“كنت أسير في أحد الشوراع المظلمة ليلًا بسبب انقطاع التيار الكهربائي، عائدة إلى منزلي بعد يوم عمل طويل، سمعت صوت دراجة نارية يأتي من بعيد، توترت خطواتي وأسرعت فيها، حتى -ضربني أحدهم على مؤخرتي- ثم فر ضاحكًا!!”.
تحكي (م.م) لـ فكّر تاني، عن واقعة التحرش التي تعرضت لها في طريق عودتها إلى بيتها أثناء قطع التيار الكهربائي في أحد ضواحي محافظة الجيزة.

“تسمرت في الأرض، لم أنطق ولم أشعر بجسدي بالكامل -حتى مكان الصفعة- ولم أستطع الصراخ!! ولم يفارقني صوت ضحكاته، ولا أعرف كيف وصلت إلى بيتي، ولم أحك لأحد حتى لا أضطر إلى ترك العمل”
اقرأ ايضاً:ماذا تفعل صباح مع جنون أسعار الفوط الصحية؟
انقطاع الكهرباء
وتعيش مصر الآن في أوقات عديدة في ظلام بعد أن قررت الحكومة قطع التيار الكهربائي بمواعيد تختلف في كل منطقة عن غيرها فيما عرف حكومياً بخطة “تخفيف الأحمال”، والتي أصبحت تشكل زيادة أحمال على حياة المصريين، وفق مراقبين.
وتشعر العديد من النساء في مصر بالخوف من توابع تلك الأزمة التي تُضاعف من مخاطر تعرضهن للتحرش، خاصة حين يخيم الظلام على الشوارع ، ويجدن أنفسهن في مواجهة تهديدات أمنية متزايدة أثناء تنقلهن ليلاً.
ووفق شهادات متواترة تشير العديد من النساء إلى تزايد حالات التحرش في الأماكن المظلمة، مما يدفعهن إلى تجنب الخروج من منازلهن بعد حلول الظلام، أو تجنب ركوب المصعد مع شخص غريب.
خوف من التجول الليلي
تقول الناشطة النسوية نيرة حشمت لـ “فكّر تاني” : “إن انقطاع الكهرباء يؤثر سلبًا على صحة النساء وتعرضهن لضغوط شديدة، خاصةً إذا كانت مسؤولة عن أعمال المنزل ورعاية الأطفال في ظل الحرارة الشديدة والظلام الدامس”.
اقرأ أيضاً: وإذا شكت عُنِفت.. “تمارا” ورحلتها اليومية في المواصلات العامة
وتعرب نيرة عن قلقها من تفاقم المشكلات للبنات في الشوارع خلال فترات انقطاع الكهرباء ، قائلة: “تتحول الشوارع إلى أماكن مرعبة وغير آمنة للنساء، فالسير في الشوارع ليلًا يعرضها لأخطار التحرش والمضايقات، ورغم الحرارة الشديدة هذه الأيام ، حتى أني أمارس رياضة المشي نهارًا بديلًا عن الليل المظلم لأحمي نفسي”.
وبحسب إحصائيات وكالة الصحة الجنسية والإنجابية التابعة للأمم المتحدة في مصر UNFPA، في عام 2013، فإن أكثر من 99.3% من النساء المصريات أبلغن عن تعرضهن لنوع من أنواع التحرش الجنسي في حياتهن، فيما تشعر 82.6% من النساء بعدم الأمان في الشوارع، وترتفع هذه النسبة إلى 86.5% في وسائل النقل العام.
اقرأ ايضاً: “عشان تبقي تقولي لا”.. تاريخ من استهداف النساء
ورغم أن الحكومة المصرية بدأت في خطوات جادة لمعالجة هذه القضية، وعلى رأس تلك الخطوات -وضع قانون يجرم أشكالًا مختلفة من التحرش الجنسي في العام 2014، مع فرض عقوبات تصل إلى خمس سنوات في السجن وغرامات تصل إلى 50,000 جنيه مصري، إلا أن معدلات الإبلاغ لا تزال منخفضة.
وأشارت دراسة من “مسح الشباب في مصر 2016” إلى أن 0.4% فقط من النساء اللاتي تعرضن للتحرش اللفظي قدمن بلاغات للشرطة.
