لأن ليلة مصر تشبه بارحتها، وتاريخها كثيرًا ما يسير على الوتيرة ذاتها، مكرِّرًا خطاياه بحذافيرها، فلا بأس إذن في العودة إلى عنوان الراحل الكبير، أحمد بهاء الدين، "انفتاح السداح مداح وكل شيء مباح"، والذي كتب تحته مقالًا مدوّيًا، على صدر الصفحة الأولى لـ"الأهرام"، قبل نحو نصف قرن، لقرعِ ناقوس الخطر من "شقلباظ الانفتاح"، الذي أخذ السادات يطنطن، بأنه سيُنزل من السماء المن والسلوى.
والحقيقة أنه ليس معلومًا، ما إذا كان الرئيس، قد آمن بجدوى الاقتصاد الحر، فكان قراره اجتهادًا لم يحُزْ الصوابَ، أم إن مراميه المضمرة كانت شطب إرث الاشتراكية، فيما شطبه من إرث سلفه عبد الناصر، أم كان يغازل واشنطن ويكايد موسكو، أم كل هذه الأسباب مجتمعة.
ما من أحد يستطيع التكهن بما كان في دماغ "كبير العائلة".. بكل ما يوحيه المعنى الأبوي من إسقاطات سلطوية.
لقد كان غامضًا ومشوَّشًا معًا، يخفي أكثر مما يبدي، لا يفصح عمَّا يفكر فيه، غير أن ذلك ليس غريبًا على شعب مصر، الذي يصف العبقري جلال عامر حاله: "كل الشعوب لا تعرف ماذا يحدث في المستقبل، فيما لا يعرف الشعب المصري ماذا يحدث الآن".
الغريب بحقٍّ أن بوصلة السياسات الاقتصادية، منذ ذاك الحين لم تغيّر وجهتها، فإذا هي أسيرةُ فكرةٍ انفتاحية بلهاء حمقاء خرقاء؛ إنَّ تدفق الأموال من الخارج فحسب، بغض النظر عن وسائلها وشروطها، سيشفي الاقتصاد شفاءً لا يغادر سقما.
في كتابه "حواراتي مع السادات"، يروي بهاء الدين بعضًا مما كان بينه وبين الرئيس من نقاشات، تلاقت فيها الأفكار وتخاصمت، واحتد النقاش من دون أن يتطاول الصحفي على شخص الرئيس، بل أبدى اعتراضاته بالقدر اللازم من الوضوح الصارم، والتهذيب الشديد، وترجع أهمية تلك الحوارات رغم أن المؤلف يقرر أنها ليست تأريخًا، وإنما إضاءات مبعثرة على ما كان، إلى أن تلك الإضاءات لا تزال تُجلو جوانب عدة، من ملابسات اللحظة المصرية الراهنة، فإذا بها كعنوان المقال، لا تبدو قديمة أو منتهية الصلاحية، وكأنها كُتبت اليوم.
افتتان السادات بشاه إيران: إنه "عبقري"
بينما كانت دوائر السياسة العربية، تتوجس خيفةً من مطامع شاه إيران، محمد رضا بهلوي في النفط الخليجي، وتتحسّب من أن الزعيم المسكون بأوهام الاستعلاء الفارسي، قد يمضي في التهام منطقة الخليج، مدفوعًا بقدرته على "الفتونة إقليميًا"، لكون جيشه هو الأقوى، وأيضًا لكونه الحليف الاستراتيجي الأبرز لواشنطن.
في ذاك الوقت كان بهاء الدين على رأس "الأهرام" حين كانت ذات "شنّة ورنّة"، فزار العاصمة طهران، فاستقبله وزير الإعلام، وسرعان ما رتّب له مقابلة مع الشاه، رغم أن العلاقات بين مصر والمملكة البهلوية، لم تكن على أحسن حال ولو ظاهريًا.
ولمَّا عاد إلى القاهرة استدعاه الرئيس، فأخذ يناقشه في أمور عدة، حتى همَّ بالانصراف، فباغته قائلًا: "نسيت أسألك يا أحمد عن شاه إيران".
تلك كانت طريقته إذا أراد التطرق إلى موضوع؛ يتحدث مليًا في هوامش مبعثرة، فيلف ويدور ويراوغ ويناور، ثم ينتقل إلى ما يشغله فجأةً، كمَنْ يقفز من حافلة قُبيل توقفها، معتقدًا بذلك أن محاوره لم يُحط بما يُضمره خُبرا.
لكن نبرة السادات، كشفت عن افتتانه عميقًا بشخص الشاه، حتى أنه لم يعر كلام محاوره بشأن مظاهر الجوع والعراء والعشوائيات في طهران، الحد الأدنى من الانتباه.
أخذ يقول بحماس: إنني أعتبره مثلي الأعلى سياسيًا، رجل خارق الذكاء، نجح فيما فشل فيه زعماء كتلة عدم الانحياز، نهرو وتيتو وسوكارنو ونكروما وحتى عبد الناصر، لقد انتهوا، وبقي على عرشه بكل هيلمانه، وحين اندلعت ضده ثورة، فهرب إلى روما، أعاده الأمريكيون إلى الحكم.
ثم شرع ينفث دخان غليونه، إذ يتشمَّس في حديقة منزله بشارع الهرم فمضى قائلًا بلهجة تقريرية: "فهم الشاه أن أمريكا هي القوة العظمي، وبعدها بعشرين درجة تأتي روسيا، فقعد على حِجر الأولى وتشبَّث بملابسها".
كان الحديث يدور بعد أشهر من حرب أكتوبر، الأمر الذي بدا مؤشرًا على نية مبيَّتة، لإدارة الدفة نحو واشنطن، بغض النظر عن المخاطر الجمة، على استقلالية القرار المصري، حال جلوس رأس نظامها السياسي، بدوره على حِجر أمريكا.
بوازعٍ من مسؤوليته الوطنية المجردة، كتب الصحفي محذرًا، لكن الرئيس المنفوش خيلاءً بنصر أكتوبر، لم يعِر الأمر اهتمامًا، فإلى جانب رهنه القرار السياسي لواشنطن، بخاصة بعد اتفاقية كامب ديفيد، كان الارتهان الاقتصادي لمبادئ الاقتصاد الحر، في وقت لم تكن البلاد مستعدة فيه لذلك.
هدر تحويلات المغتربين في "القزقزة" والكولا
وعلى الرغم من أن حوارات الكتاب، لم تُعرِّج على الشق الاقتصادي إلا لِمامًا، غير أن الواضح أن شغف السادات بالنموذج الأمريكي، كان طاغيًا ولم يقتصر على جانب ويستثني جانبًا، بل إن الأقرب إلى المنطق أنه لم يعرف الكثير ولا القليل عن النظام الاقتصادي الحر، ذلك أنه وباعترافه شخصيًا، كان يكره القراءة، ويعتقد أنها قتلت ناصر مبكرًا.
أيًا ما كان.. لقد كانت عينا الرئيس حين قرر الانفتاح، تنظران إلى تحويلات العملة الصعبة للمصريين، ممن حزموا حقائبهم إلى الخليج العربي، بعد الحرب فالانفتاح وارتفاع أسعار النفط، في أول "لجوء اقتصادي جماعي" في تاريخ مصر، التي كانت منذ فجر تاريخها أرضَ الفرص؛ يقصدها الطامحون من كل فج عميق، فيدشنون المصانع والشركات، ويحققون الثراء، أو يستفيدون من تسامحها الثقافي، فيؤسسون الصحف والمسارح والسينما.
اقتصاديون كثيرون نبَّهوا إلى أن الانفتاح الرأسمالي، سيئد الصناعة الوطنية في مهدها، وشددوا على أن التحويلات الواردة من عرق المغتربين، ليست أبدية، ومن ثم يجب أن تتوّجه إلى مشروعات إنتاجية، كما حذروا من شروط صندوق النقد الدولي، فالدائن ليس رجل برٍّ، وما سيمنحه باليمين سيطلبه بالشمال وفوقه الفوائد، لكن الرئيس تحرّك كشاحنةٍ تسير بأقصى سرعتها دون مكابح.
وتصاعدت السيناريوهات دراماتيكيًا.. فإذا بالانغلاق الذي فرضته الاشتراكية، لحماية الصناعة الناشئة، يغدو مع تحويلات العملة الصعبة، نهمًا استهلاكيًا لا يُشبع.
اندلع طوفان الاستهلاك، فصارت كلمة مستورد مرادفةً للجيد، والصناعة المصرية مرادفة لكل ما هو رديء، وكان ذلك من الناس رد فعل طبيعيًا، على التقشف الذي استوجبته الحرب.. وتمثلت المحصلة في ارتفاع الدين الخارجي، من أقل من ملياري دولار إلى حوالي عشرة مليارات، وكلها أموال ضاعت في الهواء والأهواء.
لقد توجهت البوصلة إلى واشنطن، سياسيًا واقتصاديًا.. وبقدر ما كشف حديث الرئيس حول الشاه، عن ضبابية رؤاه لما ينبغي أن ينهجه حاكم مصر، بقدر ما كشفت واقعة ثانية عن تهافت أفكاره بشأن ماهية الاشتراكية.
ذات نقاش بين الرئيس والصحفي، أخذ الأول َيتمنطَّقُ: أليست النمسا دولة اشتراكية؟ هذه هي الاشتراكية التي أريدها لمصر، لقد أكلت في مطاعم فيينا دجاجًا مشويًا، لم أذق أطيب منه طعمًا، ولم أر أكبر منه حجمًا.
كارثةٌ.. الرئيس لا يفهم الفارق بين النمسا الواقعة في وسط أوروبا، ومصر الخارجة لتوها من حربٍ استنزفتها، فقد استلذ الدجاج مشويًا، كما راق له جلوس الشاه على حِجر واشنطن، فسعى إلى مزاحمته.
انفتاح واشتراكية النمسا ودجاج مشوي!
تَشوَّشٌ دفع العبقري أحمد فؤاد نجم إلى هجاء الانفتاح وصاحبه: "بأن هذا البتاع جاب الخراب مشمول/ لأن حتة بتاع جاهل غبي مخبول/ أمر بفتح البتاع لأنه كان مسطول".
وقد حلَّ "الخراب المشمول"، عندما أغرق الجينز والكولا والمكسرات الأسواق فإذا بالشعب -الثروة البشرية- يتسلى و"يُقزقِّز"، في حين تضخمت ثروات اللصوص من صفقات الأغذية الفاسدة وغيرها.
وهكذا لم تكن أفكار السادات الاقتصادية بأفضل من تقديره السياسي للشاه، الذي وإن أعاده تحالفه مع واشنطن من روما إلى طهران، سرعان ما أسقطته الثورة الخمينية عام 1979 فلم يجد ملجأ يموت فيه، إلا لدى السادات، الذي سقط بدوره بعدئذٍ بعامين، رغم جلوسه أيضًا على حجر الأمريكيين.
أثبت الدرس التاريخي أن العشوائية، وعدم الأخذ بدراسات الجدوى، ومجافاة علم الاقتصاد، وغياب الشفافية والمكاشفة والمحاسبة، ليس نظامًا اقتصاديًا، لا رأسماليًا ولا اشتراكيًا.. بل هو سداح مداح.
هذا الدرس الواجب على رئيس الحكومة "الجديدة برئيسها القديم"، أن تحفظه عن ظهر قلب.
القروض إذا لم تُستثمر في مشروعات إنتاجية، لن تؤدي إلا إلى مزيد من التدهور، وأي نهضة عمرانية لا تقترن بدعم الصناعة والزراعة، بوصفهما الشبكة العصبية للاقتصاد المصري، ستؤدي إلى شلله رُباعيًا.. وهذا سداح مداح.
مشروعات على نحو أطول ناطحة سحاب، وسارية علم، وأوسع مسجد وكنيسة، والقطارات الكهربائية والمعلَّقة، لا تعدو إلا أن تكون كالأصداف الملونة؛ يلتقطها العِيالُ من على رمال السواحل فَرِحين، لكنها تبقى محض حصى، ولا تُغيّر ألوانها الزاهية من حقيقة ذلك شيئًا.. وهي بدورها "سداح مداح".
تهميش البرلمان كممثل للشعب، وتكميم الصحافة كمترجم لأفكاره وآلامه، وكثرة الصناديق الخاصة، التي تتناسل من رحم صناديق خاصة، وإسناد الأمور لأهل الثقة لا الخبرة.. أيضًا "سداح مداح".
ما من شيء أخطر على مصر في ماضيها أو حاضرها من "السداح مداح".