يبدو أنه ليس من قبيل المصادفة أن يتوعد رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، بـ"إذلال" أي دولة تهدد مصالح بلاده، في يوم عيد الفلاح المصري، الذي يعاني ظروفًا صعبة، وتطارده كوابيس شح المياه، في بلد يستورد 12 مليون طن من القمح سنويًا، كما يقول الأكاديمي نادر نور الدين، أستاذ الاقتصاد الزراعى والمياه بكلية الزراعة جامعة القاهرة الخبير الدولي في المياه والحبوب.

"نور الدين"، الذي تحدث عن تفاصيل معاناة الفلاحين/ات، في ندوة أقامها الحزب الاشتراكي المصري، بمناسبة عيد الفلاح، مساء الإثنين، تحت عنوان" الفلاحون واستراتيجية وطنية للزراعة المصرية"، أشار إلى ما تمر به الزراعة في مصر من منعطف تاريخي كبير، حيث يشكو الفلاحون من إهمال الدولة لمنتجي الغذاء الأساسي للمصريين، الذين يعانون إفقار شديد بسبب السياسات المتعاقبة التي لا تراهم، على حد قوله.
وأضاف أنه رغم أن الزراعة ومنتجاتها تستوعب ما يزيد على 50% من العمال المصريين، فإن الدولة تستورد أغذية وحبوب بـ15 مليار دولار سنويًا، مع أنها لو اهتمت بالفلاحين وعاملتهم مثلما عامل العراق المزراعين لحققت اكتفاءً ذاتيًا في السلع الأساسية.
وضرب الأكاديمي المتخصص، المثال بالعدس الذي لا يحتاج سوى 100 ألف فدان، والفول الذي يحتاج لزراعة ما يقل عن نصف مليون فدان، والأرز الذي تفيد زراعته أراضي الدلتا، بتنقيتها من الأملاح القادمة من البحر، موضحًا أن زراعة مليون و500 ألف فدان بالأرز في الدلتا تخفض أسعاره على المصريين، وتفيد التربة وتحافظ عليها، وأن قطاع الزراعة في مصر يتضرر بغياب العنصر الأساسي فيه وهو الفلاح.
وتساءل الخبير الدولي: هل يعقل أن دولة من محاصيلها الأساسية العدس، تصل فيها تكلفة إعداد وجبة شوربة عدس أغلى من أي شوربة أخرى؟ وهل يعقل أن نستورد 50% من الفول وجبة الإفطار الأساسية لدى المصريين؟ وهل يعقل أن ندفع في قمح درجة ثانية أسعارا مضاعفة لقمحنا المصنف درجة أولى؟ وهل تريد الدولة أن يهاجر الفلاحون؟

نموذج العراق
مستشهدًا بنموذج العراق، قال "نور الدين" إن الحكومة هناك تعاقدت مع المزراعين على شراء القمح بضعف السعر العالمي أي بـ 400 دولار للأردب، وذلك رغم الأزمة المائية التي يعيشها العراق، بعد بناء تركيا عددًا من السدود على نهري دجلة والفرات، إلا أن المسؤولين هناك يدركون قيمة الزراعة.
بينما تساءل: لماذا لا تطبق الحكومة عندنا مثل هذه السياسة في محصول قصب السكر مثلًا، دعمًا للفلاح وحلًا لأزمة ارتفاعات أسعار منتج السكر، الذي تتحجج الدولةً بأن أحد أسبابها الرئيسية نقص محصول القصب، الذي لا يستخرج السكر فقط منه بل و17 سلعة أخرى، منها العسل والكحول الأبيض والعلف، حيث تمتلك مصر حصة تصديرية معقولة جدًا منها.
دولار البحث العلمي بـ 10 دولارات
ووفق "نور الدين"، فإن مساحة الأراضي الزراعية التي تشارك بـ12% من الدخل القومي للدولة، إن زادت وزاد معها الاهتمام بالمحاصيل الاستراتيجية كالقمح والفول والعدس والأرز والسكر والمحاصيل المنتجة للزيوت والعلف الحيواني كالذرة الصفراء سيقل ما نستورده جدًا، ما يعني توفير العملة الصعبة. هذا مع العلم أن المحاصيل الأخرى التي نصدرها لا تعطيني سوى مليارين ونصف المليار دولار، في الوقت الذي نستورد فيه سلع أساسية بـ15 مليار دولار.

ولهذا، يطالب "نور الدين" وزراء الري والزراعة والتموين بوضع استراتيجية مشتركة لغذاء المصريين، وألا يتعالوا على الفلاحين، ويشاركونهم هذه الاستراتيجية بما يخدم الصالح العام، ويقول إن الأولى هو الاكتفاء الذاتي من المحاصيل والسلع الرئيسية، ثم البحث العلمي الذي يمد مصر ببذور وشتلات لا تستهلك المياه بسبب ارتفاع درجات الحرارة والتغيرات المناخية، مؤكدًا أن "كل دولار ننفقه على البحث العلمي نكسب مقابله 10 دولارات".
المستفيد من أزمة الأسمدة
وتطرقًا إلى أزمة الأسمدة، أشار أستاذ الاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة، إلى قصة مندوب للبنك الدولي التقاه، وكان رجلًا من إفريقيا يعرف معاناة أبناء القارة، أكد في مؤتمر شارك فيه "نور الدين" أن الدول لا تفهم أن الأسمدة لا تفيد الفلاح فقط، بل تفيد الدولة كلها.
وأوضح أن اضطرار الفلاح لوضع نص الأسمدة المطلوبة للزرعة يقلل إنتاجيتها بنسبة 30%، وبالتالي يرتد الأمر في القمح مثلًا إلى الاستيراد بالعملة الصعبة، فكلما أهملت الدولة الجانب المتعلق بالأسمدة زاد التكلفة المرتدة عليها في توفير السلع التي تحتاجها، وبعدت عن الوصول للاكتفاء الذاتي.

ومن هنا، ينصح "نور الدين" الحكومة بشراء محاصيل الفلاح المصري بالسعر العالمي، وتخفيض أسعار الأسمدة والغاز التي شهدت بالفعل انخفاضات في الأسعار العالمية، بينما لا تزال على ارتفاعاتها في مصر، في وقت يعاني الفلاح من إيجارات الأراضي الزراعية، التي وصل سعر إيجار الفدان منها إلى 25 ألف جنيه، وفي بعض المناطق 40 و50 ألف جنيه.
دور الفلاح
ويرى "نور الدين" أن للفلاح دور يقتصر على إنتاج المحاصيل الزراعية، وأنه في سبيل إنجاز مهمته بحاجة لدعم الدولة ورعايتها، إذ لن ينخفض سعر الطعام طالما لا نعتني بقدراتنا الزراعية، ضاربًا المثل بأسعار الزيوت التي وصلت إلى لـ 120 و150 جنيه للكيلو بسبب عدم زراعة فول الصويا وعباد الشمس، مع غياب مشتري هذه المحاصيل من الفلاحين، في وقت كان لابد أن تتحول الدولة إلى مشتري يوفر العصارات اللازمة لإنتاج هذه الزيوت، والتي أغلقت بفعل الأزمة الاقتصادية.

قضايا الفلاحين والفقراء
حضر الندوة، أحمد بهاء الدين شعبان، رئيس الحزب الاشتراكي المصري، وكريمة الحفناوي القيادية بالحزب، والمحامية ماجدة رشوان، ومحمد أمين، عن حزب التحالف الشعبي ، ووفاء عشري عن حزب العيش والحرية، وعدد من الفلاحين.

واستعرض بهاء الدين في مقدمة الندوة، جزءًا من برنامج الحزب الاشتراكي المصري، فيما يخص رؤية الحزب لقضايا الفلاحين والفقراء، فيما أدار الندوة محمد خليل القيادي بالحزب، والذي تطرق بايجاز إلى المشاكل التي تلاحق الغذاء والزراعة والفلاحين في مصر، وطرق الحفاظ على حصة مصر من المياه.