عن سواحل مصر.. كيف أُكلت؟

في أوائل يوليو الجاري، أعلنت حكومة مصطفى مدبولي عن تطوير مشروع "ساوث ميد SouthMed" السياحي الفاخر بمنطقة الساحل الشمالي. وذلك، بنظام الشراكة مع مجموعة طلعت مصطفى القابضة، واستثمارات تُقدر بنحو تريليون جنيه (21 مليار دولار).

وقتها، قال "مدبولي" إن الحكومة تعمل على أن يكون الساحل الشمالي مقصدًا لجذب السياحة الأجنبية إلى مصر. وأضاف: "ستكون وجهتنا خلال الفترة المقبل الساحل الشمالي". لكنه أغفل الحديث عن تأثير هذا التوسع الحكومي المتنامي في السنوات الأخيرة في اتجاه السواحل المصرية، بمشروعات تمنع الوصول الحر إلى الشواطئ، بينما تضاعف الآثار البيئية والإيكولوجية الضارة بالنظم البيئية في السواحل المصرية، وعلى رأسها الساحل الشمالي الغربي، الأكثر تضررًا بالأنشطة البشرية في جميع أنحاء مصر، والذي يعاني من تراجع ساحلي ينذر بالخطر.

رئيس الوزراء في مؤتمر إعلات تفاصيل مشروع "ساوث ميد" بالساحل الشمالي (وكالات)
رئيس الوزراء في مؤتمر إعلات تفاصيل مشروع "ساوث ميد" بالساحل الشمالي (وكالات)

السواحل المصرية.. تآكل يتضاعف تأثيره

تآكل السواحل هو عملية طبيعية بطيئة نوعًا ما عبر الزمن، نتيجة العواصف وارتفاع مستوى سطح البحر والتيارات البحرية، إلا أن التنمية الصناعية والسكنية والسياحية الكثيفة، التي غالبًا ما تتضمن عمليات ضارة مثل التجريف، عجلت من هذه العملية في مصر. وقد أدت هذه الأنشطة إلى تعطيل نقل الرواسب التي تساعد في تشكيل السواحل، مما جعلها أكثر عرضة للتآكل. في الوقت نفسه، أسهمت الظواهر الجوية المتطرفة وارتفاع مستوى سطح البحر العالمي الناجم عن تغير المناخ في زيادة التآكل الطبيعي.

في 2022، ألقى تقرير صادر عن البنك الدولي، الضوء على هذه الأزمة، عبر دراسة الآثار المحتملة للتآكل على السياحة والبنية التحتية الصناعية والمجتمعات السكنية على طول سواحل مصر، إذا استمر دون رادع.

تشير البيانات المذكورة في التقرير إلى أنه بين عامي 1984 و 2016، تآكلت سواحل مصر بمعدل 0.1 متر كل عام. بينما تلفت إلى بعض الامتدادات من الساحل المصري بأنها أكثر عرضة للتآكل من غيرها. وقال التقرير إن التركيب الجيولوجي للشواطئ الرملية وسواحل الدلتا التي تصطف على البحر الأبيض المتوسط يجعلها معرضة بشكل خاص لارتفاع منسوب مياه البحر. وقد صنفت إحدى الدراسات 72% من الساحل الشمالي لمصر على أنه شديد التأثر أو شديد الخطورة.

كما وجدت دراسة أخرى تبحث في تغيرات الخط الساحلي على طول دلتا النيل، أنه بين عامي 1990 و2014، تآكلت بعض أجزاء الخط الساحلي بمعدل 10-21 مترًا سنويًا. وكانت المشكلة واضحة بشكل خاص عندما يلتقي النيل بالبحر في رشيد ودمياط، والذي يفقد 25-36 مترًا في المتوسط كل عام.

ازدياد معدل التآكل بسرعة منذ مطلع الألفية

وقد تضاعف عدد الهكتارات المفقودة في البحر بشكل سنوي بين الأعوام 1984-2001 و2001-2018، وفقًا لدراسة تقييم للتعرية الساحلية في دلتا النيل، نُشرت في مجلة الإسكندرية للتبادل العلمي عام 2021، والتي أشارت إلى أن ساحل الدلتا فقد ما معدله 78 هكتارًا من الأراضي بشكل سنوي بين عامي 2001 و2018، ارتفاعًا من متوسط 41.7 على مدى السنوات الـ 17 الماضية، حيث شهدت محافظتا الدقهلية وكفر الشيخ قفزات كبيرة بشكل خاص في معدل التعرية.

اقرأ أيضًا: قراءة جديدة في “رأس الحكمة” وما بعدها من رؤوس

وحذر تقرير البنك الدولي من أن المدن الساحلية تواجه مخاطر كبيرة، حيث أن حوالي 30% من الإسكندرية قد تغمره المياه إذا ارتفع مستوى سطح البحر بمقدار 0.3 متر فقط، وهو أقل بشكل هامشي من السيناريو الحالي الأكثر تفاؤلًا، الذي يتضمن كذلك مدينة بورسعيد ومدن أخرى على ساحل الدلتا، معرضة جميعها لمخاطر مماثلة.

مراسي (وكالات)
مراسي (وكالات)

هذا الارتفاع سيشرد نحو 545 ألف شخص ويؤدي إلى فقدان 70.5 ألف وظيفة في الإسكندرية فقط، وفق البنك الدولي.

وقد وجدت دراسة أجريت في عام 2020 من قبل مركز أبحاث المفوضية الأوروبية أن نصف شواطئ العالم قد تختفي بحلول عام 2100. وهو سيناريو متفائل لمصر، التي تشير دراسات أخرى أن سواحلها مهددة بحلول العام 2050.

خصخة السواحل المصرية.. مخالفة دستورية وبيئية

يستعرض مركز "حلول للسياسات البديلة" التابع للجامعة الأمريكية بالقاهرة، في تقريره الأخير، مشروع "ساوث ميد" باعتباره مثالًا لتوسع الحكومة في خصخصة الشواطئ المصرية خلال العقد الماضي، بالمخالفة للمادة 45 من الدستور المصري التي تكفل حق الوصول المجاني إلى الشواطئ. (انخفض عدد الشواطئ العامة في المدن الساحلية بشكل ملحوظ، حيث تراجع في الإسكندرية من 67 شاطئًا عام 2015 إلى 13 شاطئًا فقط في 2021، وفي مرسى مطروح من 30 إلى 11 خلال نفس الفترة).

أشار المركز إلى أن مشروع "ساوث ميد" الذي يمتد على مساحة 23 مليون متر مربع يساهم في تفاقم أزمة تآكل السواحل نتيجة الانتشار العمراني الكثيف على خط الساحل، مما يزيد من معدلات تآكل الشواطئ المصرية.

كما أوضح المركز أن تشييد موانئ اليخوت، كما هو مدرج في خطط تصميم "ساوث ميد"، يمثل أحد أخطر التعديات على طبيعة الشواطئ، حيث يسرِّع من تراجع الخط الساحلي، تمامًا كما حدث في قضية ميناء مراسي الذي أنشأته شركة إعمار عام 2020.

انتهاك للقوانين

تنتقد رنا المحلاوي، الباحثة في مركز الإنسان والمدينة للأبحاث الإنسانية الاجتماعية، في حديثها لمنصة "فكر تاني"، ردم الشواطئ والبناء عليها، وتقول إنه يدمر الأنظمة البيئية التي توفر الموائل الطبيعية للنباتات والكائنات البحرية ويؤدي إلى اختفاء التنوع البيولوجي الذي نعتمد عليه في حياتنا اليومية.

وتوضح أن التعامل مع السواحل البحرية يقتضي النظر إلى الطبيعة الفريدة لهذه المناطق والحفاظ عليها بدلًا من ردمها وتشويهها كما يحدث حاليًا. بينما تشير إلى أمثلة ناجحة لتخطيط مدن مشابهة لتكوين مدينة الإسكندرية بدلًا من تطبيق نماذج تشجع على نمط الحياة الاستهلاكي والمدمر لمواردنا الطبيعية.

تآكل شاطئ سيدي عبد الرحمن نتيجة النحر البحري (وكالات)
تآكل شاطئ سيدي عبد الرحمن نتيجة النحر البحري (وكالات)

وتقول "المحلاوي" إن وضع الحواجز الإسمنتية والأسوار يتعارض مع قانون البيئة والمادة 45 من الدستور، ولكن تستمر التعديات ببناء المقاهي والمطاعم وتخصيص أماكن لانتظار السيارات لرواد هذه الأماكن على الممرات المخصصة للمشاة وعلى ألسنة الشواطئ. وقد ردمت بعض الشواطئ لصالح مشاريع بداعي التطوير على كورنيش الإسكندرية حتى انحسرت نسبة رؤية البحر إلى حوالي 45% عام 2024، بحسب ما ترصده.

وبالإشارة إلى ظاهرة تقسيم الشواطئ، التي كانت معظمها مجانية، في سنة 2010 لتسهيل عرضها للاستغلال التجاري، تقول "المحلاوي" إن المواطن السكندري أصبحت اختياراته محدودة جدًا للتنزه والاستمتاع بالثروات الطبيعية التي من المفترض أنها حق للجميع بحسب الدستور والقانون.

وتضيف أنه بحسب الاشتراطات العامة للشواطئ الرملية داخل حدود الإسكندرية التي أعدها الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، فإن شاطئ البحر يمثل منطقة حماية بيئية تنحصر بين طريق الكورنيش والحد المائي. لكن ما يحدث منذ أواخر التسعينيات إلى الآن هو استمرار لانتهاك الدستور والقوانين والاشتراطات والمعايير الإرشادية للتعامل مع الساحل.

وترى الباحثة أن الاستمرارية في التوسع العمراني والامتداد داخل البحر والبناء العشوائي مع تجاهل العمل على دراسات الأثر البيئي للمنشآت وعرضها على الأطراف المعنية، بالإضافة إلى عدم مراعاة ظاهرة هبوط الأراضي الساحلية وارتفاع مستوى البحر بسبب التغير المناخي، سيؤدي حتمًا إلى خسائر كثيرة. لكن نظرًا لقلة الدراسات المتاحة لتلك التغييرات على المناطق المختلفة في المدينة، يصعب التنبؤ بالتأثيرات المحلية لاختلاف شكل الساحل من موقع لآخر وأنواع الأنشطة الإنسانية الواقعة عليه.

واستشهدت بتصريحات صحفية سابقة للدكتور مجدي علام، أمين عام اتحاد خبراء البيئة العرب، أكد خلالها أن المناطق المعرضة للغرق هي التي تم تخطيطها في حرم البحر، وأن إقامة الحواجز الخرسانية إجراء غير كافٍ لمنع وصول المياه للمناطق السكنية. كما تلفت إلى فصل سكان المدينة عن كل ما هو طبيعي ومؤثر بشكل إيجابي في حياتهم، حتى أصبح التمتع بالمناظر الطبيعية وببيئة عمرانية صحية من الرفاهيات وحكرًا على من لديه الإمكانية المادية.

تعديات على الشاطئ في الإسكندرية (وكالات)
تعديات على الشاطئ في الإسكندرية (وكالات)

فاتورة التغيرات المناخية "عالية"

في حديثه لـ"فكر تاني"، يقول الباحث والمحامي البيئي أحمد الصعيدي، إن مشروعات التطوير التي تتم على كورنيش الإسكندرية -على سبيل المثال- أغلبها مقام بالمخالفة للقانون ويشكل كارثة بيئية لها آثار مستقبلية خطيرة.

وقد تقدم "الصعيدي" وزملاء له من المحاميين في قضية إقامة مول على كورنيش سيدي جابر، بمستند لجهاز شؤون البيئة وهيئة حماية الشواطئ يفيد بعدم إجراء دراسة تقييم الأثر البيئي لهذه المشروعات، وغالبية مشروعات الشركات الخاصة على شواطئ البحر المتوسط في الساحل الشمالي، رغم إعلان الحكومة في عام 2010، أنها ستراعي هذا التقييم في مشروعاتها، عازيًا خطورة ذلك إلى التأثير المتوقع للتغيرات المناخية على الشواطئ والتي ستؤدي إلى ارتفاع منسوب مياه البحر المتوسط، وبالتالي خطر أن تغمر المياه هذه المشاريع.

يُعرف تقييم التأثير البيئي بأنه عملية تقييم للآثار المحتملة لمشروع مقترح على البيئة الطبيعية، لضمان حمااية الموارد الطبيعية والحفاظ عليها، وعدم تأثر الجوانب المرتبطة بصحة البشر بمضار التنمية، بهدف إعطاء متخذي القرار وسيلة لإقرار الاستمرار في المشروع أو إيقافه.

ويُبين "الصعيدي" أن قانون البيئة اشترط أن يبعد أي بناء مسافة 200 متر عن البحر، لكن يشير إلى لغط قانوني بخصوص المسافة التي يجب تركها لتجنب التعدي على حرم البحر، معتبرًا أن توسعات طريق كورنيش الإسكندرية التي تمت مؤخرًا تمثل خطرًا مستقبليًا، كونها تمت في منطقة البنية التحتية بها مهددة بالغرق بسبب التغيرات المناخية، وفقًا لدراسات وتقارير صدرت عن الأمم المتحدة وجامعة الإسكندرية.

اقرأ أيضًا: لماذا “تشتري” دول الخليج الساحل المصري؟

ويلفت "الصعيدي" إلى 4 نقاط ساحلية تعرضت للنحر البحري في مدينة الإسكندرية، إحداها إلى جوار قلعة قيتباي الأثرية، مطالبًا الدولة بالعمل على محاولة معالجة النحر البحري، متسائلًا عن سبب الاستمرار في بناء المقاهي والمطاعم والمولات التجارية في حرم البحر.

كذلك يشير المحامي البيئي إلى أن الفاتورة الاقتصادية والاجتماعية التي ستتحملها الدولة بسبب تأثير التغيرات المناخية على شواطئ البحر المتوسط، ستكون باهظة، وأن الأولى بها أن تخطط لإخلاء تلك المناطق قبل أن تغمرها، كما فعلت اليونان، مضيفًا أن الأسوار والحواجز الإسمنتية والبنى التحتية التي تحجب رؤية البحر، تخالف قانون البيئة في مادته رقم 19، والمادتين 45 و46 من الدستور، اللتان تلزمان الدولة بالحفاظ على مسطحاتها  المائية وضمان حق المواطنين في بيئة صحية ونظيفة، والمادة 27 المتعلقة بالتنمية المستدامة.

أهمية تقييم الأثر البيئي

يواجه القطاع الساحلي والشواطئ والبيئة البحرية العديد من التحديات التي تؤثر على سلامتها، بحسب ما يوضح المهندس حسام محرم، المستشار الأسبق لوزير البيئة. تتضمن هذه التحديات التهديدات الطبيعية مثل المد والجزر والنحر والإرساب، بالإضافة إلى التأثيرات البشرية غير الطبيعية المتعلقة بالتنمية العمرانية، والتنمية الصناعية، والسياحية، وغيرها من أنشطة التنمية الساحلية.

يشير المهندس محرم، في حديثه لـ"فكر تاني"، إلى أن التنمية المستدامة هي سياسة معتمدة عالميًا لتحقيق توازن بين الأبعاد التنموية والاقتصادية من جهة، والاعتبارات البيئية والحفاظ على الموارد الطبيعية والتنوع البيولوجي من جهة أخرى. ويؤكد أن من أبرز آليات تحقيق هذا التوازن هي التحكم في المشروعات التنموية في المناطق الساحلية، خاصة من خلال أدوات التراخيص وتقييم الأثر البيئي.

مصدات الأمواج في الإسكندرية (وكالات)
مصدات الأمواج في الإسكندرية (هيئة حماية الشواطئ)

ويشدد محرم على أهمية الموازنة بين الأبعاد البيئية والتنموية لضمان عدم تأثير المشروعات العمرانية أو الصناعية أو السياحية سلبًا على البيئة الشاطئية والساحلية والبيئة البحرية القريبة. ويستشهد بممارسات الدول المتقدمة في هذا المجال، موضحًا أن دراسات تقييم الأثر البيئي تشمل التنبؤ بالآثار المحتملة للمشروعات، وإجراء تعديلات لضمان تقليل هذه الآثار في مراحل الإنشاء والتشغيل.

كما يشير إلى أن النماذج الرياضية للتشتت تستخدم في دراسات تقييم الأثر البيئي لمساعدة صناع القرار في استشراف الآثار البيئية المترتبة على تأثيرات مثل الصرف الصناعي والصحي، والانبعاثات الغازية، والانسكابات على التربة، وتوقع سيناريوهات تطور الكوارث البيئية، والتلوث البيئي وحالات الطوارئ البيئية.

التراجع عن خط المياه: التحديات والحلول

يشرح الدكتور منال نادر، مدير معهد الدراسات البيئية بجامعة البلمند اللبنانية، لـ "فكر تاني" أن تآكل الشواطئ يحدث نتيجة عوامل طبيعية، مثل ارتفاع مستوى مياه البحار بسبب التغيرات المناخية أو العواصف الشتوية، وأخرى من صنع الإنسان، مثل التعديات على الشواطئ وبناء الردميات في عرض البحر، مما يؤثر على حركة التيارات البحرية ويؤدي إلى تآكل الشاطئ في جانب وتجمع الرمال في جانب آخر.

ويؤكد نادر أهمية الالتزام بخط المياه، الذي يمثل أعلى مستوى للمد البحري. ويوصي البروتوكول المتعلق بالبحر الأبيض المتوسط بترك مسافة 100 متر من البحر، ولكن مع التغيرات المناخية وقوة العواصف، ارتفعت هذه المسافة لتتراوح بين 150 إلى 200 متر بالنسبة للشواطئ الرملية، بينما تزداد المسافة في الشواطئ الصخرية بسبب تزايد التآكل ودخول مياه البحر إليها.

ويعتبر نادر أن بناء البنى التحتية على السواحل البحرية يعد خطأ جسيمًا في ظل التغيرات المناخية وتغير التيارات البحرية نتيجة البناء على الشواطئ، مما يزيد من تآكلها ويؤدي إلى ظاهرة النحر البحري وارتفاع منسوب مياه البحر، الذي يهدد المدن والمستنقعات والمناطق الرطبة، ويضر بالتوازن البيئي والبنية التحتية.

ويرى نادر أن الحل الأمثل هو التراجع عن الشواطئ، والاعتراف بعدم إمكانية مواجهة الطبيعة، مع ضرورة تبني إدارة متكاملة للسواحل ومراجعة البنى التحتية والمباني المقامة على الشواطئ.

تهديد السياحة الشاطئية

وتقول المهندسة المعمارية إنجي الحسيني، المتخصصة في العمارة الذكية والبيومناخية، إن البناء على الشواطئ يختلف حسب النوعية والموضع، لكن التعديات البنائية بشكل عام تؤدي إلى تآكل الشواطئ وتعكير مياه البحر، ما يؤثر على المسار الطبيعي للشاطئ. كما تهدد هذه التعديات التوازن البيئي من خلال استغلال الرمال في البناء والتوغل في المساحات البحرية، مما يؤدي إلى تلوث المكان وتفاقم ظاهرة الانجراف البحري واندثار الكثبان الرملية.

