الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان.. 3 سنوات على ربيع القاهرة المعطل

3 سنوات مرت على الإعلان عن الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان (2021 - 2026)، التي كان ينظر مراقبون إليها باعتبارها بداية "ربيع القاهرة".

ومع ذلك، فإن هذا الربيع القاهري تعطل بفعل آلة دعاية حكومية ترفع على الدوام شعار "كله تمام"، كلما أتى ذكر فعالية الاستراتيجية الوطنية، والأثر الذي لا يُلمس لها في الواقع، خاصة فيما يتعلق بالحقوق السياسية والمدنية.

تتضمن الاستراتيجية 4 محاور رئيسية: الحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وحقوق المرأة والطفل وذوي الإعاقة والشباب وكبار السن، والتثقيف وبناء القدرات في حقوق الإنسان، فيما يبلغ عدد مستهدفاتها 226 مستهدفًا، كان مقررًا لها التنفيذ عبر مسارات تنفيذية وتشريعية وتثقفية، تتعاون فيها مؤسسات الدولة والجهات المعنية.

في أغسطس الماضي، أعلنت اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان نجاح الاستراتيجية، في تنفيذ المزيد من مشروعات المحاور الأربعة، خلال الفترة الماضية، بحسب تقديرها.

وقد عدّت مشروع قانون الإجراءات الجنائية، أحد أبرز ملامح هذا النجاح رهن الإعداد في تنفيذ بنود الاستراتيجية، وفق بياناتها، رغم أن حقوقيين وسياسيين ونخب مصرية كثيرة تصف هذا المشروع بأنه غير دستوري، يهدد منظومة العدالة والحقوق والحريات في مصر.

الاستراتيجية الوطنية.. رهن التعطيل وعدم التنفيذ

يقول محمد أنور السادات، رئيس حزب الإصلاح والتنمية عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، إن الترحيب الذي لاقته الاستراتيجية محليًا ودوليًا وقت ولادتها قبل 3 أعوام، والذي تبعه تفاؤل كبير بسبب المحاور العديدة التي تلمس هموم المجتمع المدني والمعنين بحقوق الإنسان في مصر، تبدل الآن.

ويضيف "السادات"، في حديثه لـ"فكر تاني"، أن الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان اليوم رهن التعطيل وعدم التنفيذ، بينما لا يزال الوضع على ما كان عليه من معاناة ترسم ملامح المشهد الحقوقي والسياسي في البلاد.

ويوضح أن الجانب السياسي والمدني بالاستراتيجية لم يشهد إنجازات حقيقية، رغم تحركات وجهود ومطالبات من السياسيين والحزبيين والحقوقيين والمجلس القومي لحقوق الإنسان لتفعيل كل المستهدفات، وهو ما ظهر بوضوح في مناقشات الحوار الوطني عند انطلاقه في 3 مايو 2023.

محمد أنور السادات رئيس حزب الإصلاح والتنمية عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان
محمد أنور السادات رئيس حزب الإصلاح والتنمية عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان

ووفق "السادات"، فإن مسار الحقوق المدنية والسياسية هو نموذج صارخ على الوضع الراهن، الأمر الذي يتطلب توسيع المجال العام وإقرار حرية الرأي والتعبير والسماح بحق التظاهر وحرية تكوين الأحزاب والجمعيات.

لكنه يشير كذلك إلى بعض النجاحات التي تحققت فيما يتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كالحق في الحياة الكريمة، التي لمس فيها بعض التفعيل، على حد قوله.

ويؤكد السادات، أهمية وجود إرادة سياسية حقيقية لفتح المجال العام، ما يدفع بالمناخ في نهاية المطاف إلى ما يريده المصريون وينفع مصر. بينما يشدد على أن الجانب السياسي والمدني في الاستراتيجية الوطنية على وجه التحديد، لن يطبق ما لم يتم إعلان مرحلة جديدة أساسها الانفتاح السياسي.

ولا يزال عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان يتمسك بالأمل في أن تتدارك الدولة الموقف فيما تبقى من سنوات في عمر الاستراتيجية التي تنتهي في عام 2026، في ظل وجود جهود مخلصة تبذل من الجميع، خاصة وأن مؤسسات الدولة تأكدت بما لايدع مجالًا للشك، أنه لابد من حدوث تغيير حقيقي، مذكّرًا بالتعهدات الدولية والالتزامات التي يجب على مصر احترامها، مع قرب المراجعة الدورية الشاملة في الأمم المتحدة في يناير المقبل.

ويشدد "السادات على أن قضية التغيير في مصر مسألة وقت. صحيح أنه لن يحدث في يوم وليلة، لكن المكاسب الصغيرة يمكن أن يُبنى عليها، حتى يشعر المواطن المصري بصون كرامته واحترام حقوقه، ما يعزز الانتماء والولاء، ويحقق مستهدفات الاستراتيجية، حسبما يقول.

"الإجراءات الجنائية" يتناقض مع الاستراتيجية

نجاد البرعي
نجاد البرعي - خاص "فكر تاني"

هذا التعطيل في تنفيذ مستهدفات مسار الحقوق المدنية والسياسية بالاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان يراه أيضًا الحقوقي نجاد البرعي، عضو مجلس أمناء الحوار الوطني، في حين يؤكد أن باقي بنود الاستراتيجية ليست في مجال متابعة حاليًا، وأن أبرز ما يمكن الالتفات إليه الآن هو ما يتعلق بالحقوق المدنية والسياسية.

ويصف عضو مجلس أمناء الحوار الوطني، في حديثه لـ"فكر تاني"، مشروع قانون الإجراءات الجنائية المقترح الذي تنظره اللجنة التشريعية والدستورية بمجلس النواب، الذي تعتبره الحكومة أحد إنجازاتها المتوافقة مع الاستراتيجية هو في حقيقته نموذجًا للتناقض في المجال العام مع الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، مؤكدًا أنه سيكون أحد أدوات إعاقة أي تنفيذ محتمل للاستراتيجية، بما يحمله من تعارض صارخ معها.

ويشير "البرعي" إلى العديد من الوقائع منذ تدشين الاستراتيجية في عام 2021، تبرز هذا التباعد بين ما هو يطبق على أرض الواقع وبنود ومستهدفات الاستراتيجية، مثل القبض على الصحفيين والمعارضين، وهو أمر يستدعي ضرورة سرعة تصحيح مسار هذا الملف.

ويحمل "البرعي" اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان والحكومة مسؤولية عدم تنفيذ مستهدفات الحقوق المدنية والسياسية، مؤكدًا أن الأزمة الأساسية التي تعيشها مصر تكمن في عدم وجود إرادة سياسية للتحول الإيجابي في المجال السياسي المدني، بما يؤول فعليًا إلى تنفيذ جاد وحقيقي لبنود الاستراتيجية، خاصة في الجانب الحقوقي السياسي والمدني.

الاستراتيجية.. مجرد كلام

اتفاقًا مع رأي نجاد البرعي، تقول كريمة الحفناوي، عضوة الحزب الاشتراكي المصري، إن غياب الإرادة السياسية والتشريعية والتنفيذية هو السبب الرئيسي في عدم تفعيل الاستراتيجية.

كريمة الحفناوي
كريمة الحفناوي

وتدلل على ذلك بعدم تفعيل التوجيهات الرسمية فيما يخص قانون الأحوال الشخصية، وتوصيات الحوار الوطني بشأن الحبس الاحتياطي، بالتزامن مع تحكم السلطة التنفيذية في السلطة التشريعية عبر أغلبية مضمونة.

وتضيف "كريمة"، في حديثها لـ "فكر تاني"، أن الحكومة هي من تصدر التشريعات الواجبة لتفعيل أو تعطيل بعض ما جاء في الاستراتيجية، مثل مفوضية مناهضة التمييز، التي يوجد لها مشروع قانون جاهز للمناقشات، شاركت فيه والعديد من منظمات المجتمع المدني، ولكنه لم يُقر بعد.

وتشير عضوة الحزب الاشتراكي المصري إلى أن الاستراتيجية من حيث الشكل متكاملة إلى حد كبير، لكنها لا تزال "مجرد كلام جميل غير ملموس على أرض الواقع"، ضاربة المثل بمجال الحريات الذي تدعو الاستراتيجية إلى تعزيز الحقوق الدستورية فيه، بينما الواقع يعكس مزيدًا من التضييق على المجال العام، وإلقاء القبض على المعارضين، وتحويل الحبس الاحتياطي إلى عقوبة، وحصار المعرفة وتداول المعلومات.

وترى "كريمة" أن زخم البدايات مع بدء الحديث عن الاستراتيجية في عام 2021، ثم مع إعلان عام 2022 للمجتمع المدني، والفعاليات حول مستهدفات الاستراتيجية في المجلس القومي لحقوق الإنسان، انقطع الآن كله وكأن الاستراتيجية لم تكن ولم تُطرح لمناقشات سابقة.

نعتبرها جنينًا وُلد ميتًا

"نحن نعتبرها جنينًا وُلد ميتًا، للأسف، لم نمنح فرصة للحكم عليه عندما يكبر، رغم أننا من أنصار استخدام كل ما هو ممكن والتعامل مع كل ما هو متاح، واحتلال كل المساحات الممكنة، وكنا مستعدين للتفاعل معها، بهذا المنطق، عبر المشاركة والنقد".

هكذا يصف الحقوقي حسام بهجت، المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، الاستراتيجية في حواره مع "فكر تاني"، في أغسطس الماضي.

حسام بهجت - تصوير محمد الراعي
حسام بهجت - تصوير محمد الراعي

ويضيف أنه بعد مرور نصف المدة المقررة لتنفيذ الاستراتيجية، يمكن تقييمها بأنها ضعيفة منذ البداية، لم تُنفذ باعتراف القائمين عليها الذين لا يحبذون التصريح بذلك علنًا.

ويرى "بهجت" أن من أهم سبب لفشل الاستراتيجية هو أنها تخلو من الإجراءات والخطط التنفيذية، وتعتمد على تقييم الوضع المنفصل عن الواقع، مع إعلان للنتائج المطلوبة فقط، إلى جانب خلوها من أي كلمة عن سجناء الرأي والمعتقلين أو الحبس الاحتياطي، لدرجة أن إجراءات مثل الدعوة للحوار الوطني أو إلغاء حالة الطوارئ أو إنشاء لجنة العفو الرئاسي، غير موجودة نصًا في الاستراتيجية من الأصل.

ويشير "بهجت" إلى أن "صياغة الاستراتيجية كذلك تحمل عبارات فضفاضة للغاية، من عينة 'مواصلة العمل على التعبير عن الآراء التعددية في وسائل الإعلام' لدرجة تجعل من المستحيل تقييم تلك النتائج المطلوبة، فلا أحد يعلم المدخل، ولا أحد يستطيع تقييم النتيجة.

ولذا، لم تنجح الاستراتيجية بعد صدورها في تغيير أي شيء في المشهد الحقوقي، واستمر الحبس الاحتياطي، ولم يتوقف حجب المواقع، أو التوسع في المحاكمات الاستثنائية، وباتت الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في نزيف متواصل، على حد قوله.

الاستراتيجية استجابة مظهرية شكلية

هشام جعفر
هشام جعفر

يقول الباحث والأكاديمي هشام جعفر إن "الاستراتيجية" فرصة مهمة لتحقيق مصالح النظام والدولة والمجتمع، فيما كان يمكن أن يُمهد لـ "ربيع القاهرة"، إلا أن هذا الربيع تعطل

وفي حواره مع منصة فكر تاني، في مايو الماضي، يضيف "جعفر": "ربيع القاهرة، في نظري، بدأ في أواخر 2021، من خلال إطلاق هذه الاستراتيجية الوطنية، وامتد للحديث عن الحوار الوطني والحوار حول سياسات ملكية الدولة، وكلها مبادرات كان يمكن لها إحداث الأثر المطلوب والجيد فيما يطلق عليه استعادة السياسة إلى بر مصر، بما يحقق مصالح النظام والدولة والمجتمع".

لكن للأسف كل هذه المبادرات تحولت إلى استجابات مظهرية، ولم تنتج ما يُفترض لها في المشهد العام، أو حتى عبر تحقيق أهدافها؛ فتعطل ربيع القاهرة"، وفق "جعفر" الذي يرى أن إشكالية مصر تكمن في تحول بعض الأفعال ذات القيمة الأساسية، التي يمكن أن تُحدث أثرًا مطلوبًا، إلى استجابات مظهرية شكلية لا تتحول إلى أفعال تحقق المأمول والضروري لمصر.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة