رسوم – سلمى الطوبجي
في الصمت، كنتُ أسمع الصوت المميز للماعز في الحظيرة. هكذا كنا، وكان "محمد" حارسًا يكشر دومًا عن أنياب العقاب، قائمًا علينا، مُطبق بيده على الهواء، على المفتاح وعلى القانون.
المُشرف، هو القانون الأوحد بيننا نحن قطيع العمال في مصنع العاشر.
هنا ثالث أكبر المحافظات المصرية تعدادًا، وإحدى الخمس الكبار (القاهرة - الجيزة - البحيرة - الدقهلية - الشرقية) الأعلى كثافة عمالية، حيث العاشر من رمضان، بقوة 400 ألف من العاملين في 6 آلاف مصنع وشركة، تحصيهم أرقام وزارة العمل.
وهذا أنا حسين جعفر، الذي ترك الصحافة مؤقتًا، مرغمًا، هاويًا إلى عالم سُفلي (مصنع الفلاتر ومبردات المياه في العاشر من رمضان)، حيث 1000 غيري من المكبلين بيد كفيلهم ومعاونيه، في ماكينات الإنتاج، وفي أسرّتهم.
وصلتُ المصنع أخيرًا بعد عبور ضاق به صدري بين مكتبي "أ" و"م"، ثم في صحراء متسعة تقطعها تلال من الكباري.
هذه الكباري التي تُزين بها الحكومة صفحة إنجازاتها، حيث ملايين من الدولارات (2 تريليون جنيه) لإنشاء 2500 كوبري/ نفق في عشر سنوات فقط، ما رأيتها إلا تلالًا من الدين تبلغ حصتي فيه إلى الآن 17.2 ألف جنيه، وكثير من الخصخصة توفيرًا للدولار، وعديد من ضحايا تصفية القطاع العام (ما بين 8 و10 آلاف مصنع متوقف ومتعثر) إلى أمواج العمالة الموسمية المتلاطمة.

الأرقام وتحليلها هي رحلة البحث المضني لكل صحفي وصداعه المزمن.. الأرقام هي لعنة كل عامل في مصانع العاشر.
اقرأ أيضاً : “نور الشمس” كاذب.. يوميات صحفي خارج بلاط صاحبة الجلالة (1 – 4)
خازن المصنع
على البوابة، سلّمنا بطاقات الهوية لخازن المصنع.. حارس أمن يتصرف وكأنه في مهمة شديدة القدسية.
أنت هنا رقم بين أرقام. صادر ووارد في كشوف الحضور والانصراف، وبطاقتك رهينة الحبس مثلك، لا يحررها من يد مندوب المكتب إلا حافلة نقلك ذهابًا وإيابًا.
مصنع العاشر كئيب كآبة الجحيم.. جحيم له بوابتان؛ الأولى على الطريق الرئيسي، مخصصةً لكبار العاملين والزوار وخداع الجدد منا، والأخرى خلفية نعبرها جميعًا عمالًا وسيارات شحن وتفريغ.
هذا المصنع كساقية من نار، شُيدت على طوابق أربعة، نلفها كما ساعة أبدية، ألوانها ثلاثة: "بيج" لمشرف القسم/ الوردية، وأخضر لمشرف الخط، وأزرق لنزلاء المصنع من المعينين، فيما لا لون ولا حقوق لعمال اليومية.
نحن هنا كالماكينات تمامًا؛ آلات تدور في 3 ورديات يومية للمعينين، واثنتان للعمالة غير المنتظمة، بينما تُصرف لنا وجبة واحدة تشبه زيت صيانة الآلة، في ساعة الراحة المقسمة على فترتين (20 + 40 دقيقة).
زيّت المكن.. زيّت البشر
"يا راجل.. بتسمي دي وجبة تسد جوع بعد الشقا اللي بنشوفه"
قال زميلي عامل اليومية "محمد" الذي كان ممسكًا بقطعة وحيدة من الجُبن وعلبة من مربى الفواكه تشبه تلك التي تُصرف لتلاميذ المدارس و3 من الأرغفة الصغيرة.
"احنا ما حصلناش عمال يومية حتى، احنا مرمطونات عند كل صاحب سُلطة في المصنع، ومرمطونات عند شركة التوظيف اللي بعتتنا لهم، دا احنا اللي بنصرف على الناس دي، وفاتحين بيوتهم وشركاتهم بفلوسنا ومرمطتتنا في الشغل.. طيب يخافوا علينا زي المكن عشان نعرف نكمل"

رد زميلنا "عمر" قبل أن يذكرّنا بهذه الفرصة الرائعة التي اقتنصناها لتبادل أطراف الحديث عن أحوالنا قبل أن نُجبر على العودة "للمكن" ثم لأسِرتنا في الثانية عشرة صباحًا، حيث لا وقت سوى لإلقاء أجسادنا سويعات 6 قبل العودة للعمل في السادسة والنصف صباحًا.
الكفيل مصري والرحيل مفاجئ
كل صوت شاك في المصنع مُعنّف.
"الشغل ما بيخلصش.. الشغل بيستنى العيل في بطن أمه".
هذه صلاة مشرفينا في استراحة العصر، حين يبادولنا أطراف الحديث أحيانًا تأديبًا وتذكيرًا بمصير من تمرد منا، فذاق الأمرين.
"زمايلكم محمد وعمر مشيوا.. طلعوا عيال مش بتوع شغل"
قال "ع. صاصا" مندوب المكتب في المصنع، كفيلنا في نسخته المصرية. هل سمع الرفيقين "محمد" و"عمر" في استراحتنا الأولى فقرر تسريحهما أم ضاقا بالعمل ذرعًا وقررا الرحيل؟
حيرني هذا الرحيل المفاجئ للزميلين، والحكاية وصلت إلى السكن، لكن لم يتفاعل معها أحد غيري وكأنهم اعتادوها.
التلباني.. وحكاية الأسرى
الأربعيني "محمود التلباني"، قال إن الثنائي محمد وعمر "نفدوا بجلدهم"، وإنهما لم يستردا بطاقتي هويتهما إلا بعد أن دفع كل واحد منهما 100 جنيه، هذا بخلاف الـ350 جنيهًا التي دفعها كل منهما في المكتب قبل الالتحاق بالعمل في المصنع.
"التلباني" مطلق، ولديه طفلة، كان عائدًا من إجازة على حسابه الخاص. فالمصنع لا يرحم الظرف العائلي ولا حتى المرض. و"محمد" المشرف هدد الثنائي الراحل محمد وعمر بإبلاغ القسم إذا ما امتنعا عن سداد مبلغ الـ 100 جنيه لكل منهما.
"كان هيلبسهم تهمة تبديد السرير وهدوم الشغل.. محدش هنا يقدر يقول بم لحد من السمك الكبير يا حسين"
قال "التلباني" ليحيي فينا جميعًا مشاعر القهر ويذكرنا بأننا أسرى لا يُدرك القانون الإنساني الدولي وجودهم رغم أننا بصورة ما نصلح لأن ندخل في نطاقه".
علمتُ من "التلباني" أيضًا أن "محمد وعمر" اتصلا بأهليهما لإرسال 200 جنيه رسم صك خروجهما سليمين من المصنع ومن مكتب الكفيل.. من منا يملك المال أصلًا ثم يدخل برجليه إلى هنا؟.
اقرأ أيضاً : مكاتب “تسفير” إلى جهنم.. يوميات صحفي خارج بلاط صاحبة الجلالة (2 – 4)
يا نور أين الشمس؟
كل هذا الزخم من حكايات القهر كان أكبر من قدرتي على التحمل. كان "لازم أكلمها وأفهم هو فيه ايه بالظبط".
اتصلت بـ"نور الشمس"، وكنت حادًا في حديثي، لا أرى أمامي سوى تدفق المشاهد المروية علّي قبل ليلة.
"والله يا أستاذ حسين أنا ما أعرف حاجة عن كل اللي بتقوله ده.. أنا دوري محدود في إني أوصلك بمكتب (أ) وبس وكل اللي قولتهولك عن الشغل قبل كده ده اللي عرفته من صاحب المكتب.. أنا نفسي ما أعرفش المصنع فين أصلًا"
قالت "نور الشمس" على الجانب الآخر من الخط، قبل أن تقسم أنها تعاني في عملها أيضًا، وأنها ستترك المكتب حتى ولو بقيت عاطلة دون عمل.

