في الأسابيع التي تلت السابع من أكتوبر 2023، كان العالم يترقب مجرى الأحداث في الشرق الأوسط، ليس فقط لتقييم رد إسرائيل على هجوم حماس، بل لمعرفة كيف تستجيب الجماهير في مختلف الدول العربية.
وقتها، توقع كثيرون، كما تقول كاترينا روجيرو، الباحثة في المركز الإيطالي لدراسات السياسية الدولية (ISPI)، اندلاع موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية -على غرار ما حدث في 2011- دفاعًا عن القضية الفلسطينية.
إلا أن شيئًا لم يحدث.
لم يشتعل "العالم العربي" كما كان يتوقع له؛ إذ واصل الاحتلال الإسرائيلي جرائم الإبادة الجماعية بحق ما يزيد عن مليوني نسمة، يعيشون تحت حصار وقصف واجتياح وقتل متواصل -إلى اليوم- في مساحة ضيقة جدًا من العالم، اسمها غزة التي تبلغ 360 كيلومتر مربع تقريبًا، وقد غاب في التعامل معها كل التزام بمعايير القانون الدولي الإنساني.
تحلل كاترينا روجيرو الوضع عربيًا في السنة التي تلت أحداث السابع من أكتوبر وعواقبها الضخمة، فتقول إن "الحكومات وأجهزة الأمن للأنظمة العربية" اتخذت خطوات متعددة لاحتواء الغضب الشعبي منأعمال القتل في غزة.
إذ لم تكن هذه مسألة تتعلق بالقانون والنظام بقدر ما كانت وسيلة لضمان عدم تأثير الاحتجاجات على المصالح العليا لهذه الحكومات.
وبدلًا من دعم التعبيرات الشعبية المؤيدة لفلسطين دون تردد، سعت كل حكومة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية الخاصة، التي تركزت أساسًا على الحفاظ على الوضع الراهن، وأحيانًا على حماية اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل.
وبعبارة أخرى، أرادت الأنظمة العربية تجنب أي تقويض أو تحدٍ لأولوياتها، من خلال إعادة ظهور التحركات العابرة للحدود التي تنظمها المجتمعات المدنية، والتي تم إبعادها عن الساحة السياسية منذ العام 2011.
تاريخ الاستغلال الحكومي العربي للقضية الفلسطينية
لطالما كانت القضية الفلسطينية مركزية في خطاب الدول العربية منذ مرحلة ما بعد الاستعمار. وكانت أول نتيجة ملموسة للإيديولوجيا القومية العربية، التي هدفت حينها إلى توحيد جميع الدول العربية من الخليج العربي إلى الأطلسي تحت حكومة واحدة، هو تأسيس جامعة الدول العربية في عام 1945. ومنذ تأسيسها، أصبحت القضية الفلسطينية قلبها النابض، والموضوع الموحد لجميع الدول الأعضاء، بدءًا من الأكثر تحفظًا إلى الأكثر ثورية.
ومع ذلك، كما كان واضحًا بالفعل خلال الحرب الأولى ضد الدولة الإسرائيلية المعلنة حديثًا (1948-1949)، كانت وراء المظاهر المشتركة للمعارضة للصهيونية انقسامات عميقة بشأن الاستراتيجيات والطموحات الدقيقة لكل دولة، كما تقول كاترينا روجيرو.
اقرأ أيضًا: "أيلول أسود جديد".. من الأردن إلى غزة وبيروت

حرب العام 1948تضيف روجيرو أن القومية العربية كانت في جوهرها إيديولوجيا جيدة لإشعال الحماس في الجماهير العربية التي كانت مشحونة بالنضالات من أجل التحرير، ثم اهتزت بظهور إسرائيل، قبل أن تأقلم الأنظمة العربية نفسها باستغلاله للإبقاء على حماس الجماهير المشحونة.
ووفق هذه الرؤية، فإن الحروب العربية الإسرائيلية الأربعة التي خاضتها الحكومات العربية اندلعت -كما تقول روجيرو- من أجل المصالح الوطنية الخاصة لهذه الحكومات، وليس حقًا بغرض تعزيز إقامة دولة فلسطينية.
وللتدليل على ذلك، تشير روجيرو إلى التعاون الموثق بين الأردن والصهاينة خلال المرحلة المتوترة النهائية من الانتداب البريطاني، وأزمة قناة السويس عندما تم تتويج عبد الناصر بطلًا للعالم العربي بفضل قدرته على مواجهة الاستعمار القديم، ولكن ليس إسرائيل بشكل كبير. وأيضًا وانهيار الجبهة القومية العربية في حرب الأيام الستة عام 1967، وأخيرًا، حرب أكتوبر عام 1973 التي خاضها أنور السادات في مصر وحافظ الأسد في سوريا لاستعادة سيناء والجولان فقط.
وقد تشابه هذا التطويع السياسي العربي للقضية الفلسطينية مع تهديد منظمة أوبك -التي تسيطر عليها دول الخليج- بقطع إمدادات النفط عن الدول الغربية حتى تحرير جميع الأراضي المحتلة في عام 1967، ثم التراجع في النهاية عن هذا التهديد، مع الحفاظ على الحظر لفترة خمسة أشهر فقط.
ووفق روجيرو، فلا دليل أبلغ على موت القومية العربية أكثر من اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل في عام 1979، التي تحولت المنطقة بعدها إلى إيديولوجيا جديدة، الإسلاموية، التي استفادت مما اعتبر القوة الحقيقية والوحيدة للشعوب العربية، وهو الإسلام.
ومع الانتفاضة الأولى (1987-1993)، أصبح الصراع فعليًا إسرائيليًا فلسطينيًا، وأصبح دور الحكومات العربية ثانويًا بشكل متزايد مع اتفاقيات أوسلو اللاحقة. ثم اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بعد ذلك بحق الدولة اليهودية في الوجود، ووقعت الأردن أيضًا معاهدة سلام مع إسرائيل في عام 1994، فانتهى كل شيء تقريبًا.
ومع ما تلا السنوات العنيفة من الانتفاضة الثانية (2000-2008)، استقر الوضع، وانخفضت بشكل خطير فرص حل الدولتين، ثم آل الوضع إلى "تطبيع" العلاقات مع إسرائيل من قبل أربع دول عربية: الإمارات العربية المتحدة والبحرين والسودان والمغرب.

الفلسطينيون لا يزالون في وعي الشعوب العربية
ومع ذلك، ترى روجيرو أنه بغض النظر عن القرارات المتخذة من قبل الحكومات العربية المختلفة، لا يزال الشعور السائد بين ملايين العرب في جميع أنحاء العالم هو الإحساس بالظلم المرير والاستياء العميق تجاه مصير الفلسطينيين الذين حُرموا من حق تقرير المصير، بينما يتساقط مئات آلاف الضحايا منهم في نضالات من أجل التحرر من الاستعمار.
ظهر هذا الاستياء الشعبي العربي في الأسابيع الأولى بعد السابع من أكتوبر 2023، حين أُتيحت فرصة محدودة لهذا الشعور أن يعبّر عن نفسه من خلال مظاهرات شعبية، غالبًا ما كانت منظمة من قبل الأنظمة نفسها.
في الجمعة الأولى بعد هجمات حماس، في 13 أكتوبر 2023، تجمعت حشود من الناس بعد الصلاة في الشوارع الرئيسية في بغداد وعمان وبيروت ودمشق والمنامة والدوحة وصنعاء وتونس. وفي 15 أكتوبر، خرج عشرات الآلاف في الرباط من جميع أنحاء البلاد للتظاهر. كما تم تنظيم مظاهرات في تونس وطرابلس في 18 أكتوبر. وفي 19 أكتوبر، أُقيمت مسيرة ضخمة في الجزائر. وفي القاهرة في اليوم التالي، الجمعة 20 أكتوبر، ملأ الآلاف ميدان التحرير لأول مرة منذ عشر سنوات.