وتواجه النساء في مصر صعوبات بالغة في الحصول على الحماية القانونية، حيث لا توجد إجابات واضحة حول الإجراءات التي يمكن أن تتخذها النساء في هذا الشأن.
وبحسب تقارير حقوقية، فإن هناك مطالب للحكومة باتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة، مثل تحسين إضاءة الشوارع، والاستجابة السريعة للبلاغات، وتوجيه دوريات الشرطة للتركيز على حماية النساء بدلًا من مجرد التأكد من إغلاق المحلات في المواعيد المحددة.
تقول نيرة: “إن حماية النساء يجب أن تكون أولوية قصوى لضمان سلامتهن وكرامتهن في المجتمع، حيث لم تعد وسائل الحماية الشخصية تُجدي نفعًا”.
تضيف أنه على سبيل المثال، أمان النساء في المواصلات العامة لم يعد يتحقق باللجوء إلى خدمات النقل الذكي مثل تطبيقات “أوبر وكريم وغيرها..” التي أصبحت هي الأخرى محفوفة بالمخاطر.
البرلمان و حماية النساء
من جانبها، تصف النائبة أميرة صابر، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي قطع الكهرباء المتكرر بأنه ” يعتبر كارثة تؤثر بشكل كبير على حياة النساء، نظرًا لأنهن يتحملن أعباء المنزل ومسؤولية الأطفال، ما يجعل تأثير هذه الانقطاعات عليهن أكثر حدة من الرجال”.
وأكدت صابر في حديثها مع فكّر تاني ضرورة اتخاذ إجراءات حمائية للنساء، خاصة في الشوارع والمناطق التي تتعرض لتقليل الإضاءة، مشيرة إلى
التنسيق مع المجتمع المدني وتنفيذ حملات توعية، خاصة في المناطق الريفية.
وأوضحت عضو مجلس النواب أن مؤسسة “كيان للتنمية المجتمعية” قد نظمت تدريبًا حول السياسات ذات البعد الجندري، حضره ما يقارب من 40 برلمانية من مجلسي النواب والشيوخ، لتعلم كيفية التشريع والمراقبة فيما يخص سياسات الجندر، وأمن وحماية وحقوق النساء، ما يعزز الحماية التشريعية للنساء في وقت لاحق.
اقرأ أيضاً:الوصم الاجتماعي وافتراض البراءة
وشددت صابر على ضرورة وجود أبحاث اجتماعية تأخذ في عين الاعتبار تأثير انقطاع الكهرباء على النساء، مشيرة إلى أهمية مشاركة جهات متعددة في حل هذه المشكلة، بما في ذلك المشرعين والجهات البحثية.
وأوضحت صابر أن مجلس النواب تلقى عدداً كبيراً من طلبات الإحاطة والأدوات الرقابية والأسئلة حول هذا الموضوع، في مسعى لإيجاد حلول تنهي هذه الأزمة.
الخط الساخن لا يرد
أما (ت.أ) التي تسكن في الطابق الـ13، فقد شهدت حادثًا أليمًا حين انقطع التيار الكهربائي أثناء وجود والدتها بداخله.
وتقول لـ فكّر تاني: “سمعت صراخ أمي وأختى، وعرفت إن المصعد توقف بين طابقين، حاولت تهدئتهما رغم صعوبة الموقف، الذي استمر لمدة تزيد عن النصف ساعة، حتى تدخل أحد السكان وفتح باب المصعد”.
وتضيف أنها اتصلت بشركة الكهرباء أكثر من عشر مرات خلال هذه الفترة، بينما هي كانت في حالة انهيار، وأبلغتهم بأن والدتها محاصرة داخل المصعد، ولكن، لا استجابة
وتشير إلى أنه في النهاية، تمكنت من إخراج والدتها بمساعدة الجيران،رغم استمرار الكهرباء في الانقطاع، في حين غابت الدولة عن دورها القانوني.

وبحسب شهادات متكررة هناك تساؤلات جدية حول فعالية الخط الساخن لشركة الكهرباء وقدرتها على الاستجابة لحالات الطوارئ.
وطالب العديد بتحسين خدمات الطوارئ وضمان سلامة المواطنين، خاصة النساء، في مثل هذه الحالات الحرجة.