وتعتقد الحسيني، في تصريحاتها لـ"فكر تاني"، أن التأثير المستقبلي لمخالفات البناء في القرى السياحية والفنادق والمطاعم والمقاهي القريبة من البحر سينعكس على استقرار المدن الساحلية بسبب تراجع خط الشاطئ وزيادة النحر البحري، ما يهدد السياحة الشاطئية. كما أن بناء المطاعم والمقاهي يساهم في تلوث الماء والهواء، مما يؤثر سلبًا على الثروة السمكية ويدمر البيئة الطبيعية البحرية، خاصة في الأماكن التي تحتوي على شعاب مرجانية.

وتؤكد الحسيني أن قانون الموارد المائية والري رقم 147 لسنة 2021 في مصر يحظر إقامة أي منشأة أو أعمال على الشواطئ البحرية إلا وفق ضوابط محددة، منها البناء على مسافة 200 متر من خط الشاطئ إلى داخل اليابسة، ولا يمكن القيام بأي من الأعمال دون ترخيص من الوزارة المعنية، مثل نقل الرمال من الكثبان الرملية وتغيير طبوغرافية الأرض في منطقة حظر الشواطئ البحرية. كما حظر القانون إقامة منشآت خاصة أو ذات نفع عام في المناطق المحظورة دون موافقة مسبقة، وحدد عقوبات تتراوح بين الحبس والغرامة، مع مضاعفة العقوبة في حال التكرار.

مواجهة الهيئة العامة لحماية الشواطئ للنحر البحري في بورسعيد (وكالات)
مواجهة الهيئة العامة لحماية الشواطئ للنحر البحري في بورسعيد (هيئة حماية الشواطئ)

تحركات رسمية

في فبراير 2023، تقدم النائب محمود عصام، عضو مجلس النواب عن محافظة الإسكندرية، بطلب إحاطة لرئيس مجلس الوزراء ووزيري التنمية المحلية والبيئة بشأن الهبوط الأرضي بكورنيش سيدي بشر بالإسكندرية، مطالبًا باتخاذ إجراءات لحماية الشواطئ من ظاهرة النحر البحري.

تدرس وزارة الموارد المائية في مصر حاليًا نقل الرمال من منطقة الدلتا البحرية لتغذية مناطق النحر على الشواطئ. وقد نفذت الوزارة أعمالًا لحماية الشواطئ بطول 210 كيلومترات، وأقامت حائطًا بحريًا بطول 835 مترًا في الإسكندرية باستخدام كتل خرسانية وأحجار.

ووفقًا للهيئة العامة لحماية الشواطئ في مصر، تشمل طرق حماية الشواطئ الحوائط البحرية والألسنة والتغذية بالرمال والرؤوس، والتي تعمل على امتصاص طاقة الأمواج وتكوين مناطق محمية خلفها.

أعلنت الهيئة أيضًا عن تنفيذ مشروع لتعزيز التكيف مع آثار التغيرات المناخية على السواحل الشمالية ودلتا نهر النيل، بتمويل من صندوق المناخ الأخضر، لمواجهة ارتفاع منسوب البحر والظواهر الجوية الحادة. وأزالت الهيئة تعديات على حرم الشاطئ في الساحل الشمالي. كما أعلنت وزارة الإسكان عن سحب أراضي الساحل الشمالي في حال الإخلال بالاشتراطات الخاصة بحرم الشاطئ، وتطبيق تقييم الأثر البيئي للمشروعات السياحية.

ورغم هذه التحركات الرسمية، لا يزال الخطر قائمًا في ظل التوسع العمراني والاستثمارات الساحلية التي لا تُدرس آثارها البيئية بشكل كافٍ.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة