مجدي عبد الحميد: لا معنى لانتخابات بلا مناخ ديمقراطي.. ولا يجوز أن تعارض السلطة وأنت في حضنها (حوار)

حجم التصدعات كبير في الحركة المدنية وتماسكها ليس مستحيلًا

وجود ائتلاف انتخابي للمعارضة الديمقراطية ضرورة بعيدًا عن النتائج

أخر انتخابات خضعت لرقابة حقيقية كانت في 2012

نموذج التصويت العقابي في تجربة نقابة الصحفيين صعب تكراره في مصر

لا يوجد لدينا برلمان.. ورصاصة الرحمة أُطلقت على العملية الانتخابية منذ سنوات

كتلة الموالاة صنيعة سلطة تتماهي مع مؤسسات الدولة.. وتتحالف مع رجال المال

تجربة أبو العز الحريري وممتاز نصار قد تتكرر في البرلمان شرط وجود هامش حرية

غياب المحليات كارثة.. فالإدارة المحلية في أزمة وأولى فصول مدرسة الديمقراطية مغلقة

فن الممكن أكبر من الحيز المتاح.. وعلى المعارضة أن تقدم البديل والبرنامج والفكر

لا نمل التحذير من الأوضاع الراهنة.. وهناك فريق يعمل على تأزيم الأمور ومنع الحلول

في استكمال لاستعراض منصة فكر تاني الأوضاع السياسية ورؤى المتخصصين حول الاستعداد للانتخابات البرلمانية التي تستقبلها مصر العام المقبل، حذر السياسي مجدي عبد الحميد، المتحدث الرسمي السابق للحركة المدنية الديمقراطية رئيس الجمعية المصرية للنهوض بالمشاركة المجتمعية، من مغبة إجراء الانتخابات البرلمانية المقبلة دون وجود مناخ ديمقراطي يسمح بنزاهة العملية الانتخابية واستعادة دور البرلمان الحقيقي في الرقابة والمحاسبة والتشريع، بعيدًا عن دور المحليات.

وفي أول حوارات منصة فكر تاني حول الانتخابات المقبلة، تحت عنوان "سجال برلمان 2025"، تطرق عبد الحميد إلى ضمانات العملية الانتخابية المنتظرة، والمسار المطلوب في الفترة المقبلة، مؤكدًا أن مصر بحاجة إلى استعادة المسار الديمقراطي، مشددًا على أن هناك فريق يعمل على تأزيم الأمور ومنع الحلول، من أجل منع الديمقراطية والاستقرار في مصر.

 

فإلى نص الحوار:

هل هذا بلد تنتظره بعد عام انتخابات لمجلسي الشيوخ والنواب؟

تجد إجابة هذا في فلسفة فرانسيس فوكوياما، حين يُعرف قضية الفقر في الدول النامية بأنه ليس فقرًا في الموارد، بقدر ما هو في غياب المؤسسات السياسية الفاعلة.

يؤكد فوكوياما على ضرورة فهم أهمية ظهور هذه المؤسسات السياسية الفاعلة، كمفهوم جوهري في الدول الحديثة، يغيب عن معظم دول إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا.

ويوضح أن الانتخابات هي أداة، وليست هدفًا بحد ذاتها. فإذا كانت تُدار بطريقة ديمقراطية، فإنها تتيح التداول السلمي للسلطة، بحيث يمكن للحاكم أن يصبح معارضًا والعكس صحيح، مع ضرورة تمثيل صحيح للناس وتمكينهم من المشاركة السياسية. أما إذا أُديرت الانتخابات بشكل غير ديمقراطي، فإنها تتحول إلى مظاهر شكلية تركز على المصالح الخاصة.

ومن هنا، فإن السياق الحالي في مصر لا يعكس أي مؤشر على انتخابات حقيقية، وللأسف أتوقع استمرار هذا الوضع لسنوات بسبب غياب الآلية الديمقراطية.

تمر الانتخابات دومًا بثلاث مراحل رئيسية: ما قبل الانتخابات، ومرحلة الانتخابات، ومرحلة ما بعد الانتخابات والنتائج، فإذا ما نظرنا إلى مرحلة ما قبل الانتخابات الحالية في مصر، نجدها لا تؤهل لإجراء انتخابات برلمانية ديمقراطية.

 

 مجدي عبد الحميد حذر من استمرار الأوضاع على ما هي عليه حتى الإنتخابات المقبلة
مجدي عبد الحميد حذر من استمرار الأوضاع على ما هي عليه حتى الإنتخابات المقبلة

ألا يمثل هذا نظرة تشاؤمية وحكمًا انحيازيًا مسبقًا؟

لنرصد ونُقيّم الوضع إذن.

دعنا نتفق أنه قبل الانتخابات يجب توافر عدة عوامل أساسية:

أولًا، يجب أن يكون هناك دستور ديمقراطي مُعد بشكل جيد، ويتم تفعيل مواده ضمن حزمة من القوانين التي تعكس روح هذا الدستور.

الواقع في حالتنا هنا يشير إلى أن العديد من القوانين تتعارض مع الدستور. كما أن بعض القوانين، بما في ذلك قانون الانتخابات، لم يُصدر بعد.

ثانيًا، يتطلب الأمر وجود مناخ سياسي قائم على الحريات الأساسية، مثل حرية الرأي والتعبير، وحرية مشاركة المواطنين، وحرية التجمع، وحرية النقابات المهنية، وحرية الإعلام.

مجدي عبد الجميد حذر من استمرار عدم وجود مناخ ديمقراطي قبل الانتخابات المقبلة - خاص فكر تاني
مجدي عبد الجميد حذر من استمرار عدم وجود مناخ ديمقراطي قبل الانتخابات المقبلة - خاص فكر تاني

يجب أن تكون هذه الحريات مصونة، بما يتيح للمواطنين التعبير عن آرائهم بأمان من خلال قنوات دستورية، دون خوف من الملاحقة، مع تمكينهم من الانخراط في أي شكل سياسي يعبر عن آرائهم في دولة قائمة على الحق والقانون.

أما في مصر، فلا يوجد حاليًا مناخ سياسي يهيئ لعملية انتخابية ديمقراطية. إذ يشعر الناس بالخوف من التعبير عن آرائهم أو دعم أي مرشح، كما أنهم يخشون من تزوير أصواتهم.

تعكس هذه الإشكالية غياب التمييز بين السلطة السياسية التي يفترض أن تحكم لفترة والأجهزة والمؤسسات الأخرى للدولة، مما يؤدي إلى تماهي ضار يؤثر على جميع جوانب الحياة السياسية.

السخط الشعبي والتصويت العقابي

هل يؤثر تصاعد سخط الشارع بسبب الظروف الاقتصادية على شكل الانتخابات المقبلة خاصة أن البعض بدأ يعول على التصويت العقابي؟

لا يمكننا إطلاقًا التعويل على التصويت العقابي في الانتخابات المقبلة.

المشاركة بالتصويت مسؤولية وطنية
المشاركة بالتصويت مسؤولية وطنية

ظاهرة التصويت العقابي تلك - في رأيي - لحظة فارقة تتطلب ظروفًا محددة لحدوثها. ويمكننا هنا الاستشهاد بتجربة نقابة الصحفيين كحالة لتطبيق التصويت العقابي، حيث تم انتخاب الكاتب الصحفي الأستاذ خالد البلشي نقيبًا في ظل حالة من السخط بين الصحفيين.

هذا السخط شكل كتلة غير منحازة لخالد كمرشح، بل صوتت بشكل عقابي، مع التقدير لمساحة البلشي النقابية السابقة.

ومع ذلك، لا يمكنني إسقاط هذه التجربة على الوضع العام في مصر.

هناك فارق كبير بين تجربة نقابة تتمتع بخصوصية معينة وبين المجتمع بشكل عام، حيث تمتد السلطة وتتماهى مع مؤسسات الدولة بطريقة تسيطر على كل شيء.

هذا التماهي يفتح المجال لإمكانية تزييف إرادة الناس، سواء من خلال التزوير المباشر في حال وجود تصويت مختلف، أو عبر تزييف وعي الناخبين بأساليب معروفة.

تدهور العملية الانتخابية

كيف تفسر تحذير المعارضة من أن بقاء النظام الانتخابي الحالي يعني إطلاق رصاصة الرحمة على العملية الانتخابية بالكامل؟

أعتقد أن رصاصة الرحمة أُطلقت منذ سنوات على العملية الانتخابية والبرلمان بشكل عام.

لا يوجد مناخ انتخابي حقيقي ولا عملية ديمقراطية، فما سبب إطلاق السلطة لرصاصة الرحمة الآن؟

البرلمان الحالي معروف للجميع كيف تم تشكيله وما دوره، ولا يحتاج إلى رصاصة جديدة ليؤكد غيابه؛ فهو غائب بالفعل.

عندما كنت متحدثًا رسميًا للحركة المدنية الديمقراطية في الانتخابات السابقة، تمت إثارة الجدل حول النظام الانتخابي، وطرح بعض الأطراف فكرة العودة إلى نظام الاتحاد الاشتراكي. كنا في الحركة المدنية متحفظين على هذا الطرح.

المتحدث الرسمي السابق للحركة المدنية أكد أهمية العمل على وجود بدائل سياسية في الوقت الراهن
المتحدث الرسمي السابق للحركة المدنية أكد أهمية العمل على وجود بدائل سياسية في الوقت الراهن

خضنا نقاشات مع أطراف مؤثرة في الدولة، وعبّرنا عن قلقنا من اعتماد هذا النظام، وسألت بوضوح: كيف لي كمعارض ديمقراطي أن أشارك في قائمة واحدة مع قوائم السلطة؟ أين المنطق في ذلك؟

أتذكر جيدًا رد أحد المسؤولين الذي قال: "أنتم ضعفاء، ولن تحصلوا على مقاعد. نحن نساعد في تطوير العملية الديمقراطية، يمكنكم الحصول على 100 مقعد من 600". وأجبت: "دعونا كمعارضة نحقق 10 مقاعد من 100 بمجهودنا المستقل. في مناخ ديمقراطي حقيقي، يمكن لهذه المقاعد أن تنمو بناءً على فكرنا وبرنامجنا للإصلاح".

طرحت حينها إشكالية عدم وجود نظام انتخابي دستوري مختلف عن الحالي، وأجبنا بأن هذا غير صحيح.

قدمنا نظامًا انتخابيًا يتضمن ثلثين للنظام النسبي وثلث للنظام الفردي، وشرحنا كيفية عقد الانتخابات.

قدمنا المسودة عبر نواب وحصلنا على 60 توقيعًا لطرحها في اللجنة التشريعية بمجلس النواب، لكن لم تُخرج للنور حتى الآن. والنتيجة كانت البرلمان الحالي، الذي لا يشعر الجميع بوجوده.

برلمان منزوع الدسم

هل أدت سيطرة رأس المال والعائلات على المقاعد الفردية إلى تدهور التشريع ووجود برلمان ضعيف؟

تلك إشكالية واضحة.

لا نطلب برلمانًا كامل الدسم. ومع الأسف، اختيارات السُلطة لم تُفرز حتى برلمانًا نصف دسم.

أتذكر أن النظام الفردي كان موجودًا أيام الوفد، في النظام البرلماني ما قبل ثورة 23 يوليو 1952، وكانت هناك سيطرة واضحة للعائلات ورأس المال، لكن لم يكن الحال أبدًا كما هو عليه الآن، من عدم وجود مساحة للديمقراطية، وتماهي السلطة ومؤسسات الدولة.

اليوم، تشكل الكتلة البرلمانية استجابة لرضا السلطة السياسية التي تتعاون بشكل وثيق مع الأجهزة الأمنية ورجال الأعمال، ما يجعل البرلمان منزوع الدسم وغير موجود بالأساس.

الفكرة الأساسية هي الحاجة لمناخ يسمح بتمثيل جميع الفئات، بما في ذلك رجال المال.

