فورين بوليسي: أمريكا ليست سوى أمة منقسمة منذ البداية

لا شك أن محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، السبت الماضي، ألقت ضوءًا قويًا على أزمة الاستقطاب السياسي الحاد الذي تعانيه الولايات المتحدة، وهو ما حاول الكاتب نيك براينت تتبع جذوره في قراءة تحليلية جديدة بصحيفة "فورين بوليسي"، أثبت فيها أن البلاد التي تُعرف نفسها دومًا بأنها القوة الموحدة الأكبر في العصر الحديث، لم تكن سوى أمة منقسمة منذ البداية.

تاريخ الانقسامات في الولايات المتحدة

يستعرض "براينت"، صاحب كتاب "عندما توقفت أمريكا عن أن تكون عظيمة: تاريخ الحاضر"، تاريخ الانقسامات والصراعات التي شكلت الولايات المتحدة منذ أيامها الأولى، فيربط بين الأحداث التاريخية الهامة، مثل الحرب الأهلية والتأسيس الدستوري، والتطورات السياسية والاجتماعية الحديثة، ليوضح كيف ترسخت الانقسامات العميقة في القوالب الأمريكية، وكيف تؤثر هذه التحولات على الديمقراطية والسياسة والمجتمع.

التأسيس الدستوري والخلافات الأولية

يعود "براينت" إلى الفترة بين نهاية الحرب الثورية في عام 1783 وبدء مؤتمر فيلادلفيا الدستوري في عام 1787، حين شهدت الولايات المتحدة محاولات لتوحيد المستعمرات البريطانية السابقة، وكانت هناك مخاوف من انقسام البلاد إلى عدة اتحادات. خلال تلك الفترة، عبّر جورج واشنطن عن قلقه من الوضع القائم في رسالة إلى جيمس ماديسون (كلاهما من الآباء المؤسسين)، وقد أظهرت هذه الرسالة رغم التفاؤل قلقًا من الغموض الحاضر.

التنازلات الدستورية ومؤسسة العبودية

ووفق "براينت"، كان الدستور الذي دفع واشنطن في اتجاه إقراره، من نواح كثيرة اتفاقًا لمواصلة الاختلاف. حيث أدت التنازلات التي أطالت أمد وحمت مؤسسة العبودية - وهي صفقة فاوستية أصبحت ثمن الوحدة الوطنية - إلى خلق خط صدع كان من المرجح أن يبقى مصدر قلقل داخل المجتمع الأمريكي حتى يومنا هذا.

ويقول "براينت" إن العديد من المشاكل المعاصرة في الولايات المتحدة يمكن بسهولة إعادتها إلى تلك الأيام التأسيسية الأولى، مضيفًأ أن الديمقراطية الأمريكية مريضة للغاية لأنها لم تكن صحية منذ البداية.

الديمقراطية الأمريكية المريضة

ويوضح رأيه بأن جملة "نحن الشعب"، التي افتتحت بها ديباجة الدستور، لم يُنظر إليها على أنها بيان شامل أو جامع للديمقراطية الجماهيرية. بل كان المصطلح غير المحدد يشير إلى ما يمكن تسميته في المصطلحات الحديثة الجسم السياسي. وقد ركزت الكثير من المداولات في فيلادلفيا -وقتها- على كيفية تقييد تلك الهيئة السياسية في قيود مصممة بشكل معقد، وبالتالي إنشاء آليات مضادة للأغلبية، مثل الهيئة الانتخابية ومجلس الشيوخ.

ويقول "براينت" إن وصف النتيجة التي وصلت إليها الولايات المتحدة على مدار تاريخها بأنها تجربة في "الديمقراطية" أمر مضلل؛ إذ لم يهتم الآباء المؤسسون بالكلمة، التي لم تكن موجودة في الأصل لا بإعلان الاستقلال أو الدستور الأمريكي نفسه.

اقرأ أيضًا: إن مات “ترامب” فكلكم “ترامب”.. ما نعرفه عن محاولة اغتيال مرشح الرئاسة الأمريكية

ويشير في تدليله على ذلك أن الولايات المتحدة لم تعرف قانون حق التصويت الذي يحظر التمييز العنصري في الاقتراع العام، إلا في العام 1965. ويضيف أن هذه الديمقراطية المزعومة لطالما وجدت مناهضين لها منذ البداية ممن يسعون إلى تقييد حقوق تصويت الأقليات في سياق الحرب بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي.

وقد ساعدت المحكمة العليا التي يهيمن عليها المحافظون هذه الجهود إلى حد مقلق، مع أحكام أضعفت بشكل كبير أحكام قانون حقوق التصويت. على سبيل المثال، في عام 2013، مع قضية "شيلبي كاونتي ضد هولدر"، التي أضعف قرار المحكمة العليا الأمريكية فيها فعالية قانون حقوق التصويت، حيث لم تعد المناطق ذات التاريخ التمييزي بحاجة إلى الحصول على موافقة مسبقة قبل تغيير قوانين التصويت.

أحداث 6 يناير

ويرى "براينت" أنه لا ينبغي النظر إلى أحداث الكابيتول في 6 يناير 2021 بمعزل عن غيرها. يقول: "كان هذا تتويجًا لهجوم طويل الأمد على الديمقراطية سبق صعود ترامب إلى الرئاسة. وحتى بعد انتهاء أحداث التمرد تلك، عاد 147 جمهوريًا إلى الغرف للإدلاء بأصواتهم للطعن في فوز جو بايدن الرئاسي أو إلغائه".

ويضيف "براينت"، في تقريره بـ"فورين بوليسي"، أن العنف السياسي هو جزء أساسي من قصة الولايات المتحدة، على الرغم من أن الكثير من هذا التاريخ غالبًا ما تم دفنه وإخفاؤه.

في نهاية ستينيات القرن العشرين، خلصت لجنة عينها الرئيس ليندون جونسون للتحقيق في سبب تعرض الولايات المتحدة للاغتيال السياسي، إلى أن البلاد عانت من "نوع من فقدان الذاكرة التاريخي أو التذكر الانتقائي الذي يخفي الصدمات غير السارة في الماضي". وقد أشارت اللجنة إلى أن "العقيدة الثورية التي ترد في إعلان استقلال البلاد بفخر يتم الاستشهاد بها خطأ كنموذج للعنف المشروع".

ولذا، كان من الطبيعي أن تظهر أحداث التمرد على نتائج الانتخابات الرئاسية في 6 يناير 2021 كيف لا يزال يُنظر إلى العنف السياسي على أنه مشروع، بل وعظيم.

العنف.. على خطى الآباء المؤسسين

هتف العديد من مقتحمي مبنى الكابيتول في 2021: "نحن نسير في نفس المسار الدقيق مثل الآباء المؤسسين".

يقول "براينت": "يستلهم العديد من المتطرفين اليمينيين كلمات توماس جيفرسون، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة والكاتب الرئيسي لإعلان الاستقلال عام 1776، والتي لم تصل أبدًا إلى الكتب المدرسية الثانوية أو على أجهزة التلقين لرؤساء العصر الحديث".

وقد كتب جيفرسون في عام 1787: "أعتقد أن القليل من التمرد بين الحين والآخر أمر جيد، وضروري في العالم السياسي مثل العواصف المادية"، وهو اقتباس أصبح الآن شعارًا يمينيًا متطرفًا، اقتداءً بالأب المؤسس الذي كان يقول أيضًا: "يجب تجديد شجرة الحرية من وقت لآخر بدماء الوطنيين".

هل أمريكا مهيأة لحرب أهلية أخرى؟

يستبعد "براينت" أن تكون الظروف الراهنة مهيأة لصراع مسلح شامل، حرب أهلية ثانية، داخل الولايات المتحدة، ذلك لأنها تعودت انقساماتها وأجادت التعامل معها. لكنها ستبقى على حافة الهاوية، دون السقوط فيها، كما يقول.

وقد عبر المؤرخ الأمريكي ريتشارد هوفستاتر، عن هذه الطبيعة الأمريكية في بداية سبعينيات القرن الماضي، فقال: "يبدو أن الأمة تتراخى إلى مستقبلها الغامض مثل وحش ضخم غير واضح، عانى كثير من الجروح والأمراض حتى أصبح قويًا في مواجهتها، بحيث لا يمكنه الاستسلام بسهولة".

ويقول "براينت": "لا يزال الأمريكيون مقيدون بماضيهم المتنازع عليه. وستبقى بلادهم في صراعها الأبدي مع نفسها".

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة