تفجيرات البيجر في لبنان.. قراءة في الحرب الدقيقة بالشرق الأوسط

لقي ما لا يقل عن 9 أشخاص - بينهم قاصر - مصرعهم، فيما أصيب الآلاف - بينهم السفير الإيراني في لبنان مجتبى أماني - بعد سلسلة من التفجيرات الضخمة لأجهزة اتصال من نوع بيجر، في لبنان وسوريا يوم أمس الثلاثاء.

هذه الأجهزة، التي كان يستخدمها مئات من أعضاء حزب الله، انفجرت بشكل متزامن، فيما يبدو أنه هجوم معقد نُفذ عن بُعد. ذلك في وقت اتهم حزب الله، المدعوم من إيران، وذكرت تحليلات لخبراء أسلحة أوردتها صحف عالمية، أن إسرائيل تقف وراء هذه الهجمات، بينما لم تعلن الأخيرة صراحةً ضلوعها في الأمر.

ما هي أجهزة البيجر؟

البيجر جهاز إلكتروني صغير يمكنه استقبال وعرض الرسائل الرقمية أو النصية. وعلى عكس الهواتف المحمولة، تعتمد أجهزة البيجر على إشارات الراديو لنقل المعلومات. وكانت هذه الأجهزة شائعة قبل انتشار الهواتف المحمولة، وكان حزب الله يستخدمها لتجنب تتبع تحركاته من قبل إسرائيل.

كيف حدثت تفجيرات البيجر في لبنان؟

رغم عدم صدور أي بيان رسمي حول كيفية تنفيذ هذا الهجوم واسع النطاق، كما تنقل صحيفة Business-Standard، إلا أن الخبراء يرجعون التفجيرات إلى تلاعب في سلسلة التوريد. ويعتقدون أنه من الممكن أن تكون أجهزة تفجيرية صغيرة قد زُرعت في هذه الأجهزة قبل تسليمها إلى حزب الله.

ووفق هذه النظرية، فإنه لتنفيذ الهجوم في وقت واحد، من المحتمل أن تكون هذه المتفجرات قد تم تفجيرها عن بعد باستخدام إشارة راديو.

ويوضح كارلوس بيريز، مدير الاستخبارات الأمنية في شركة TrustedSec الأمريكية للأمن السيبراني، أنه بحلول وقت الهجوم، كانت البطاريات ربما تتكون جزئيًا من مادة متفجرة وجزئيًا من بطارية فعلية.

وكانت رويترز نقلت عن مصدر أمني لبناني أن كمية صغيرة من المتفجرات زُرعت في 5000 جهاز بيجر بواسطة وكالة الاستخبارات الإسرائيلية الموساد. كما أُفيد بأن أجهزة البيجر صُنعت من قبل شركة Gold Apollo التايوانية، التي نفت بدورها هذه الاتهامات.

اقرأ أيضًا: ماذا يعني اغتيال إسماعيل هنية؟

لماذا كانت أجهزة البيجر هدفًا سهلًا؟

تنقل Business-Standard عن ضابط سابق في الجيش البريطاني، متخصص في التخلص من المتفجرات، إن أجهزة البيجر تحتوي على ثلاثة مكونات من بين خمسة شائعة في الأجهزة المتفجرة: وعاء، بطارية، جهاز تفجير، صاعق، وشحنة متفجرة.

لماذا فشل حزب الله في اعتراض الهجوم؟

كان حزب الله يستخدم أجهزة البيجر لتجنب المراقبة، بناءً على توجيهات زعيمه حسن نصر الله. وفشل في اعتراض الهجوم لأن هذه الأجهزة المتفجرة كانت من نوع جديد لم يستخدمه الحزب من قبل، تم الحصول عليها قبل حوالي 6 أشهر.

كان حزب الله يستخدم أجهزة البيجر لتجنب المراقبة، بناءً على توجيهات زعيمه حسن نصر الله. (الصورة - وكالات)
كان حزب الله يستخدم أجهزة البيجر لتجنب المراقبة، بناءً على توجيهات زعيمه حسن نصر الله. (الصورة - وكالات)

ما تعنيه هجمات البيجر

في تحليله لتداعيات تفجيرات البيجر في لبنان وسوريا، يقول ميك ريان، الباحث في الدراسات العسكرية ببرنامج الأمن الدولي في معهد لوي، وهو مركز أبحاث مستقل تأسس في أبريل 2003: إذا كانت إسرائيل هي المسؤولة عن الهجوم، فسيكون لذلك تداعيات كبيرة على حزب الله وقيادته.

ويضع ريان لهذا الهجوم عدة نتائج:

أولًا: أن إسرائيل قادرة على تحديد واستهداف أعضاء حزب الله بغض النظر عن مواقعهم أو مناصبهم في التنظيم. وهذا يعد مؤشرًا على كفاءة أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، رغم الإخفاقات التي سبقت أحداث 7 أكتوبر التي نفذتها حماس. وهو ما يثبت قدرة الدولة العبرية على تنفيذ هجمات معقدة وجريئة، تتجاوز أحيانًا فشلها الواضح إلى الآن في تحقيق أهدافها من العدوان على غزة.

ثانيًا، تُظهر إسرائيل بهذا الهجوم ردًا غير تقليدي على هجمات حزب الله الصاروخية على شمال إسرائيل. وذلك بطرق دقيقة ومبتكرة، وليس فقط بالضربات الجوية.

ثالثًا، توجه إسرائيل رسالة واضحة إلى قيادة حزب الله بأنها قادرة على استهدافها شخصيًا، وأنها تستطيع إزالة طبقات كاملة من هيكل القيادة في الحزب في لحظة واحدة. وهذا من شأنه أن يسبب ارتباكًا في صفوف الحزب ويقلل من قدرته على التخطيط والتنسيق لشن هجمات واسعة النطاق ضد إسرائيل.

وأخيرًا، يقول ريان إن إسرائيل أثبتت أنها قادرة على التغلغل في شبكات الاتصالات وسلاسل التوريد الخاصة بحزب الله. وهذا سيجعل كل عضو في الحزب يعيد التفكير في مدى الثقة في الأجهزة والمعدات التي يوفرها لهم التنظيم.

وبشكل أوسع، أوضحت إسرائيل أنها قادرة على اعتراض والتلاعب بالإمدادات الموجهة لحزب الله، وهو أمر يثير التساؤل حول ما يمكن أن تكون قد تلاعبت به أيضًا، ولا يعلمه أحد بعد.

رئيس الوزراء الإسرائيلي يقود منطقة الشرق الأوسط إلى الحرب رغم محاولات التهدئة (الصورة - وكالات)
رئيس الوزراء الإسرائيلي يقود منطقة الشرق الأوسط إلى الحرب رغم محاولات التهدئة (الصورة - وكالات)

تداعيات الحرب الدقيقة التي تقودها إسرائيل

يقول ريان إن هجمات البيجر -في جزء منها- تمثل دليلًا على أن الأفراد باتوا أكثر عرضة لهجمات دقيقة وشخصية.

اقرأ أيضًا: بعد اغتيال هنية.. إلى أي مدى باتت “الحرب الشاملة” قريبة؟

ورغم أن العمليات الإلكترونية وهجمات وسائل التواصل الاجتماعي أظهرت هذا الواقع لفترة، إلا أن استخدام الأجهزة المتفجرة المحمولة ظل نادرًا نسبيًا، حتى تصاعد تنفيذ الهجمات الشخصية المميتة خلال العامين الماضيين باستخدام الطائرات المسيّرة التي تستهدف الجنود في ساحة المعركة في أوكرانيا وروسيا.

والآن، أظهرت انفجارات لبنان أن هذه الهجمات الشخصية المميتة ممكنة على نطاق واسع، وخارج ميادين القتال. ولا تتطلب مثل هذه الهجمات موارد دولة؛ فهي ممكنة إذا تمكنت جهات فردية أو جماعات ذات دوافع معينة من الوصول إلى الأجهزة الشخصية للمسؤولين الحكوميين أو السياسيين.

تُبرز هذه الهجمات أيضًا مثالًا آخر على ضعف سلاسل التوريد فيما يتعلق بالدول التي تستورد الكثير من سلعها المصنعة الهامة، بما في ذلك السيارات والهواتف والحواسيب والأجهزة اللوحية والسلع الشخصية الأخرى، لأنها باتت عرضة لتهديدات مًرعبة ومتزايدة. إذ لا يصعب اعتراض الشحنات في مراحل مختلفة من نقلها من المصنع إلى المستودع، وزرع ما تريده أجهزة الاستخبارات والدول المعادية بها، كما حدث في أجهزة البيجر التي تسلمها حزب الله قبل 6 أشهر.

يقول ريان: الأمر لا يتطلب إدخال المتفجرات في السلع الاستهلاكية لجعلها قاتلة. يمكن ببساطة أن تتعرض البرامج في الأجهزة مثل الحواسيب اللوحية أو السيارات الكهربائية للتلاعب، بحيث تسبب ارتفاعًا في درجة حرارة البطاريات أو تجعل السيارات تتصرف بطرق غير متوقعة.

ووفق ريان، فإن الأيام المقبلة ستظهر تفاصيل أكثر حول تفجيرات البيجر في لبنان. ومن المؤكد أن بعض هذه الأجهزة فشلت في العمل كما هو مخطط لها. وسيتم فحص الأجهزة التي نجت من التفجير وتصميمها لاكتشاف أي ثغرات، وقد يتم استنساخها من قبل حزب الله وحلفائه في حماس وإيران وخارجها.

ميك ريان
ميك ريان

ويختتم ريان بأن هذه الهجمات الأخيرة ليس من المفترض لها أن تمثل مفاجأة؛ إذ طورت الدول طرقًا دقيقة بشكل متزايد لاستهداف الأفراد والمعدات والمنشآت منذ أن أدخلت القوات الجوية الأمريكية القنابل الموجهة بالليزر خلال حرب فيتنام. لذا، فإن هذه الهجمات في لبنان ما هي إلا استمرارًا لهذا الاتجاه، ونذيرًا بعصر أكثر خطورة على مستوى الهجمات الشخصية في عصر الحرب الدقيقة.


أمضى ميك ريان 35 عامًا في الجيش الأسترالي، خدم في تيمور الشرقية، العراق، وجنوب أفغانستان، وعمل كخبير استراتيجي في البنتاغون. حصل على بكالوريوس في الدراسات الآسيوية، وتخرج بامتياز من عدة مؤسسات تعليمية عسكرية ودولية.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة