" الأزمان والخرائط؟
الظاهر أن الشعوب؛ العرب والأتراك والفرس والأرمن والإيطاليون والصينيون والروس وغيرهم، قد تعمَّدوا اختراع أولئك "الجحاوات" لممارسة النقد السياسي لسلاطين وولاة ديكتاتوريين أو فاشلين، أو يجمعون على الأرجح السيئتين، فاستعاروا ألسنة تلك الشخصية الوهمية، للسخرية من القامعين الباطشين، والتهرّب كذلك من العسس والاستخفاء عن الجواسيس.
كان جحا محاولة عابرة للقارات والعصور لإشباع الحاجة الإنسانية إلى النقد.
لقد أراد الناس فيما يبدو أن "يشيلوه الجريمة"، حينما كانت كلمة الحق في وجه القامعين الباطشين، هي أكبر الجرائم.
في ظني أن ذلك يضفي قيمة معنوية أعلى على حكاياته، إنه مثل الجندي المصري "الغريب" في فيلم المخرجة أنعام محمد علي، الذي يحمل الاسم ذاته، فكلما تمشَّى من عصر إلى عصر، كلما تعاظمت الدلالات المستقاة من حكاياته أثرًا وتأثيرًا.
وهو الأراجوز الذي كان يصدح بكلمة الحق، في الحارات الضيقة والقرى التي تعيش على هوامش الجغرافيا والتاريخ.
جحا يُعرّي الفساد السياسي والاجتماعي
يعزّز هذه الفكرة، أن جحا في جميع المأثور عنه، كان يُعرِّي الفساد السياسي والاجتماعي، عبر قصص غاية الرشاقة، يبدو فيها ذكيًا أريبًا مرةً وغبيًا بليدًا تارةً، فحالته هو تختلف لكن الرسالة دائمًا محددة الهدف؛ السخرية من حاكم ديكتاتور، أو هدم أفكار وممارسات اجتماعية سلبية.
من الأمثلة على نوادره في نقد المجتمع، أنه ابتاع من السوق حمارًا في يوم قائظ، فامتطاه قافِلًا إلى بيته، فإذا بالناس يلومونه على قسوته، فهبط وترجل فسألوه ولماذا اشتريت الحمار؟ فما كان إلا أن حمل الحمار على كتفيه.
هذا نقد اجتماعي غاية في الرشاقة، خفيف الظل لكن خفته لا تخل بعمق مغزاه؛ إنه يستقبح تدخل الناس في شؤون بعضهم بعضًا، وينتقد أن يُستجاب لهم، ذلك أن إرضاءهم غاية لا تُدرك.
وفي النقد السياسي، يُحكى أن السلطان خرج على جحا عاريًا إلا من مئزر حول خاصرته، فأراد أن يستفز قريحته أو باللهجة المحكية "ينكشه"، فسأله: لو عُرضت عليك في السوق بكم تشتريني يا جحا؟
قال من فوره: بخمسين دينارًا.
قال السلطان: ويحُكَ إن ثمن المئزر وحده خمسون دينارًا، فأجابه: إذن لقد حسبت الحسبة بدقة.
لا تذكر القصة مَنْ ذاك السلطان، وبذلك تغدو رسالتها لكل سلطان نرجسي مغرور: إنك لا تساوي أكثر مما ترتدي، إن شحمك كله ورم، كما يقول المتنبي، ودور جحا هنا لا يعدو إلا أن يكون دور ساعي البريد، أو هو الأثير الذي ينقل الموجات؛ صوت الناس.
وأخيرًا يتندر الرواة بأن جحا توجَّه ذات ليلة إلى الخلاء لقضاء حاجته، والظاهر أن المهمة كانت عسيرة، وقد استغرقت وقتًا فوق ما ينبغي، فطفق يدندن بأغنية ما، فاستعذب نبرات صوته، فتفتق ذهنه على ألا يبخل بموهبته على الناس، الذين لا يليق أن يبقوا محرومين من حنجرته الذهبية.
صبيحة اليوم التالي، مضى إلى السوق في أوج ازدحامه، فتسلق شجرةً فاعتلى فروعها، ثم رفع عقيرته بموَّالٍ عالي الطبقات، وعندئذٍ شرع الناس يصرخون في وجهه: انزل يا جحش، ولمَّا لم يعرهم انتباهًا قذفوه بالحجارة، فهبط الشجرة غاضبًا، ثم قال لهم: لو أن مُحسنًا يتبرَّع ببناء حمام، لأسمعتكم غناءً أعذب من أغاريد العنادل.
إن الأزمة ليست في أن صوته كخوار الثيران أو ثغاء الخرفان، بل في الناس الذين لا يوفرون له البيئة المناسبة للغناء؛ الحمامات.
كذلك يحدث كثيرًا، أن يبالغ إنسان في تقدير ملكاته ومواهبه، والحال قد ينطبق على حكومات تغني لشعوبها، أو قل تغني عليهم، ولم يبق إلا أن تُقرِّعهم وتعايرهم لأنهم لم يبنوا لها حمامات، وقد تُلوّح بتطبيق آليات اقتصاد الحرب.