على وقع التظاهرات المناهضة لقمع الحريات وموجة الترهيب ضد المرشحين، انطلقت أمس الحملة الانتخابية للانتخابات الرئاسية التونسية، لتتواصل حتى الرابع من أكتوبر المقبل، أي قبل يومين من يوم الاقتراع المقرر في السادس من الشهر نفسه. بينما أمرت المحكمة الإدارية هيئة الانتخابات، بإعادة السياسي البارز منذر الزنايدي إلى سباق الانتخابات الرئاسية، محذرة من أن رفض ذلك قد يؤدي إلى مسار انتخابي غير قانوني.
وكانت المحكمة قد طالبت الجمعة أيضا بإدارج عبد اللطيف المكي في سباق الانتخابات من جديد بعد رفض هيئة الانتخابات إعادته للسباق مع الزنايدي وعماد الدايمي، بسبب ما قالت إنه نقص في ملفاتهم.

وكانت الناشطة السياسية والمدنية، نورس الهمادي، نددت بالتضييقات المفروضة على الصحافيين والناشطين السياسيين والمرشحين للانتخابات الرئاسية، مؤكدةً أن الشباب نزلوا إلى الشوارع للاحتجاج على الأوضاع الحالية، مشيرةً إلى أن "الوضع لم يعد يحتمل، خاصة مع التعدي المستمر على الحقوق والحريات".
من جانبه، رأى وسيم الحمادي، البالغ من العمر 27 عامًا والعضو في حزب "التيار الديمقراطي" المعارض، أن السلطة تتجه نحو الاستبداد وتتراجع عن مكتسبات الثورة من حرية وكرامة، مشددًا على أنها ارتدت على مبادئ الديمقراطية.
جاءت هذه المظاهرات قبل ساعات من الانطلاق الرسمي لحملات الانتخابات الرئاسية. وقد اعتقلت السلطات المرشح الرئاسي العياشي زمال في الثاني من الشهر الجاري، للاشتباه بتورطه في تزوير وثائق تتعلق بملف ترشحه.
ورغم صدور قرار قضائي بإطلاق سراحه قبل أسبوع، إلا أن السلطات أعادت اعتقاله فور خروجه من السجن. وهو واحد من بين 3 مرشحين تم اعتمادهم في القائمة النهائية للانتخابات، إلى جانب الرئيس الحالي قيس سعيد والنائب البرلماني السابق زهير المغزاوي.
استبعاد متعمد لمرشحين رئاسيين
في بداية الشهر الحالي، أعلنت هيئة الانتخابات التونسية اعتماد ثلاثة مرشحين فقط للانتخابات الرئاسية المقررة في 6 أكتوبر، بينهم الرئيس الحالي قيس سعيد، والأمين العام لحركة الشعب زهير المغزاوي، والعياشي زمال، الذي يواجه اتهامات وتحتجزه السلطات.

أقصت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات 14 مرشحًا آخرين، بينهم منافسون بارزون لسعيد، بحجة عدم استيفائهم شروط الترشح. كما رفضت الهيئة تنفيذ قرار المحكمة الإدارية القاضي بإعادة ثلاثة من هؤلاء المرشحين إلى السباق الانتخابي. وتسبب هذا القرار في تقليص عدد المرشحين إلى ثلاثة فقط، أحدهم في السجن.
اقرأ أيضًا: الرئيس التونسي يمنح نفسه حق تعيين هيئة الانتخابات
وربح المرشحون المرفوضون، وهم وزير الصحة السابق عبد اللطيف المكي، الوزير السابق منذر الزنايدي، وعضو البرلمان السابق عماد الدائمي، طعونًا أمام المحكمة الإدارية. لكن الهيئة رفضت تنفيذ حكم المحكمة، مبررة ذلك بأنها تلقت القرار بعد انقضاء المدة القانونية.
هذا الموقف أثار انتقادات واسعة، إذ وصف معارضو هيئة الانتخابات القرار بأنه دليل على تبعيتها للرئيس سعيد، خاصة بعد إعادة هيكلتها في أبريل 2022، حين أصبحت جميع أعضائها السبعة معيّنين من قبل الرئيس. ويرى المعارضون أن الهيئة تدخلت بشكل يهدد نزاهة الانتخابات لصالح سعيد.
وفي بيان مشترك، انتقد عشرات من أساتذة القانون والعلوم السياسية في تونس تبريرات الهيئة، مؤكدين أن عدم تنفيذ قرار المحكمة يُعد "خرقًا فادحًا للشرعية" ويمس بمصداقية الانتخابات. كما وصف الاتحاد العام التونسي للشغل هذا القرار بأنه "تجاوز خطير للقانون" ويعكس غياب المناخ المناسب لإجراء انتخابات ديمقراطية شفافة.
ومن جانبه، أوضح المتخصص في الحوكمة محمد الضيفي أن الأزمة السياسية مع هيئة الانتخابات بدأت عندما أصدرت قرارًا ترتيبيًا لتعويض عدم تعديل القانون الانتخابي ليتماشى مع دستور 2022. هذا القرار أضاف شروطًا جديدة لم تكن موجودة في القانون الانتخابي، مما أدى إلى استبعاد بعض المرشحين، وفق ما نقل موقع "إندبندنت عربية".
أما المحلل السياسي رياض جراد، المناصر للرئيس سعيد، فقد دافع عن قرارات الهيئة، مؤكدًا أن أسباب استبعاد المرشحين تتعلق بوجود قضايا تتعلق بتزوير التزكيات وشراء الذمم، بالإضافة إلى أحكام قضائية تمنع البعض من الترشح مدى الحياة.

قضاة وسياسيين ورجالة أعمال.. حملة اعتقالات واسعة
منذ فبراير الماضي، تشهد تونس حملة اعتقالات واسعة طالت إعلاميين، نشطاء، قضاة، رجال أعمال، وسياسيين، من أبرزهم رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي وقيادات بارزة في الحركة، مثل علي العريض، ونور الدين البحيري، وسيد الفرجاني.
واتهم الرئيس التونسي بعض الموقوفين بالتآمر على أمن الدولة وافتعال أزمات تتعلق بتوزيع السلع وارتفاع الأسعار، وهي اتهامات تنفيها المعارضة بشدة.
حركة النهضة، التي تعتبر أبرز معارضي الرئيس قيس سعيد، نددت في بيان مساء الخميس بحملة المداهمات والاعتقالات التي طالت حوالي ثمانين من أعضائها، ووصفت هذه الحملة بأنها "انتهاك لأبسط الحقوق المكفولة قانونيًا".
وفي تطور آخر، اعتقلت الشرطة قيادات محلية للحركة بمحافظة بن عروس، من بينهم محمد القلوي عضو المكتب التنفيذي للحركة ومحمد علي بوخاتم، الكاتب العام المحلي بالمحافظة. كما أصدر القطب القضائي لمكافحة الإرهاب في تونس مذكرة اعتقال بحق الأمين العام لحركة النهضة العجمي الوريمي في 24 يوليو الماضي.
وإلى جانب الاعتقالات، تعرضت وسائل الإعلام في تونس لضغوط متزايدة. فقد تلقى العديد من الإذاعات المحلية تنبيهات من الهيئة العليا للانتخابات بسبب تغطياتها الإعلامية التي اعتُبرت "غير محايدة". وأوضحت نقابة الصحفيين أن هذه التنبيهات تأتي ضمن سلسلة ضغوطات تمارسها الهيئة على الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، بهدف فرض سيطرة على الإعلام.
وفيما يتزايد التضييق على الصحفيين، حيث تم حبس عدد منهم والتحقيق مع آخرين على خلفية محتويات أعمالهم الصحفية.
والجمعة، أصدرت الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان بيانًا، أكدت فيه الحاجة الماسة لدعم الحريات في تونس، محذرة من أن البلاد تواجه موجة استبدادية غير مسبوقة، وطالبت المجتمع الدولي بالتضامن مع المجتمع المدني التونسي.