"في عام 1936، أسست ليلى دوس مع مجموعة من زميلاتها جمعية تحسين الصحة، وهي تجربة تمثل جيلًا من النساء، كسرن عزلتهن عبر العمل التطوعي المرتبط بمشكلات ومعاناة المجتمع المصري. وليس من المبالغة القول بأن تاريخ ليلى دوس جزءًا لا يتجزأ من تاريخ الحركة النسائية المصرية، بعيدًا عن النضال السياسي المباشر".
بهذه الكلمات من مقدمة كتاب "عشت وشفت.. مذكرات ليلى دوس" يُمكننا الدخول إلى عالم غني بالتجارب والخبرات الإنسانية الملهمة التي عاشتها الحقوقية المصرية ليلى توفيق دوس (1917-2015) على مدار أكثر من نصف قرن من العمل العام.
المذكرات المكتوبة باللغة الإنجليزية، والتي صدرت في طبعتها العربية عن مركز "المحروسة" للنشر والخدمات الصحفية والمعلومات بالقاهرة، ترجمة لميس النقاش، وتقديم الباحثة ملك رشدي. ويتضمن الكتاب خمسة فصول، هي: "الحياة الخاصة، والبحث عن رسالة، وتأملات في تاريخ مصر الحديث، والبحث عن المعرفة والتنوير، وبداية أخرى جديدة"، بالإضافة إلى خاتمة وصور شخصية مميزة.
ليلى توفيق دوس، المعروفة بـ "لي لي" دوس، تُعتبر واحدة من رائدات العمل الأهلي في مصر، وُلدت في محافظة أسيوط في يوليو 1917، وهي ابنة توفيق باشا دوس، المحامي والسياسي البارز وعضو لجنة الثلاثين التي وضعت دستور 1923.
بدأت ليلى علاقتها بالعمل العام في سنوات مبكرة من شبابها، حيث كرست جزءًا كبيرًا من حياتها لخدمة المجتمع.
اقرأ أيضًا:لماذا أحببت نوال السعداوي (1-5)
النشأة والتكوين
في الفصل الأول من مذكراتها، تستعيد ليلى دوس ذكريات طفولتها بدقة، في محافظة أسيوط، حيث وُلدت وعاشت حتى مرحلة المراهقة، في كنف واحدة من أكبر العائلات. فقد كان جدها، حبيب شنودة، عمدة أسيوط، بينما تنتمي جدتها لعائلة ويصا الشهيرة في صعيد مصر.
تصف ليلى جدها لأمها قائلة: "كان جدي حبيب شنودة عمدة أسيوط، وشديد الثراء، إذ تتكون ثروته من أراضي وأملاك ودخل من معاملات تجارية، بما في ذلك ما أُطلق عليه 'تجارة الرقيق' كما كان يثرثر المغرضون. أما جدتي، المعروفة باسم 'تيتة'، فكانت تنتمي لعائلة ويصا، وكان اسمها لويزة. كانت إنسانة طيبة، تزوجت في الثالثة عشر، وعلى الرغم من إصابتها بداء الفيل، أنجبت ثمانية أطفال".
تتحدث ليلى أيضًا عن طفولتها، حيث كان النادي يشكل مكانًا لتجمع الأطفال من عائلات كبيرة من المسيحيين والمسلمين، مثل عائلات خشبة وعلوبة وويصا وخياط ودوس. "لم نكن نعرف التفرقة الدينية في تلك الأيام، وكان الاختلاف الوحيد يكمن في جنسية المربيات، حيث فضلت العائلات المسلمة المربيات الفرنسيات، بينما اختار الأقباط التعليم الإنجليزي".
تتأمل ليلى كيف ساهمت طفولتها في تشكيل شخصيتها وأفكارها ورؤيتها للحياة، إذ تُعتبر سنوات النشأة مرحلة محورية في مسار الفرد. وتقول: "يراني الكثيرون نبتة برية اختارت حياة الحركة والمغامرة. أبدو ضئيلة الحجم، فأنا لا أتعدى 156 سنتيمترًا، ولست فائقة الجمال، لكن ملامحي لطيفة".
تُشير ليلى إلى أسلوب حياتها، قائلة: "لم أستخدم مساحيق الوجه قط، إذ اعتبرتها مضيعة للوقت. ولم أكن مغرمة بالتسوق، فكنت أختار الأحذية المريحة فقط. كما كنت أكره ارتداء حمالات الصدر ومشدات الوسط، رغم أنها كانت موضة في شبابي، لأنني كنت أرفض القيود التي تفرضها على حرية جسدي".
اقرأ أيضًا:لماذا أحببت نوال السعداوي.. الختان(2-5)
التنوع الثقافي
تأثرت ليلى دوس كثيرًا بالتنوع الثقافي داخل طبقتها الاجتماعية الأرستقراطية. ورغم الحضور الطاغي للثقافتين الإنجليزية والفرنسية في حياتها من خلال منظومة التربية والتعليم في المدارس الأجنبية، ساهمت طبيعتها الشخصية وتمردها والدور الوطني لوالدها في العمل السياسي في الحفاظ على هويتها وعدم الانزلاق في التغريب.
تقول: "يمكن القول إنه بالرغم من كوني مصرية صميمة، إلا أن شخصيتي اكتسبت شيئًا من السلوك الإنجليزي والثقافة الفرنسية. كان التمرد سمة من سماتي الشخصية، فكنت ناقدة للأوضاع السياسية والاجتماعية التي حكمتها قوانين تتسم برغبة الحفاظ على المظاهر الكاذبة وبضيق الأفق".
تشير ليلى إلى أنها منذ طفولتها كانت تواقة لحرية الفكر والحركة والتجربة: "لم يكن الأمر سهلًا بالنسبة لي في ذلك العالم الذي نشأت فيه في بداية القرن العشرين. وعلي أن أعترف أيضًا أنني عاطفية بشكل متطرف، وقد قادتني مشاعري القوية إلى إدمان بعض جوانب حياتي، سواء في العمل أو المتعة. لقد أخلصت دائمًا لكل من أحببت".
في عام 1927، قرر والدها الانتقال بالعائلة إلى القاهرة، حيث استأجروا شقة في جاردن سيتي، ولم ينقلوا سوى مكتبة تضررت خلال ثورة 1919. ثم اشترى أرضين لبناء بيتهم الجديد، وفي عام 1932 انتقلوا إلى فيلتهم بحي الزمالك، الذي كان يقتصر في ذلك الوقت على الفيلات الخاصة.
تروي ليلى قصة عن بناء هذا المنزل، مشيرة إلى أن المعماري الإيطالي "جيدو جافازي" قدم تصميمًا للبيت دون شرفة مطلة على النهر، مما أثار استغراب والدها، الذي أصر على إضافة شرفة كبيرة بعرض المبنى. وعلى الرغم من عدم موافقة المهندس في البداية، أصبح فخورًا بالنتيجة النهائية.
تتابع ليلى واصفة منزلهم الذي تضمن طابقين وبدروم، حيث عمل فيه ثلاثة خدم نوبيين معروفين بأمانتهم وجديتهم. كان مسموحًا لهم باستضافة أقاربهم، بينما كانت الخادمة تتولى الأعمال في الطابق الثاني. كما تولى رجل كي الملابس والطباخ والسائق مهامهما، مع وجود جناينيين يتولون العناية بالحديقة، حيث كان أعلى راتب يُدفع في تلك الأيام يقدر بثماني جنيهات شهريًا، بالإضافة للوجبات.
اقرأ أيضًا:ماذا أحببت نوال السعداوي.. الحجاب وتعدد الزوجات (3-5)
سنوات الدراسة
تنقلت ليلى دوس في سنواتها التعليمية الأولى بين مدارس مختلفة، إذ التحقت في البداية بالمدرسة الإرسالية الأمريكية في أسيوط عام 1922، والتي كانت "المدرسة الوحيدة للبنات في أسيوط"، وحملت لها الكثير من الذكريات الجميلة. لكن عائلتها انتقلت إلى القاهرة، لتلتحق ليلى بمدرسة "القلب المقدس" للراهبات، وهي مدرسة داخلية.
تصف ليلى حياتها في المدرسة بقولها: "منذ اللحظة التي نستيقظ فيها وحتى عودتنا إلى الفراش، كان يسود المدرسة نظام صارم. قضيت ليالي الأولى في بكاء حارق، ولم يكن وجود ماما ليهون علي أو تستمع لشكوائي". وتوضح أنه كان عليها الالتزام بقواعد وتعليمات الراهبات بلا اعتراض، مما جعلها تشعر وكأنها في "معسكر اعتقال خمس نجوم".

وتعتبر ليلى أن تلك التجربة كانت "نوعًا من استعمار العقول"، حيث حُرمت من خلق صداقات، وفرضت عليها اعترافات بأي خروقات للنظام. تضيف: "لقد علمونا أن عدم الطاعة، مثلما حدث مع آدم وحواء، أدى إلى الخروج من الجنة. وكانوا يُكررون علينا ضرورة تقبل الحزن والألم في هذا العالم لنعيش بعد الموت في النعيم الأبدي".
تواصل ليلى استعراض ذكرياتها في المدرسة، حيث درست "كتاب الأسئلة والأجوبة في المبادئ الدينية" الذي أكد على عدم الجدال في أوامر الله وأن الجسد هو أصل كل تعاسة. ورغم صرامة المدرسة، استمرت روحها الحرة المتمردة في الظهور.
بعد ذلك، انتقلت ليلى إلى مدرسة الإرسالية الأمريكية بالقاهرة، ثم إلى "كلية البنات" التي أُنشئت عام 1926. تصفها بأنها "كلية بنات الذوات"، حيث كانت الناظرة، مدام بيرج، سيدة سويدية ذات رؤية متقدمة تؤمن بضرورة حرية الفتيات في الدراسة واختيار مسار حياتهن.
تتذكر ليلى الفترة الممتعة التي قضتها في "كلية البنات"، حيث كان التدريس وفلسفة التعلم مختلفين عن المدارس السابقة. وتشير إلى أن المدرسات الأجنبيات، مثل مدام أجرل ومدام ليشتنبرج، كن يُشجعن الطالبات على تنمية عقولهن ومناقشة القضايا المهمة بحرية.
تستفيض ليلى في الحديث عن نظام التعليم، موضحة أن المدرسات المصريات قمن بتدريس مواد اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا والاقتصاد المنزلي. وتصف كيف حاولت المعلمة حنيفة تعليمها العزف على البيانو، رغم كراهيتها لذلك بسبب ذكرياتها السلبية في مدرسة الراهبات. لكنها بفضل تفهم الأستاذة حنيفة، طورت حبها للموسيقى الكلاسيكية، كما أولت المدرسة اهتمامًا بالنشاطات الرياضية.
تمثل تجربة ليلى دوس التعليمية مثالًا على التحديات التي واجهتها الفتيات في تلك الفترة، وكذلك على تطلعاتهن نحو حرية التفكير والتعلم.
اقرأ أيضًا:لماذا أحببت نوال السعداوي (٤_٥).. ولماذا لم يتحرر نصف المجتمع إلى الآن؟
روح متمردة
لم تتزوج ليلى دوس، إذ كانت بحكم طبيعتها المتمردة وروحها الحرة ترى في الزواج مسؤولية وسلطة لا تحتملها. وكون الزواج في المسيحية عقدًا أبديًا يصعب الفكاك منه، كانت ليلى تعتقد أنه يفرض قيودًا لا ترغب في تحملها. لكنها، رغم ذلك، عرفت الحب والعلاقات العاطفية في سنوات شبابها المبكرة.
تقول ليلى: "بالنسبة لي، فكرة الارتباط بشخص ما مدى الحياة كانت مرفوضة دون الحاجة للتفكير طويلًا. كنت أدرك جيدًا أنه إذا تزوجت، كما يتمنى أهلي، في زيجة تعيسة، فإن الطلاق سيكون مُحرمًا، وسأكون مُجبرة على البقاء مُعَلَّقة إلى الأبد في وضع غير محتمل". وتؤكد أنها لن تنجح أبدًا في لعب دور الزوجة المُتفانية أو سيدة المجتمع أو الأم المثالية، إذ لم يكن أي من هذه الأدوار يُغرِيها.
تروي ليلى بعض تفاصيل حياتها العاطفية بشجاعة ونبل ونضج، رغم مكانتها المجتمعية وتاريخها العائلي. لم تدع المثالية أو الفضيلة، بل شاركتنا تلك التفاصيل الحميمية، لتمنحنا الفرصة للتأمل في ذواتنا البشرية ورغباتها وتجاربها دون أحكام أو مساءلة أخلاقية. فهي ترى أنَّنا لسنا قضاة على أنفسنا ولا الآخرين، بل مدعوون للتفكر والفهم والتعلم من التجربة والخطأ.
تقول: "للمرة الأولى، عزيزي القارئ وعزيزتي القارئة، أفتح هذا الفصل من حياتي للآخرين. وأنا على ثقة أنه لو كنت قد أخبرت أصدقائي وأفراد عائلتي مسبقًا بقراري الكشف عن هذه التفاصيل للجمهور، لكانوا فعلوا كل ما بوسعهم لإقناعي أن ذلك ليس من مصلحتي وأنني سأتسبب في تدمير سمعتي كإنسانة جادة كرست حياتها للعمل الاجتماعي".
بهذه الكلمات، تكسر ليلى قيود الصمت وتقدم رؤية جريئة عن الحرية الفردية واختيار الحياة، مما يعكس قوة شخصيتها واستقلالها الفكري.
الحياة الخاصة
تستعيد ليلى ذكرياتها العاطفية دون أن تسقط في فخ جلد الذات أو إلقاء اللوم على نفسها بأثر رجعي. فبالنسبة لها، الأمر يتعلق بأن تكون صادقة مع ذاتها ومع القراء في سرد حياتها وتجاربها، دون تجميل أو كذب. تشدد على أهمية ذلك، مُشيرةً إلى أن مجتمعنا المصري قائم على مظاهر كاذبة تقبل العلاقات العاطفية خارج إطار الزواج شرط أن تكون سرًا.

تقول: "يمكن حتى تعويض فقدان العذرية بعملية جراحية بسيطة. فإذا كانت سمعتي تعتمد على كل ما قمت به في حياتي، تتأثر باعترافي بأنني كنت ببساطة إنسانة أضعف من أن تقاوم الحب، فلتتأثر!"
وتضيف: "يقودني هذا لأصعب جزء من قصتي، وهو حياتي الخاصة. لا أحب السير التي تخوض كثيرًا في الحياة الخاصة، ولكن في كتابة سيرتي الذاتية أجد أنه لن أكون صادقة إذا ما حِدت عن الطريق الذي رسمته لنفسي، وهو أن أقول الحقيقة بصراحة. ولهذا أضع أمامكم أسرار حياتي في ذلك الماضي الذي لا أظهر فيه دائمًا في أحسن صورة."
توضح ليلى أن معرفتها بالحب والجنس اقتصرت على القراءات الشخصية في سنوات المراهقة وبداية مرحلة الشباب. تقول: "كانت أمي تخجل حتى من أن تشرح لي سبب الدورة الشهرية. وكان أصدقائي يعتبرونني مسترجلة وغير رومانسية، ولكن الطبيعة غالبة".
في عشرينياتها، وقعت في حب عنيف، حيث كانت علاقتها الأولى برجل كبير في السن، "كان باشا في سن والدي." أما تجربتها العاطفية الثانية فقد أثرت فيها بشكل عميق وسلبي، حيث وصفت الشخص بأنه "حقًا ابن كلب".
تستمر ليلى في سرد قصتها: "هناك قول فيما معناه ما من حدث إلا ونتعلم منه درس، وأفضل الدروس هي تلك التي تكسرنا.
كنت قد سلمت نفسي تمامًا لرغبته وغرقت في حبه بغير حدود، وكأن بركانًا قد انفجر داخلي، فطرح جانبًا كل ما بي من كبت وتمرد وتركني هشة وضعيفة".
تُعبر ليلى عن ضعف الإنسان، قائلةً: "لا أحد معصوم، والإنسان في النهاية لحم ودم، قلب وعقل، والضعف الإنساني، خاصة ضعف الجسد، صعب أن يُدركه أحد. إذا لم نتحكم فيه، قد يجتاح الإنسان ويخرج عن السيطرة. وقد حولني أنا المعتدة بالحرية التي اكتسبتها وحافظت عليها، إلى أسيرة لرغبة، وانقلبت طريقة تفكيري كلها رأسًا على عقب".
اقرأ أيضًا:تكريم يأتي من خارج مصر.. نوال السعداوي في مناهج تونس التعليمية
تضع هذه العلاقة ليلى في مواجهة مع ذاتها، وعاشت وقتًا طويلًا تعاني من الألم النفسي وفقدان الثقة. تقول: "كانت علاقتنا الحميمة في بداياتها سعادة غامرة، ولكنها لم تنمو لتصبح علاقة روحية أبدًا، رغم استمرارها لعشر سنوات من 1944 إلى 1954. كانت علاقة محكومًا عليها بالفشل من البداية لأن كلينا كان عاشقًا للحرية".
تُشير ليلى إلى أن عدم محاسبة أي منهما للآخر على تصرفاته خارج العلاقة، رغم الالتقاء بانتظام، أدى إلى مشاعر معقدة. تقول: "كنت مخلصة له، ولكن كنت أعرف أنه لم يكن كذلك. وقد قبلت ذلك الوضع المذل الذي وضعني فيه خشية أن يرحل عني. والحقيقة أني كنت مهووسة به، ولكن مع ذلك، وقع الأمر المحتوم وتخلى هو عني!".
من خلال سردها، تكشف ليلى عن معاناة الحب وأثره العميق على النفس، حيث تمزج بين قوة شخصيتها وضعفها الإنساني.