(وكالات)
لم يبعد هذا التفاعل الشعبي أيضًا كثيرًا عن محاولة استغلاله من قبل الحكومات، كما تقول روجيرو.
ففي البلدان الشمال إفريقية، أثارت الأنظمة الحاكمة الساحات بحثًا عن شرعية شعبية، تتعرض بشكل متزايد للأزمة بسبب الصعوبات الاقتصادية. ومع ذلك، تراجعت الاحتجاجات في الأسابيع التالية؛ إذ تم منعها ماديًا من قبل حكومات الجزائر ومصر، اللتين كانت كل منهما تعي الذكريات القريبة للأحداث المروعة من الربيع العربي.
منذ البداية، انفصلت سوريا الأسد تمامًا عن الأحداث الجارية في غزة، كما هو الحال في ليبيا؛ إذ لا تزال كلتا الدولتين تركزان بشكل كبير على السيطرة على آثار الحروب الأهلية الخاصة بهما، بحيث لا تستطيع السماح لمجموعات كبيرة من المواطنين بالخروج إلى الشوارع للاحتجاج.
أما خليجيًا، فقد أطلقت البحرين منذ نهاية أكتوبر 2023 حملات اعتقال وقمع لوقف أي حركة قد تتحدى أي شكل من أشكال العلاقات التجارية مع إسرائيل الناتجة عن اتفاقيات التطبيع. وبطريقة أكثر تطرفًا، لم يُسمح في الإمارات العربية المتحدة لأي مظاهرات جماهيرية مؤيدة لفلسطين على الإطلاق، كما منعت السعودية رفع أي علم غير علم الدولة السعودية، ولم تؤيد أيضًا أي تحرك شعبي داعم للفلسطينيين.
وباستثناء ذلك، استمرت المظاهرات بشكل منتظم هذا العام في المغرب، والأردن، واليمن، التي انطلقت فيها المسيرات الكبرى أيام الجمعة، واستغلها الحوثيون أيضًا لكسب شرعية شعبية لفتح "جبهة قتال" في البحر الأحمر.
وعلى نحو مفارق، انطلقت في الدول الغربية والأمريكتين مظاهرات واحتجاجات واسعة؛ تأييدًا للحق الفلسطيني في تقرير المصير، ورفضًا للدعم الغربي والأمريكي لآلة القتل الإسرائيلية.
اقرأ أيضًا: شايلوك في مروج الجليل.. تزييف التاريخ الفلسطيني في الأدب الأمريكي
لا أمل قريب في التهدئة
رغم هذا التحول في التأييد الشعبي الغربي للقضية الفلسطينية، ليست هناك -إلى الآن- مؤشرات جادة على فرص تهدئة قريبة للوضع المشتعل في المنطقة العربية.

فالعدوان يتصاعد على غزة ولبنان، بينما تتصاعد التهديدات العسكرية بين إسرائيل وإيران، بكل ما تحمله من مخاطر اندلاع حرب إقليمية عنيفة، فيما لا يبدو أن الولايات المتحدة لديها قدرة التأثير الكافية على موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المتشدد أو الضغط للوصول إلى تهدئة ولو حتى مؤقتة.
هذا الوضع يتناوله بالتحليل جيانلوكا باستوري، أستاذ تاريخ العلاقات السياسية بين أمريكا الشمالية وأوروبا بكلية العلوم السياسية والاجتماعية في الجامعة الكاثوليكية بميلانو، في تقرير بـ (ISPI).
يقول: "في الأشهر الأولى، أثبتت دبلوماسية واشنطن فعاليتها في منع انتشار العنف إلى لاعبين آخرين. ومع ذلك، كانت هناك حدود واضحة أمام إدارة بايدن في تعاملها مع نظرائها العرب. يتشارك معظم العالم العربي، سواء من الناس أو النخب، تصورًا عميق الجذور للولايات المتحدة على أنها مؤيدة لإسرائيل. وهذا يجعل من غير المرجح أن تُقبل الولايات المتحدة كوسيط نزيه في أي اتفاق سلام موثوق".
علاوة على ذلك، أوضحت الحكومة الإسرائيلية -في وقت لاحق- عداءها لأي تدخل أمريكي فيما تعتبره قضية داخلية بحتة وأولوية أمنية غير قابلة للتفاوض.
تحديات الحملات الانتخابية
يرى باستوري أن الحملة الانتخابية الرئاسية وهي على الأبواب الآن ساهمت في مزيد من تعقيد الأمور أمريكيًا.
فالحاجة إلى عدم استعداء قطاعات كبيرة من قاعدة الحزب الديمقراطي، التي تضم مشاعر متباينة تجاه فلسطين وإسرائيل، أجبرت الرئيس بايدن على اتخاذ موقف غامض غالبًا.
لقد أظهرت الاحتجاجات الواسعة المؤيدة لفلسطين، سواء داخل الحرم الجامعي أو خارجه، أن العديد من الناخبين الديمقراطيين يختلفون مع أجندة البيت الأبيض الرسمية.
في المقابل، استغل الحزب الجمهوري هذا الوضع لزيادة الضغط على بايدن. وضاعف دونالد ترامب من موقفه المؤيد لإسرائيل، متهمًا الديمقراطيين بتعاطفهم مع فلسطين وحماس. حتى أن ترامب وصف بايدن بأنه "فلسطيني" ولقب زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ تشاك شومر بأنه "عضو فخور في حماس"، داعيًا المنظمات السياسية اليهودية الأمريكية لدعم حملته وطموحاته الرئاسية.

الانتخابات التشريعية وتأثيرها
تُعتبر الانتخابات التشريعية -كما يقول باستوري- ذات أهمية مثل الانتخابات الرئاسية تمامًا. ففي التاريخ السياسي الأمريكي، غالبًا ما كانت الهيئة التشريعية عائقًا أمام تنفيذ سياسات الرئيس، حتى عندما يأتي الرؤساء من نفس الحزب الذي يشغل أغلبية الكونجرس.
يقول باستوري: "القضايا المتعلقة بالشرق الأوسط تعتبر مثيرة للجدل بشكل كافٍ يسمح بظهور مواقف عبر الأحزاب وخرق الانضباط الحزبي".
وفي هذا السياق، ستعتبر نتائج انتخابات مجلسي الشيوخ والنواب بنفس أهمية نتائج الانتخابات الرئاسية، على الرغم من أن عدم وجود أغلبية واضحة لا يضمن التعاون السلس بين المؤسسات.
سيلعب توازن القوى داخل الأحزاب دورًا مهمًا أيضًا، خاصة بالنسبة للديمقراطيين.
على مدى السنوات الأربع الماضية، كانت الصراعات بين مكونات الحزب المختلفة غالبًا ما تعيق تنفيذ العديد من مبادرات البيت الأبيض.
سيكون من المهم أيضًا معرفة الفريق الذي سيشكله المرشحان إذا تم انتخابهما.
يقول باستوري: تبرز الشائعات حول الأسماء المحتملة للمناصب الوطنية الأمن الوطني مواقف مختلفة جذريًا، حيث يركز فريق ترامب (الذي قد يتضمن إلبريدج كولبي، نائب وزير الدفاع السابق) على تحويل موارد الولايات المتحدة لمواجهة صعود الصين وتقليل الالتزام بمناطق أخرى.
وعلى أي حال، يرتبط احتمال تخفيض واشنطن لمشاركتها في الشرق الأوسط ارتباطًا وثيقًا بتعزيز وإعادة إطلاق اتفاقات أبراهام، كما يرى باستوري. وهي رؤية تشاركها هاريس ومستشار الأمن القومي الحالي فيل جوردون جزئيًا.
ومع ذلك، فإن دعم هاريس لحل الدولتين ورغبتها في أن تكون أكثر حزمًا تجاه إسرائيل يثير التساؤل حول مدى قوتها في دفع موقفها من البيت الأبيض، خاصة في ظل التحولات السريعة التي تشهدها landscape الأمنية في الشرق الأوسط.