في نحو السابعة من مساء يوم 16 فبراير/ شباط عام 1992، وقف وزير الدفاع الإسرائيلي، موشيه آرينز، أمام عدسات التلفزيون ليلقي بيانًا: "أقول للإرهابيين، إن مَنْ يفتح حسابًا معنا، عليه أن يعلم أننا قادرون على غلقه متى نشاء".
كان الوزير المنتمي لحزب الليكود منفوشًا ومزهوًا، يضغط على مخارج الألفاظ، إذ كان يعلن اغتيال الأمين الثاني لحزب الله؛ عباس الموسوي، إثر استهداف سيارته بصاروخ من حوامة أباتشي، في عملية سُميَّت بـ"وقت الليل".
في التفاصيل كما يسردها الكاتب الإسرائيلي رونين بيرغمان، في كتابه "انهض واقتل أولًا.. التاريخ السري لعمليات الاغتيال الإسرائيلية"، لم يكن اغتيال الموسوي مخططًا له، بل كانت مهمة الطائرة في الأصل استطلاعية، أو بتعبير الكاتب كانت لـ"التعقب العملياتي".
صبيحة ذاك اليوم، فرغ السيد الموسوي، من كلمة ألقاها في مهرجان لتأبين رفيقه الشيخ راغب حرب، الذي اغتالته إسرائيل أيضًا قبل ثمانية أعوام، ثم توجه إلى منزله في بلدة جبشيت، لتفقد أحوال أرملته.
أدى الواجب ثم خرج في الساعة الثالثة وعشرين دقيقة عصرًا، فاستقل سيارته بصحبة زوجته سهام الموسوي، وابنهما الطفل حسين، ليغادروا في موكب من أربع سيارات، إلى العاصمة بيروت.
حلَّقت المروحيات الإسرائيلية لرصد الموكب، وكانت مهمتها أن تجمع المعلومات، لاتخاذ القرار حول إمكانية خطف العدو اللدود، في مهرجان تأبين الشيخ حرب العام المقبل، غير أن رئيس الأركان إيهود باراك الذي أصبح رئيسًا للحكومة الإسرائيلية، لاحقًا، وجدها فرصة سانحة.
عند الساعة الرابعة وتسع دقائق، أرسل قائد الأباتشي الإسرائيلية للقيادة: "الهدف واضح"، وسرعان ما تلقى الرد: "راشاي.. أكرر رشاي"، وهو تعبير عبري يعني "لديك الصلاحية بالاشتباك"، فأطلق صاروخًا موجهًا بأشعة الليزر، فغدت السيارة كتلة من اللهب، واستشهد الموسوي وزوجته وابنه.
باستشهاد الرجل الذي أرسى استراتيجيات حزب الله القتالية، اعتمادًا على تكتيكات حرب العصابات، تنفَّس ساسة الاحتلال الصعداء، معتقدين أن العملية تطوي صفحة المقاومة إلى الأبد.
غير أن الأيام كانت حبلى بالمفاجآت، والحرب كر وفر، فسرعان ما ارتقى قيادة الحزب شاب طموح، ألثغ في الراء، لكنه خطيب مفوَّه، ولديه كاريزما طاغية وتأثير عظيم على أنصاره، وكان هذا الشاب الذي يبلغ الثانية والثلاثين، والذي تولى زمام المقاومة لمدة تساوي ما فات من عمره بالتمام والكمال، هو الشيخ حسن نصر الله.
صعد نصر الله إلى قمة المشهد النضالي إذن لظرف تاريخي، في وقت استثنائي، أعدته له الأقدار، ليغدو الرقم الأصعب في معادلة الصراع العربي الإسرائيلي.
خطأ استخباراتي إسرائيلي فادح
وأثبتت الأيام أن التعويل على انهيار قدرات الحزب القتالية، بعد اغتيال الموسوي وهم كبير، وخطأ استخباراتي مريع، سددت إسرائيل ثمنه فادحًا في جولات القتال مع الحزب، وأبرزها حرب 2006 التي استمرت 33 يومًا، وانتهت بخسارة غير مسبوقة لجيش الاحتلال، واستقالة وزير الدفاع ورئيس الأركان.
إثر الهزيمة تأسست لجنة فينوغراد لتقصي الحقائق، فأصدرت تقريرًا أوليًا في إبريل/ نيسان عام 2007، حملّت فيه رئيس الحكومة أولمرت، ورئيس الأركان دان حالوتس، ووزير الدفاع عمير بيريتس مسؤولية الهزيمة، وكان الوزير ورئيس الأركان استقالا، غير أن أولمرت تمسك بمنصبه، حتى صدر تقرير نهائي بعدئذٍ بعام: "إن المسئولية تقع على عاتق صانعي القرار السياسيين والعسكريين".
أثناء الحرب كانت الانتقادات تنهال على نصر الله من "الأشقاء العرب"، إذ أعرب الرئيس الراحل مبارك عن اعتقاده بأنها "مغامرة غير محسوبة"، وارتأى الملك الأردني عبد الله الثاني أنها "خطأ استراتيجي"، في حين قال وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل إنها "تعيد المنطقة إلى الوراء"، وانتقده السياسي اللبناني البارز وليد جنبلاط في مقابلة مع فضائية العربية "لاحظ العربية أيضًا": "حسنًا.. إن الشيخ حسن بطل، لكن من حقي أن أناقش بطولته لأن أرضي تحترق".
كأن التاريخ يكرر حلقاته بمنتهى اللزوجة؛ المقاومة في المواجهة على خط النار، و"القاعدون المتقاعسون" لا يمسكون ألسنتهم عنها!
على كلٍّ، واضح إذن أن السيد حسن كان سياسيًا، يؤسس أيديولوجية حزبه الذي يعد اليوم أقوى تنظيم مسلح في العالم، على مركزية قضية المقاومة ضد الاحتلال، وإن كان يحق لكارهي الرجل أن يقولوا فيه ما يشاؤون، على خلفية دور الحزب الإجرامي في سورية إبان الثورة على نظام الأسد، لكن مناقشة الشخصيات التاريخية، وتقييم منجزها لا يؤخذ على طريقة "عروض التوفير"، فإما أن تأخذها "على بعضها" وإما أن تتركها.
وغني عن البيان، من قبل ومن بعد، أن الشيخ لم تستهدفه القنابل الخارقة الإسرائيلية، قصاصًا لضحاياه السوريين، بل انتقامًا منه لشنه الحرب، إسنادًا لغزة التي تتعرض لجريمة تطهير عرقي، فيما يصطف الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة مع تل أبيب، وتقف الأنظمة العربية ما بين العجز والعمالة.
على صعيد آخر، يبدو السؤال حول ما إذا كان الشيخ يتوقع ما آل إليه مصيره أم أنه استبعد الأمر، غاية في الأهمية لفهم الرجل.
المنطقي أن الشاب الذي انخرط في حركة "أمل" المسلحة، وحين حدث الانشقاق الذي تمخض عنه تأسيس حزب الله، فانضم إليه من فوره، قد رأى رأي العين اغتيال سلفه الموسوي، بل إنه اكتوى شخصيًا بنار اغتيال ابنه البكر هادي، ما يعني بالضرورة أنه كان على يقين بأنه قاب قوسين أو أدنى من الاغتيال.
رجل على هذا القدر من الفطنة والذكاء، تولى قيادة فصيل مقاوم لمدة 32 عامًا، وكان على تماس واطلاع بجرائم إسرائيل التي لا تستثني مقاومًا، من الشيخ القعيد أحمد ياسين مؤسس حماس، إلى الرئيس عرفات الذي لم يشفع له أنه ألقى السلاح، مرورًا بغيرهما من السنة والشيعة معًا، كان يعي أن العرب أمام فوهة الأسلحة الصهيونية سواء، ولا فرق بين عربي وعربي إلا من حيث وسيلة وزمان القتل.
كان مبغضوه يطنطنون بأن إسرائيل تُبقي على حياته، لغرض في نفس ابن يعقوب، أو ابن موشيه وباراك ونتنياهو، لا فرق، فإذا باستشهاده يهدم الأكاذيب.
جدل الأقلام العبرية بالعربي
غير أنه من الملفت أن استشهاد السيد رغم هدمه هذه الأكذوبة، فتح بالتوازي أبواب جدال واسعة، إذ شرعت أقلام عربية تسدد إليه الهجمات ضاريةً، فيما لم تنشف دماؤه، ودارت الهجمات جميعها أو جلها حول نقطتين، الأولى أنه شيعي وهذه يطلقها سدنة التأسلف، والثانية أن المقاومة حماقة غير محسوبة وردة إلى الوراء، وتلك يقول بها سدنة التطبيع.
فيما يتعلق بالأولى، يجوز السؤال عن الدور الوظيفي للأعضاء، التي تقع تحت جماجم أولي اللحى المبعثرة والجلاليب القصيرة؛ الحمقى الذين يستقبحون تشيع نصر الله، ولا يرون المنطلقات التلمودية لدولة الاحتلال، ومنها أن الآخرين، "كل الآخرين" محض أغيار يجوز لليهود أن يضربوهم بالسياط، ليس هذا فحسب بل لا يرون أن السيد استشهد لأنه كان يدافع عن السنة في غزة، في حين انصرفوا هم إلى السفاسف والتوافه كالتحذير من ترك سنة السواك، واستعمال معجون الأسنان، الذي هو بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
أما فيما يتعلق بتأثيم السيد الشهيد، لأن المقاومة مغامرة، ولأن تصرفاته الرعناء تؤدي إلى إراقة دماء اللبنانين في الجنوب، فهذا كلام قديم مكرر، سمعناه في حرب 2006 التي انتهت بتمريغ أنف العدو في تراب الجنوب اللبناني.
وغني عن البيان أن ما قيل في تأثيم حزب الله، يقال أيضًا في حماس، فالمسألة هنا تتجاوز المرجعية العقائدية، وإنما تتصل بفعل المقاومة، الذي يراد شيطنته وتنحيته من أمام مؤامرات الشرق الأوسط الجديد، والاتفاقيات الإبراهيمية، والسلام الدافئ وما نحو ذلك من دنس، تنخرط عواصم عربية فيه.
والمثير أن كارهي المقاومة، ممن تُخصص لهم ساعات البث الممتدة على فضائيات بعينها، ومساحات النشر السخية في مطبوعات محددة، يبدون كأنهم يقتفون المقولة المنحطة: "إن لم تستطع مقاومة الاغتصاب فاستمتع به"، ولا تنسَ في هذا الصدد أن شيخ السلفيين الذي يشدون إليه الرحال ياسر برهامي، قد أفتى ذات مرة بأن ليس على الزوج أن يدافع عن امرأته، في حال كانت تتعرض للاغتصاب، إذا كان ذلك سيمثل خطرًا على حياته.
المقاومة حرام.. استمتعوا بالاغتصاب
ومع مد الخط على استقامته، وبغض النظر عما إذا كان صاحب المقولة ذا لحية مبعثرة، أو يرتدي رابطات العنق الحريرية فوق الياقات البيضاء، فإن الدفاع عن الوطن بما يكتنفه بالضرورة من مخاطر على الحياة، هو إذن إثم كبير، أو على الأقل عمل مكروه.
وما دام الحال كذلك، فمنطقيٌ أن يغدو نصر الله ظاهرة مزعجة لـ"الراضين بالاغتصاب"، ومن ثم ليس مفاجئًا أن يشنوا حملات الكراهية ضده، إذ كان بين ظهرانيهم، وبعد استشهاده، فالأزمة لا تكمن فيه هو، بل في إرثه الفكري.
وبعيدًا عن حملات الشيطنة والتأليه، وفوضى القيل والقال، فإن هذا الإرث في أمس الحاجة، اليوم؛ إلى أن يسارع خلفاء السيد الشهيد، إلى تستيف أوراقهم، ورأب الصدوع الاستخباراتية الواسعة في بنية الحزب، لأن المسيرة تبدو طويلة وشاقة، وإسرائيل تريدها مواجهة صفرية، ولن تتورع في سبيل ذلك عن ارتكاب أبشع الجرائم.
لدى حزب الله تجربة اغتيال الموسوي، واختيار نصر الله لخلافته؛ تلك التجربة التي قوضت مقولة وزير الدفاع الصهيوني عام 1992 بأن يد إسرائيل طويلة، حين قطعت المقاومة هذه اليد غير مرة.
صحيحٌ أن ميزان القوة يميل إلى كفة الاحتلال، ولا جدال في أن الحزب تلقى ضربات مؤلمة، غير أن التنظيمات المقاتلة ذات المرجعيات العقائدية، لا تنكسر باستشهاد قائد، إذ لدى رجالها يقين في نصر الله، وإن قُتل منهم 1000 حسن نصر الله.
إيران باعته. لها دور كبير فى اغتياله زى ما كان لها دور فى اغتيال هنيه من أجل اكتمال مشروعهم النووى