أعلن حزب الله اللبناني، اليوم السبت، استشهاد زعيمه حسن نصر الله، ليؤكد ما أعلنه جيش الاحتلال الإسرائيلي سابقًا بشأن الاغتيال الذي تم في غارة جوية كبيرة استهدفت الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية بيروت، ضمن سلسلة من الهجمات التي نفذتها إسرائيل على لبنان خلال الأسابيع الأخيرة بعد تصعيدها العسكري نحو الحدود الشمالية.
نعى حزب الله أمينه العام في بيان رسمي جاء فيه: "سماحة السيد، سيد المقاومة، العبد الصالح، انتقل إلى جوار ربه ورضوانه شهيدًا عظيمًا، قائدًا بطلًا مقدامًا، شجاعًا حكيمًا مستبصرًا مؤمنًا، ملتحقًا بقافلة شهداء كربلاء النورانية الخالدة في المسيرة الإلهية الإيمانية على خطى الأنبياء والأئمة الشهداء".
وأضاف البيان: "لقد التحق سماحة السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله برفاقه الشهداء العظام الخالدين الذين قاد مسيرتهم نحوًا من ثلاثين عامًا، قادهم فيها من نصر إلى نصر، مستخلفًا سيد شهداء المقاومة الإسلامية عام 1992 حتى تحرير لبنان 2000 وإلى النصر الإلهي المؤزر 2006 وسائر معارك الشرف والفداء، وصولًا إلى معركة الإسناد والبطولة دعمًا لفلسطين وغزة والشعب الفلسطيني المظلوم".
وعاهدت قيادة الحزب أن "تواصل جهادها في مواجهة العدو وإسنادًا لغزة وفلسطين، ودفاعًا عن لبنان وشعبه الصامد والشريف".
العملية التي استهدفت نصر الله، أطلقت عليها إسرائيل "الترتيب الجديد"، وأسقط جيش الاحتلال خلالها عشرات القنابل الخارقة للتحصينات التي يبلغ وزنها 2000 رطل على المقر المركزي لحزب الله، والذي قال إنه يقع في مخبأ تحت الأرض أسفل مجمع من ستة مبانٍ سكنية في جنوب بيروت، وفق ما نقله موقع "أكسيوس" الأمريكي.
كما أكدت قوات الاحتلال أن عملية الاغتيال كانت "ضربة دقيقة" أسفرت عن مقتل نصر الله وعدد من القيادات البارزة من حزب الله وأفراد من "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني، أبرزهم العميد عباس نيلفروشان، مسؤول ملف لبنان في فيلق القدس.

كيف ردت إيران على اغتيال نصر الله؟
في رد فعله على إعلان اغتيال نصر الله، أكد المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، أن حزب الله يقود قوى المقاومة التي ستحدد مصير المنطقة.
وخلال جلسة عقدها اليوم السبت، دعا خامنئي المسلمين إلى "الوقوف إلى جانب شعب لبنان وحزب الله الأبي بكل الوسائل المتاحة لمواجهة النظام الشرير (لإسرائيل)".
ونقلت وكالة "رويترز" عن مصادر لم تكشفها أن خامنئي الذي تم نقله إلى مكان آمن، شدد في تصريحاته، شدد على أن "الصهاينة مجرمون ولن يتمكنوا من إلحاق ضرر جوهري بالأساس القوي لحزب الله"، مؤكدًا أن قوى المقاومة في المنطقة تقف إلى جانب الحزب.
وأضاف خامنئي: "النظام الصهيوني لم يتعلم من حربه الإجرامية في غزة، وهو الآن يكرر نفس الأخطاء في لبنان".
وبينما تأكد خبر استشهاد نصر الله، تم نصب لافتات في العاصمة الإيرانية تؤكد أن "حزب الله على قيد الحياة". فيما لم تصدر تهديدات صريحة من إيران بشأن انتقام محتمل.
وعقب تأكيد الاغتيال، قالت وزارة الخارجية الإيرانية إن نهج الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله سيتواصل رغم مقتله في غارة جوية إسرائيلية في ضاحية بيروت الجنوبية، بعد عام من المواجهات عبر الحدود بين الجانبين.
وقال الناطق باسم وزارة الخارجية ناصر كنعاني، على منصة إكس: "النهج المشرف الذي سار عليه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله سيتواصل، وسوف تتحقق تطلعاته بتحرير القدس الشريف".

ما يمثله حسن نصر الله؟
قاد نصر الله تطور "حزب الله" من جماعة صغيرة إلى قوة عسكرية ذات نفوذ عسكري كبير في الجنوب اللبناني، ساهمت في تقديم الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية.
ولد نصر الله في العام 1960 ونشأ في حي برج حمود شرق بيروت، وكان الأكبر بين تسعة أطفال. انضم إلى حركة أمل بعد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان عام 1975، وانتقل إلى النجف بالعراق لحضور مدرسة دينية شيعية، ثم عاد وانضم مجددًا إلى حركة أمل، لكنه انفصل مع آخرين عام 1982 إثر غزو إسرائيل للبنان.
تشكل حزب الله رسميًا عام 1985 بعد إصدار "رسالة مفتوحة" تحدد أهدافه، أبرزها "محو إسرائيل".
بدأ نصر الله كمقاتل ثم أصبح مسؤولًا للحزب في بعلبك، ثم تسلم مسؤولية منطقة البقاع، ومن بعدها العاصمة بيروت.
تولى قيادة الحزب عام 1992 بعد اغتيال سلفه عباس الموسوي. وفي رده على اغتيال "موسوي"، أمر بشن هجمات صاروخية على شمال إسرائيل. كما تم تنفيذ عمليات انتقامية منها تفجير السفارة الإسرائيلية في بوينس آيرس عام 1992.
اقرأ أيضًا: إسرائيل ولبنان.. جبهة الجنوب تزداد اشتعالًا
قاد نصر الله أيضًا حربًا منخفضة الحدة ضد قوات الاحتلال الإسرائيلية، أسفرت عن انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000. وفي حرب العام 2006 التي استمرت 34 يومًا، أطلق حزب الله حوالي 4000 صاروخ على إسرائيل.
وقد قُتل خلال هذه الحرب أكثر من 1,125 لبنانيًا، معظمهم مدنيون، و119 جنديًا إسرائيليًا.
بعد الحرب، أكد نصر الله أن حزب الله لن ينزع سلاحه حتى استعادة كل الأراضي اللبنانية، بما في ذلك مزارع شبعا. وأصدر بيانًا سياسيًا جديدًا عام 2009 يحافظ على موقف الحزب المعادي لإسرائيل والولايات المتحدة.
وفي 2013، أعلن نصر الله دخول حزب الله الحرب في سوريا دعمًا لنظام بشار الأسد، وهو ما أثار توترات طائفية كبيرة في لبنان.
وفي 2023، أعلن الحزب عن جبهة إسناد لغزة التي تتعرض لإبادة جماعية على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، حيث أطلق حزب الله النار على المواقع الإسرائيلية تضامنًا مع غزة.
وقد أطلق حزب الله أكثر من 8000 صاروخ على شمال إسرائيل ومرتفعات الجولان، بينما تعرضت مواقع الحزب لضربات جوية ونيران الدبابات والمدفعية، ومن بينها تفجيرات أجهزة استدعاء أعضاء الحزب (بيجر)، والتي أسفرت عن استشهاد نحو 39 شخصًا، فضلًا عن سقوط آلاف المصابين. وقد شهدت الفترة التالية تصعيدًا عسكريًا من إسرائيل، مما أسفر عن مقتل مئات اللبنانيين، بينما ركزت قوات الاحتلال عمليات الاغتيال التي استهدفت قيادات حزب الله، وعلى رأسهم نصر الله.

ماذا يعني اغتيال نصر الله؟
تنقل "سي إن إن" عن فرزين نديمي، الباحث في معهد واشنطن، أن إيران "مرعوبة" من كفاءة الهجمات الإسرائيلية، لكن رغم ذلك ما زالت تعتبر أن "حزب الله" قادر على الدفاع عن نفسه والتفاوض في نهاية الصراع.
ويقول نديمي إن إيران ربما تساعد الحزب على إعادة بناء هيكله القيادي وتقديم الدعم التكتيكي، لكنها قد تتدخل بشكل مباشر إذا اقترب الحزب من الانهيار، كما حدث في أبريل الماضي، عندما قصفت طهران بصواريخ بعد استهداف إسرائيل مبنى دبلوماسيًا لها في دمشق.
وتقول أمل سعد، الخبيرة في حزب الله والمحاضرة في السياسة والعلاقات الدولية في جامعة كارديف في ويلز، إن تدخل إيران في الصراع قد يؤدي إلى تورط الولايات المتحدة، مشيرةً إلى أن طهران هي "الحلقة الأضعف" لأنها تمثل دولة فعلية بين حلفائها غير الحكوميين، ما يجعل خسائرها أكبر في حال تدخلها.
وتصف تريتا بارسي، نائب الرئيس التنفيذي لمعهد كوينسي ومقره واشنطن العاصمة، "حزب الله" بأنه الركيزة الأساسية في محور المقاومة الإيراني، نظرًا لقوته وانضباطه وموقعه الجغرافي قرب إسرائيل، مشيرةً إلى أن انهيار الحزب سيكون ضربة وجودية للمحور.
وفي مقابلة مع شبكة "سي إن إن"، قال نائب الرئيس الإيراني، محمد جواد ظريف، إن طهران تحاول تجنب الوقوع في "فخ إسرائيل" الذي يسعى لتوسيع الصراع، موضحًا أن حزب الله مارس ضبط النفس، لكن الوضع قد يخرج عن السيطرة إذا استمرت الهجمات.
وأكد أن إيران لم ترد بعد على اغتيال إسماعيل هنية في يوليو الماضي، لكن وزير الخارجية عباس عراقجي حذّر من أن بلاده لن تبقى "غير مبالية" إذا اندلعت حرب واسعة بين إسرائيل وحزب الله.
من يخلف نصر الله في حزب الله؟
التكهنات كلها تتجه الآن إلى هاشم صفي الدين كوارثٍ أبرز لقيادة حزب الله خلفًا لنصر الله، الذي قاد "حزب الله" لأكثر من 32 عامًا من تاريخها الذي يمتد لأكثر من 42 عامًا.
يشغل هاشم صفي الدين منصب رئيس المجلس التنفيذي في "حزب الله"، ويُشرف على الشؤون السياسية للجماعة، إضافة إلى عضويته في "مجلس الجهاد"، الذي يدير العمليات العسكرية للحزب.
ويتمتع صفي الدين، ابن عم نصر الله، بمكانة دينية عالية كونه يرتدي العمامة السوداء التي تشير إلى نسبه من النبي محمد.

وقد صنّفته وزارة الخارجية الأمريكية ضمن قائمتها لـ"الإرهاب" في عام 2017. وقد برز خلال جنازة قائد آخر في "حزب الله"، مهددًا إسرائيل بتصعيد كبير، قائلًا: "دع العدو يستعد للبكاء والعويل".
وفي مناسبة أخيرة بالضاحية الجنوبية لبيروت، أعلن صفي الدين دعمه الكامل للمقاومة الفلسطينية، مؤكدًا: "تاريخنا وبنادقنا وصواريخنا معكم".
ووفقًا لفيليب سميث، الخبير في دراسة الميليشيات الشيعية، فإن نصر الله بدأ منذ فترة في تهيئة صفي الدين من خلال تعيينه في عدة مناصب داخل الحزب، بعضها كان ذا طابع غامض، مما سمح له ببناء قاعدة داخلية قوية.
كما أن الروابط العائلية لصفي الدين، والتشابه الجسدي مع نصر الله، إلى جانب وضعه الديني، تُعزّز من فرصه في قيادة "حزب الله".
وإضافةً إلى ذلك، كان صفي الدين صريحًا في انتقاده لسياسات الولايات المتحدة. ففي عام 2017، ردّ على الضغوط الأمريكية بقوله إن "هذه الإدارة الأمريكية المجنونة والمعاقة عقليًا برئاسة ترامب لن تتمكن من الإضرار بالمقاومة"، مشددًا على أن هذه الضغوط لن تؤدي إلا إلى زيادة إصرار "حزب الله" على المقاومة.
ويبقى الأكثر جليًا الآن أن "حزب الله" يواجه مرحلة حرجة في ظل الضغوط المتزايدة بعد مقتل نصر الله، وهو ما يُجبر الحزب على اختيار زعيم قادر على الحفاظ على وحدة الصف الداخلي، والاستمرار في نهج المقاومة الذي اتبعه نصر الله طوال فترة قيادته.