"نور" تبحث أيضًا عن شمس لا يصلنا من أثرها سوى النار التي تحرقنا في المصنع.. وفي المكتب. "نور" لها الآن اسم جديد هو حسين الذي ضاقت به دنياه حين حاول تمرد على طبقة العبيد.
بالأرقام، تمثل النساء العاملات نسبة 15.3% من إجمالي المشتغلين/ات في مصر، التي تحتل المركز 175 على قائمة تضم 190 دولة، وفق التقرير السنوي للبنك الدولي، الصادر في مارس الماضي، لمتابعة العوائق أمام النساء في سوق العمل والاقتصاد في العالم. بينما تبلغ نسبة النساء المتعطلات عن العمل 47.6%، وهي نسبة لا تعكس واقع جميع النساء اللاتي يرغبن في العمل، ولكنهن غير قادرات على الحصول على فرص عمل مناسبة، في ظل مناخ تغلب عليه أزمات التحرش والتضييق والتمييز في بيئات العمل وفي الأجور.
الكفيل والسخرة والعيال
وفق نظام الكفيل، لا يُسمح للعمال بتغيير عملهم أو محال إقامتهم دون موافقة الكفيل، الذي يحتفظ بجواز السفر الخاص بالعامل، لا يسلمه إياه إلا وقت رحيله أو لا يسلمه إياه أبدًا لو أراد عقابه. يحدث هذا في بعض دول الخليج، ويحدث أيضًا في مكاتب التوظيف في مصر.
أنا وزملائي في مصنع العاشر شهود هذا الجُرم وضحاياه، احتجزت مكاتب التوظيف بطاقات هوياتنا وشهادات ميلادنا، فلا تسمح لأحد منا بترك العمل وتسلم متعلقاته قبل مرور شهر على الأقل. هكذا يضمنون بقاء المصنع بأقل تكلفة أجر للعاملين.. هكذا يديرونا في سُخرة حديثة اسمها "عامل يومية".
"لو كنت من المحافظات القريبة ورايح بلدك كل أسبوع هتاخد البطاقة بس هيحرموك من سُلفة يوم الجمعة الإجازة، وهيطلبوا منك تبلغ مشرف المكتب قبلها بيوم إنك رايح البلد، ولو اتأخرت يوم عن الشغل لأي ظرف هيخصموا من مرتبك 3 أيام عمل، أما بقى لو كنت من المحافظات البعيدة فمفيش سفر إلى كل شهر أو شهرين".
عرفت هذه القواعد للإجازة من عم "محمد سيد"، أحد العمال القدامى، الذي كان يحذرني همسًا من "العصفورة"، صبي الكفيل، وناقل أخبارنا جميعها إلى المشرف ومندوب مكتب التوظيف.
كلنا مُجبر ولعلل متشابهة. عم محمد سيد مُجبر على عمله هذا وإلا "العيال مش هتلاقي تاكل".
في لقاء 29 يوليو الماضي مع رجال أعمال جمعية مستثمري العاشر من رمضان، تحدث وزير العمل محمد جبران عن العمالة غير المنظمة "التراحيل"، وأوضح الفارق بين العمالة غير المنتظمة المسجلة لدى وزارة العمل عبر مقاولين، وعمال التراحيل الذين تسعى الوزارة خلال الفترة المقبلة إلى تقديم الدعم لهم وتوفير حياة كريمة للمستحقين منهم، تنفيذًا لتوجيهات القيادة السياسية.
هم يعرفون كل شيء، ولا يقدمون أي شيء.
هل التقى الوزير العمال؟
لا.. فآخر همومه على ما يبدو أن يسمع للعامل

المكتب.. مفتاح الفرج
محمد الترزي، الشاب في أوائل الأربعينيات، كان من الحالمين بالتعيين.
"سني مناسب للعمل هنا وفي أي مصنع تاني وبالأخص لو للملابس، بس المشكلة في مكتب التوظيف. لأني حتى لو كنت من اللي ينطبق عليهم شروط التعيين في المصنع، فمش هيعينوني إلا لما أجيب موافقة من مكتب التوظيف، والمكتب زي ما أنتوا عارفين مش هيوافق، وعلى ما أسيب المكتب وأرجع أقدم على وظائف المصنع بعد شهر هتكون الفرصة خلاص راحت".
"الترزي" ومن يصغرونه من باقي العمال أكثرنا شعورًا بقهر لا يتناسب مع ثورية أحلامهم.
في واقعة لا يمكن تخيلها، استولى مندوب مكتب التوظيف على هاتف أحد طلاب الثانوية، من العاملين باليومية، ومنعه وثلاثة من زملائه من العودة لبلدهم، إلا بعد دفع إتاوة الـ 200 جنيه. ومثلهم مثل محمد وعمر اتصلوا بذويهم طالبين الاقتراض ليحرروا أنفسهم.
حتى المقربين من المشرف والمكتب ليس لهم من الحقوق شيئًا.
يحكي "أحمد علي"، زميلنا من الشرقية، وهو بلديات صاحب مكتب التوظيف ومحمد المشرف، أنه طلب سلفة تمكنه من دفع مواصلات انتقاله إلى المحكمة لحضور جلسة قضية يُنظر فيها، فرفض المشرف.
- "أنت اشتغلت يومين بس، والسلفة عشان خاطرك هتاخدها بعد تالت يوم شغل"
-- "أنا مش معايا فلوس يا عمي محمد، ولازم أروح أحضر الجلسة"
- "وأنا مالي يا أحمد"
-- "طيب خلاص اديني حسابي أنا مش شغال هنا، ولازم أحضر الجلسة بكرة، ممكن يتحكم عليا غيابي"
- "مفيش فلوس حساب إلا يوم 15 الشهر الجاي"
مقاولو أنفار
مكاتب التوظيف كما علمت من العمال ليست واحدة، فبعضها يمنح العمال المؤقتين راتبًا شهريًا يترواح بين 5000 و5500 جنيه، ومنها مكاتب توفر سكنًا بلا مقابل، ومنها مكاتب تخصم الإيجار من الراتب.
هذا السكن الأشبه بغرفة الحبس الانفرادي يبدأ إيجاره من 100 جنيه ويصل إلى 300 جنيه، كما يقول عبد الوهاب السوهاجي، الحاصل على دبلوم الزراعة 2023، ويعمل في مكتب"س" للتوظيف.
"احنا مقاولين أنفار، بنوردهم للمصانع والشركات، وبناخد حسنتنا على كل راس"؛ ينقل الخمسيني "سعد رضا" عن صاحب مكتب التوظيف الذي يعمل به. وهو وضع فشلت أمام تحسينه محاولات نقابة العمالة غير المنتظمة.
"النقابة قدمت مشروع قانون لوزير العمل لحماية العمالة غير المنتظمة من جشع مكاتب التوظيف، ومحدش رد علينا لحد دلوقتي"؛ هكذا أخبرني محمد عبد القادر الأمين العام السابق لنقابة العمالة غير المنتظمة، والذي يعترف بأن هذه الفئة من العمالة هي الأضخم في مصر، بينما لا تجد أي اهتمام رسمي.
الشبراوي وقع يا رجالة
اسمه سيد الشبراوي، دخل علينا في اليوم الرابع بعد وصولي. شاب أسمر طويل، في السابعة والعشرين من العمر، حكايته حكاية.
"الشبراوي" هذا حين ألقتنا الصدفة سويًا كان ينفخ من الغيظ، غير متمالك لأي من أعصاب جسده الـ 7 تريليون.
"والله لاطلع... ابن الـ...".
لم يتوقف "الشبرواي" عن سب صاحب مكتب التوظيف الذي ألقي به من رتبة نخاس إلى رتبتنا نحن العبيد.
سأله علي سيد ضاحكًا: "أهلًا بالوارد الجديد أنت كمان جاي من عند م.أ". ورد "الشبراوي": "جاي من عنده ايه، أنا كنت شغال معاه، ببعتله ناس يشغلها وباخد على الراس 100 جنيه، يقوم اللي بيعملوا في الناس كلها يعمله معايا أنا".
"الشبراوي شرب من نفس الكاس اللي بيشربه لينا يا رجالة.. دوق بقى من اللي بتعملوه فينا".
قالها طارق محمد ضاحكًا، وأخفى علي سيد وجهه المنفجر سخريةً، وسرحتُ أنا في وجه الشبراوي، مسرحًا لسيل من أفكار ولعنات تصارعت كلها داخل عقلي المرهق.
عمال التراحيل تانى