مجدي عبد الحميد لا يرى أثراً للبرلمان الحالي - خاص فكر تاني
مجدي عبد الحميد لا يرى أثراً للبرلمان الحالي - خاص فكر تاني

هنا أتذكر المرحوم أبو العز الحريري في انتخابات 1976، التي جرت في جو يسوده هامش من الحرية المقصودة، لترى مؤسسات الدولة ماذا سيحدث؟

في هذه الانتخابات، كان أبو العز الحريري، رحمة الله عليه، لا يمتلك إلا بدلته الزرقاء، بدلة العمال، في دائرة كرموز، عقر دار رجال المال والأعمال، المرتبطين بالمال والنفوذ ودعم السلطات، ورغم ذلك فاز الحريري في انتخابات فيها درجة من درجات الحرية والنزاهة، وقس على ذلك المرحوم "ممتاز نصار" في الصعيد.

عند توفير مساحة من الحرية والنزاهة الانتخابية وفي حضور مناخ آمن ومطمئن، وعدم تدخل من مؤسسات الدولة، ستكون الاختيارات مختلفة سواء في الفردي أو في القوائم في أي نظام.

للأسف، وصلنا لمرحلة أن رجل الشارع يعرف التماهي بين المرشح المحسوب على النظام من جهة ومؤسسات الدولة من جهة أخرى. هذا مناخ لا يبشر بحدوث انتخابات ديمقراطية في مصر الآن.

الانتخابات في بلادنا وفي أشباهها تجرى لمرة واحدة للحصول على نتائج معينة، ثم تذهب أدراج الرياح في ظل السلطوية التي لا ترى نفسها إلا داخل إطار الفوز والحكم، فتجلس في سدة القرار إلى حين حدوث تغيير.

لا انتخابات ديمقراطية في ظل نظم سلطوية.

الحيز المتاح.. حق يراد به باطل

هناك فريق في أحزاب المعارضة يرفع شعار العمل في الحيز المتاح.. ما تعليقك؟

ارتبط هذا المسار بمقولة شائعة تفيد بأن السياسة فن الممكن، لكن البعض حولها إلى شيء مقدس، يتعاملون معه كحقيقة غير قابلة للنقاش.

مجدي عبد الحميد دعا المعارضة إلى الانضمام إلى تحالف الحركة المدنية - خاص فكر تاني
مجدي عبد الحميد دعا المعارضة إلى الانضمام إلى تحالف الحركة المدنية - خاص فكر تاني

في كثير من الأحيان، يتم استخدام مفهومي فن الممكن والواقعية السياسية كحق يراد به باطل.

من قال إن فكرة فن الممكن تتوقف عند المتاح؟ ومن قال إن الواقعية السياسية تعني القبول بالأمر الواقع؟

كم من الجرائم ارتُكبت باسم الحيز المتاح وفن الممكن؟ هل نسينا الدخول في قوائم السلطة الانتخابية؟ هل نسينا النتائج؟

بوعي أو من دون وعي، يسهم المؤمنون بذلك في تكريس الحالة السلطوية الاستبدادية القائمة في مصر، سواء أدركوا ذلك أم لم يدركوا بعد.

ما البديل الممكن الذي تقدمه لهؤلاء؟ هل يلزمون بيوتهم ويقاطعوا الانتخابات؟

لا يوجد شيء اسمه مقاطعة انتخابات، ولا جلوس في البيت. يجب علينا المشاركة دائمًا وأبدًا، فهذه بلدنا والشعب هو مصدر السلطات، ونحن من هذا الشعب، وأنا واحد من هذا الشعب صاحب السلطة.

لكن المشاركة لها أشكال مختلفة، والبدائل الممكنة كثيرة. لا يوجد فن واحد للممكن، بل هناك فنون متعددة له، إذ إنه يُعرف بالممكن وليس المتاح.

ليس من فن الممكن أن أقبل بالانضواء تحت جناح السلطة بمفاهيمها وقيمها. فأنا معارض، لدي برنامج وفكر مختلف للإصلاح والتغيير. أرفض أن يدخل أحد محسوبًا على المعارضة في عقول الناس بأنه لا بديل إلا ما يعتبره متاحًا، رغم وجود بدائل ممكنة للمتاح المرفوض.

مجدي عبد الحميد في حواره مع منصة فكر تاني حذر من استمرار الوضع الراهن على ما هو عليه - خاص فكر تاني
مجدي عبد الحميد في حواره مع منصة فكر تاني حذر من استمرار الوضع الراهن على ما هو عليه - خاص فكر تاني

الأمر يتطلب تقديم برنامج بديل وفكرة أفضل للمعارضة، وخوض الانتخابات في ظل ما هو رائج من ترك السلطة نسبة 25 % على المقاعد الفردي للانتخاب النزيه.

هذا يحتاج من المعارضين اعتماد فن الممكن بفهمه الحقيقي، للوصول إلى الناخبين، بدلًا من الرضا بالحيز المتاح تحت جناح السلطة، تحت شعار "ليس في الإمكان أفضل مما كان".

اصنع معركة انتخابية وفق قدرتك وعطاء الله، ولا تبالِ بالنتائج، ولا تقول: سأخسر. لأنني سأخبرك: ماذا كسبت في 5 سنوات مضت من فوزك بمقاعد في قوائم السلطة لبرنامجك وأفكارك؟

أين المعارك البرلمانية التي صنعها هؤلاء في مجلس النواب؟ المعارضون الذين قبلوا بدخول البرلمان من بوابة السلطة، لم يكونوا إلا "بهارات" لطبخة السلطة البرلمانية.

الممكن كثير، ومتاح، وبدائله عديدة، لكنها بدائل مستقيمة وطويلة النفس، تخاطب الجمهور برؤية واضحة تشكل منهجًا بديلًا للتغيير والإصلاح.

لا يجوز أن تعارض السلطة وأنت في حضنها.

ثلاثي الحيز المتاح

يتردد أحيانًا أن ائتلاف "ثلاثي الحيز المتاح" المكون من أحزاب المصري الديمقراطي الاجتماعي والعدل والإصلاح والتنمية قد يتجه للتحالف الانتخابي مع أحزاب السلطة مجددًا.. ما رأيك؟

سيكون استمرارًا لنفس النهج الذي شهدناه في الانتخابات الماضية، لكن ينبغي عليهم دراسة موقفهم هذه المرة جيدًا. فالسياسة كلها حسابات بين مكاسب وخسائر. ولا أرى أن هناك مكاسب حقيقية في وجود حزب ما في الإعلام والبرلمان وتواصله مع مؤسسات الدولة، إذ أن رأيي يختلف تمامًا عن هذا المسار.

عبد المنعم إمام وفريد زهران ومحمد أنور السادات رؤساء أحزاب العدل والمصري الديمقراطي والإصلاح والتنمية
عبد المنعم إمام وفريد زهران ومحمد أنور السادات رؤساء أحزاب العدل والمصري الديمقراطي والإصلاح والتنمية

ليس إنجازًا أن يتواجد لحزب عضو في البرلمان الحالي، فما الذي قدمه أو فعله في ظل غياب التفاعل والفاعلية؟

هذه وجهة نظر خاصة بهم، تتمحور حول كيفية الحفاظ على تواجد سياسي معين. أما أنا، فلي طريقة أخرى يمكن من خلالها أن أشارك في الحياة السياسية بمسارات أكثر استقلالية، بعيدًا عن سياسات السلطة القائمة، وأكثر اقترابًا من النخب المصرية في النقابات والمجتمع المدني، ومن الشباب والشارع.

تسعى السلطة جاهدًة لاستيعاب جزء من المعارضة في داخلها، لاستيفاء الشكل أمام الرأي العام الداخلي والخارجي، مما يدعي وجود أحزاب وحياة سياسية. لكن هذا لا يحقق الغرض من العملية الانتخابية مطلقًا.

أحزاب الموالاة أضعفت المؤسسات

مستقبل وطن
مستقبل وطن

ولكن أحزاب الموالاة تؤكد مرارًا أنها تساعدكم وتقدم دورًا مهمًا في الحياة السياسية والبرلمانية في العقد الأخير.. ما ردك؟

أضعفت تلك الأحزاب المؤسسات السياسية في مصر، فلم يعد هناك حياة حزبية فعلية، وساهمت في تصاعد العزوف الشعبي، خاصة بين الشباب، عن المشاركة السياسية، وهو أمر خطير للغاية.

نحن أمام ممارسات شكلية لا تجذب الشباب، ولا تسمح للشعب بأن يكون مصدر السلطات، مما يؤدي إلى الابتعاد والعزوف.

يقول البعض إن لدينا أحزابًا، وأجيب: نعم، لدينا أحزاب تسد عين الشمس، لكنها مظاهر شكلية تعطي صورة زائفة عن وجود حياة حزبية في مصر، وكأن لدينا سياسة ودولة قانون.

نحن في حالة هشاشة حزبية، وحالة برلمانية سيئة جدًا، نتيجةً لتلك الأحزاب.

توزيع للحصص والأدوار

مصادرنا تتحدث عن عدم رضا رسمي عن أداء نواب مستقبل وطن، والاتجاه في البرلمان المقبل لاقتسام الأغلبية بين أحزاب الموالاة.. هل يشكل ذلك فارقًا؟

لن يشكل أي فارق على أداء البرلمان ، وهذا مجرد تلاعب بالألفاظ وتوزيع للأدواروالحصص ، لأن أحزاب الموالاة، مثل مستقبل وطن أو حماة وطن أو الشعب الجمهوري، موجودين حالياً في البرلمان، وإعداد أغلبيتهم يتم بالاتفاق مع بعضهم البعض، واختلافاتهم ليست جوهرية، وتدور حول المصالح والمنافع والحصص السياسية وأشياء من هذا القبيل.

مشادة في مجلس النواب بسبب رفض نائب لبيان الحكومة
مشادة في مجلس النواب بسبب رفض نائب لبيان الحكومة

 خطوة ضرورية

ما فائدة وجود تحالف مستقل للحركة المدنية إذن في الانتخابات البرلمانية، وقد كنت أنت أحد داعميه، وما فرص نجاحه؟

أنا معني بوجود المعارضة الديمقراطية الحقيقية، التي تتمثل في نواب حقيقيين في البرلمان المقبل. لذا كنت ولا زلت وسأظل مصممًا على ضرورة وجود تحالف انتخابي مستقل للحركة المدنية الديمقراطية في الانتخابات البرلمانية، لكل الأسباب التي شرحتها سابقًا.

في البداية، لا نريد أن ننجح نوابًا يقومون بالتغيير فحسب، فهذا يتطلب كتلة برلمانية كبيرة أو كتلة برلمانية معطلة.

قد يكون العدد قليلاً والصوت خافتًا، لكنه سيكون واضحًا، وسيصل إلى الناس في انتظار لحظة التراكم التي يحدث فيها التغيير والإصلاح.

لذلك، فإن تشكيل ائتلاف للمعارضة الديمقراطية، والنزول به، مع إعداد نواب مميزين في المقاعد الفردية، هو أمر مهم في حد ذاته. قد لا تؤهل النتائج الحالية لحدوث تغيير فوري، لكنها قد تمهد للتغيير في المستقبل.

تماسك "الحركة" ليس مستحيلًا

هل تكرر الحركة المدنية تجارب الانقسام في الانتخابات خاصة بعد اعتذارك مؤخرًا عن الاستمرار في منصب المنسق العام؟

تعيش الحركة المدنية في حالة ضعف نتيجة الانقسامات المتعددة والتغيرات الإقليمية، وخاصة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. كما تظهر تباينات في وجهات النظر بشأن كيفية التعامل مع القضايا المختلفة، مثل: هل نتعامل مع فن الممكن من خلال الاشتباك مع الحوار الوطني بالطريقة المتاحة، أم أن هناك بدائل أخرى لطرح شكل آخر؟

حجم التصدعات كبير، والوضع شديد الصعوبة في الحركة المدنية. لكن ليس مستحيلًا أن تصنع الحركة قدرًا من التماسك الذي يؤدي إلى التركيز على تشكيل ائتلافها، كما تحدثت، وإيصال نواب لها في البرلمان القادم، واستعادة ثقة الجمهور والنخبة المصرية بها.

الحركة المدنية الديمقراطية
الحركة المدنية الديمقراطية

لا رقابة حقيقية

هل وجود مراقبين بشكل جاد يغير من شكل الانتخابات المقبلة وبالتالي النتائج؟

آخر انتخابات شهدت رقابة حقيقية كانت انتخابات عام 2012، ومنذ ذلك الحين لا توجد لدينا مراقبة جدية في مصر.

تتمثل أهمية الرقابة في التأكد من إجراء الانتخابات بشكل قانوني سليم في مناخ من الحريات، تحت إشراف قضائي كامل. كما تهدف إلى رصد أي مخالفات قد تؤثر على نزاهتها ونتائجها، وحماية صوت الناخب وحقوقه في مواجهة محاولات شراء الأصوات أو التزوير المحتمل بأي طريقة.

لكن دور المراقبة انتهى حاليًا، بعد أن قامت السلطة بتخليق أدواتها الخاصة لمراقبة الانتخابات، حتى تراقب نفسها بنفسها، عبر إنشاء مؤسسات تتماهى مع السلطة في عملية الرقابة على الانتخابات.

تصويت في أحد الانتخابات المصرية
تصويت في أحد الانتخابات المصرية

تقول السلطة الآن: "عاوزين إيه بالضبط؟ إذا كنتم تريدون مراقبين، هنحط مراقبين. إذا كنتم بحاجة إلى سوشيال ميديا لرصد ما يحدث في الانتخابات، سننشئ لكم كتائب إلكترونية تتحدث عن الانتخابات". هذا ما قيل لنا من مسؤولين في وقت سابق، وليس مجرد ادعاء.

نحن نسعى للرقابة الحقيقية، بينما تسعى السلطة لتخليق رقابتها بنفسها، مما يعني أن صوت السلطة سيكون مسموعًا بقوة، نظرًا لامتلاكها أدوات كثيرة تعزز من موقفها.

المجتمع المدني، وفي القلب منه مؤسسة "الجمعية المصرية للنهوض بالمشاركة المجتمعية"، راقب جميع أنواع الانتخابات من عام 2000 إلى عام 2011، وقدمنا تقارير حول المخالفات، وكان المسؤولون يستمعون لنا، وكانت لنا مساحة في الإعلام للإعلان عن مواقفنا. لكن كل هذا تبخر واختفى في السنوات الأخيرة.

لم يعد مسموحًا في الانتخابات الأخيرة بمتابعة الانتخابات إلا من خلال إصدار تقارير ترفع شعار "أيوه حاضر نعم.. أيوه حاضر نعم".

المناخ الديمقراطي والهيئة

ماذا تحتاج الهيئة الوطنية للانتخابات في الجولات المقبلة لنجاح دورها الدستوري؟

الهيئة الوطنية محكومة بقوانين ومناخ وأطر معينة، مما يجعلها تكاد تتحول إلى إدارة تنفيذية.

لابد من توفير مناخ ديمقراطي حقيقي لكي تتمكن الهيئة الوطنية للانتخابات من أداء دورها في إطار من الاستقلال الكامل، كما تحدثت سابقًا في مراحل الإعداد للانتخابات.

الهيئة الوطنية للانتخابات

الهيئة الوطنية للانتخاباتالسؤال الحاكم الآن هو: هل القادم هو شكل ومضمون أم شكل فقط؟ من هنا، يمكن توقع ما سيحدث في الانتخابات المقبلة من جميع عناصرها.

غياب المحليات.. كارثة

نذهب إلى الانتخابات المحلية المعطلة.. كيف ترى توابع تجميدها؟

هذه كارثة بكل المقاييس.

يُفترض أن يكون دور البرلمان في كل الدول هو الرقابة والمحاسبة والتشريع. لكننا شهدنا في مصر تحول مجلس النواب إلى مجلس محلي، كأنه يمثل قرية أو مدينة أو محافظة، مما يعيق دوره الحقيقي ويحد من تأثيره في العملية السياسية.

تواجه الإدارة المحلية أزمة كبيرة، إذ لم تُجرَ انتخابات المحليات منذ أكثر من 12 عامًا.

لقد غابت أولى فصول مدرسة الديمقراطية، التي تخرج كوادر مدربة وقيادات قادرة على التعامل مع متطلبات المستوى القومي. وقد تم ضرب الحكم المحلي في مقتل، مما أدى إلى غياب رؤية حقيقية للمشاكل المحلية، مع سيطرة المركز على القرار المحلي.

مبادرة زياد بهاء الدين

في ظل ذلك الانغلاق الذي تتحدث عنه.. هل تحتاج مصر قبل عام الانتخابات لمبادرات مثل مبادرة زياد بهاء الدين لاستعادة المسار الديمقراطي؟

تابعت مقابلة د. زياد بهاء الدين مع "فكر تاني"، وأثمن كل ما جاء فيها، خاصة الفكرة المتعلقة بالإصلاح الديمقراطي.

في هذا السياق، أؤكد أن ما يشغلني الآن ليس "عام الانتخابات". قد يكون من المهم تحسين الأوضاع والحديث عن الانتخابات، لكن ما يشغلني هو مثل هذه المبادرات التي قد تحتاج إلى عام أو أكثر للعمل عليها. يجب أن نسير على المسار الصحيح نحو إصلاح المسار الديمقراطي، وهذا هو الأولوية بدلًا من الانشغال في "القص" و"اللزق".

نقاش حول مبادرة د.زياد بهاء الدين لاستعادة الحوار الوطني - تصميم فكر تاني

أقولها بوضوح: "أميل للأمور المؤثرة حتى لو كانت تحتاج إلى وقت أطول. لا معنى للانتخابات البرلمانية القادمة، طالما نحن محكومون بالحالة الراهنة ولا يوجد مسار ديمقراطي يوفر مناخًا للعملية الانتخابية. هل سيأتي برلمان مشابه للحالي؟ ربما يأتي، لكنني لا أعتقد أنه سيتحسن كثيرًا، ولا أعتقد أنه سيسوء أكثر من ذلك".

نحن نحتاج إلى الديمقراطية أولًا، بناءً على تغييرات جذرية على مستويات عدة، سواء في السياسة أو الاقتصاد أو البعد الاجتماعي أو الثقافي.

لا يهمني الوقت، المهم هو أن نبدأ مسارًا حقيقيًا للتغيير. وهذا يتطلب توافر الإرادة السياسية، ولن تتوفر هذه الإرادة إلا عندما يشعر الجميع بالخطر الذي يهددنا من جميع المسارات، وضرورة تضافر الجهود لحماية الأمن القومي لمصر وصيانة أمن الدولة. وهذا هو دور ينتظر الجميع: شعبًا وحكومة، مؤسسات ومجتمع مدني، حكامًا ومحكومين.

تجهيز البديل

هذا خطاب مطروح من بعد ثورة 25 يناير 2011 حتى الآن.. تحذير تلو تحذير ولا مجيب.. مصر إلى أين؟

لن نمل من تكرار التحذير، وللأسف الشديد لم يسمع أحد بعد. وهذا يساعد كل من يراهن على الفوضى، سواء من داخل مصر أو خارجها.

هناك فريق يعمل على تأزيم الأمور وعدم إيجاد حلول، ويرفع شعار "لا مكان للحلول". لا يريدون حدوث أي حل سلمي أو تغيير آمن، ولا يسعون لنقل الوطن تدريجيًا إلى منطقة آمنة. رهانهم الأساسي هو حدوث فوضى ليحلوا محل النظام القائم دون أن يمتلكوا حلولًا أو بدائل.

هناك فريق يعمل في الحيز المتاح، يعتمد على التداخل بينه وبين السلطة، كما ذكرت.

في المقابل، نحن نقف، وسنظل نحذر ونحذر، وفي نفس الوقت نسعى إلى دفع المعارضة الوطنية الحقيقية للعمل على خلق بدائل والسياسات البديلة وتجهيز البديل.

على المعارضة أن تقدم بدائلها، وأن تقول للشارع: "أنا البديل".

 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة