مفاوضات الدوحة.. محطة جديدة بمارثون "أوقفوا الحرب على غزة"

استأنفت مفاوضات وقف إطلاق النار في غزة، يوم الأربعاء في الدوحة، أعمالها حيث من المقرر أن تُستكمل في القاهرة يوم غدٍ الخميس، بعد محادثات جرت يوم الثلاثاء بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ومدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وليام بيرنز، وفقًا لما ذكرته قناة "القاهرة الإخبارية" التابعة للدولة. بينما هناك مؤشرات تتزايد بشأن حل قريب ينهي أزمة الحرب على القطاع المدمر، والمحاصر من جهاته الأربعة، حيث سقط أكثر من 37 ألف شهيد وآلاف المصابين، أغلبهم من النساء والأطفال.

تتولى مصر وقطر وساطة الحرب المستمرة منذ 9 أشهر بين إسرائيل وحماس، في مسعى لإنهاء القتال وتأمين إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين في غزة مقابل الأسرى الفلسطينيين المحتجزين في إسرائيل.

وكان مسؤولون أمريكيون كبار قد زاروا المنطقة للضغط من أجل وقف إطلاق النار، بعد أن قدمت حماس تنازلات الأسبوع الماضي، إلا أن هجومًا إسرائيليًا جديدًا على غزة أول من أمس الإثنين هدد المحادثات في لحظة حاسمة، بينما دعت حماس الوسطاء لكبح جماح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وفي بيانه بعد لقاء بيرنز في القاهرة، أكد الرئيس السيسي على الموقف المصري الرافض لاستمرار العمليات العسكرية في قطاع غزة، مشددًا على ضرورة اتخاذ خطوات جدية وفعالة لمنع توسع الصراع في غزة إلى المنطقة الأوسع.

ما هي تفاصيل الصفقة الجديدة؟

يتضمن المقترح الإسرائيلي، الذي تتبناه الولايات المتحدة وقبلته حماس، في مرحلته الأولى وقفًا كاملًا لإطلاق النار لمدة 6 أسابيع، وانسحاب القوات الإسرائيلية من جميع المناطق المأهولة بالسكان في غزة. كما يشمل إطلاق سراح عدد من الرهائن الإسرائيليين، بمن فيهم النساء والمسنين والجرحى، مقابل إطلاق سراح مئات السجناء الفلسطينيين، وفقًا لما أعلنه الرئيس الأمريكي جو بايدن في يونيو الماضي.

خلال هذه المرحلة، ستتفاوض حماس وإسرائيل على الإجراءات الضرورية لتنفيذ المرحلة الثانية، التي تتضمن خارطة طريق لإنهاء دائم للأعمال العدائية، وإطلاق سراح جميع الرهائن المتبقين، بمن فيهم الجنود الذكور. بينما تشمل المرحلة الثالثة خطة إعادة إعمار كبرى لغزة، وإعادة ما تبقى من رفات الرهائن الذين قُتلوا إلى عائلاتهم.

وشهد اتفاق تم التوصل إليه في نوفمبر الماضي إفراج حماس عن 105 رهائن مقابل وقف لإطلاق النار لمدة أسبوع ونحو 240 أسيرًا فلسطينيًا في السجون الإسرائيلية. وتقول إسرائيل إن 116 رهينة ما يزالون محتجزين، يفترض أن 41 منهم لقوا حتفهم.

ما الذي قد يعرقل مفاوضات الدوحة؟

ومع ذلك، تشير تقارير إلى وجود خلافات حول الانتقال من المرحلة الأولى إلى المرحلة الثانية.

نقلت صحيفة "واشنطن بوست" يوم الجمعة عن شخص مطلع على المفاوضات، قوله إن هناك خلافًا كبيرًا بشأن هذا الانتقال، بالإضافة إلى الضمانات المكتوبة من قبل الولايات المتحدة وقطر ومصر، بأن الجانبين سيلتزمان بالاتفاق على إنهاء الحرب. وذلك للتأكد من أن إسرائيل لن تستأنف الحرب بعد إطلاق سراح الرهائن.

وفي الوقت نفسه، ذكر مسؤولون إسرائيليون لموقع "أكسيوس" الأمريكي، أن التزام الاتفاق المكتوب الذي تطالب به حماس قد يمكن الحركة من تمديد المفاوضات حول المرحلة الثانية إلى أجل غير مسمى. وهو أمر لا يريده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي خسر كل فرص القضاء على حركة "حماس" حتى الآن، فأخرج حربه عن هدفها الرئيسي.

اقرأ أيضًا: هل تقترب حرب غزة من نهايتها؟

يقول المحلل السياسي الإسرائيلي يوآب شتيرن، في تصريحات لموقع "الحرة" الأمريكي، أن "ما نراه الآن من استئناف المفاوضات هو دليل حقيقي على أن الطرفين بحاجة إليها فعليًا للخروج من الحرب".

ويرى "شتيرن" أن هناك ليونة كبيرة من حماس، وأن الرد الإسرائيلي كذلك إيجابي لكنه يتغير مع الدخول في التفاصيل الصغيرة، وهنا تكمن المشكلة.

يوضح: "قد تكون المشكلة في التخفيف من حدة المواقف الإسرائيلية بسبب حسابات رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو الحزبية والسياسية. إذ أن أي تقدم في الاتفاق مع حماس قد يعني نهاية الحكومة الحالية وانسحاب الوزراء المتشددين منها، بما في ذلك وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش" اللذين يعتمد عليهما نتنياهو في تعزيز وجوده كرئيس للحكومة بينما يزداد انقلاب الشارع الإسرائيلي عليه، مدعومًا بالمعارضة السياسية، التي تحمله النتائج الكارثية لحرب غزة على الجيش والاقتصاد.

في 4 يوليو الجاري، اتهم بن غفير، في اجتماع لمجلس الوزراء، كبار مسؤولي الأمن والدفاع بأنهم اتخذوا قرار استئناف المحادثات دون التشاور معه، حسب ما نقلت وكالة "رويترز" عن القناة السابعة الإخبارية الإسرائيلية.

ويهدد اليمين المتطرف في الائتلاف الحاكم لنتنياهو بالانسحاب من الحكومة حال "عقد صفقة بين إسرائيل وحماس تتضمن تقليص الأعمال القتالية أو وقفها مؤقتًا"، وهو ما يعني أن "نتنياهو" أمام خيار صعب إما تمرير الاتفاق وعدم اللجوء لعرقلته مرة أخرى أو انتظار انتخابات مبكرة في إسرائيل، بعد انسحاب اليمينيين من حكومته، كما يشير "شتيرن".

ماذا يريد الإسرائيليون؟

هذا السؤال ناقشه مركز “صوفان” الأمريكي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، فذكر أن القادة الإسرائيليون يسعون إلى ضمان إزاحة حماس بالكامل عن السلطة في غزة. وهو يرون أن عودة "حماس" من شأنها أن تشوه بشكل كبير التصورات الإسرائيلية عن عملياتها بعد 7 أكتوبر لسحق المنظمة في غزة.

ويقول المركز إن الفشل في إزاحة حماس كسلطة حاكمة في غزة سينتج عنه انشقاق كبير بين شركاء نتنياهو في الائتلاف اليميني المتطرف، مما يؤدي إلى إجراء انتخابات جديدة من المحتمل بشكل كبير أن تطيح نتنياهو كرئيس للوزراء.

خطة استبدال حماس بـ"فقاعات" من السكان الفلسطينية

في 1 يوليو الجاري، ذكرت صحيفة "فاينانشال تايمز" أن جيش الاحتلال بدأ في تنفيذ استراتيجيته لخلق "فقاعات"  خالية من "حماس" في غزة، يتولى الفلسطينيون المحليون -وفقًا لتفاصيلها- ببطء السيطرة على مسؤوليات توزيع المساعدات فيما بينهم في بيت حانون وبيت لاهيا بداية على سبيل الاختبار، على أن يحتفظ جيش الاحتلال بمهامه الأمنية، ثم يتخلى تدريجيًا عنها للفلسطينيين، فإذا نجحت الخطة، يتوسع في إنشاء المزيد من الجيوب في الجنوب، وحتى خلع حماس من كل القطاع.

هذه الخطة تشبه إلى حد بعيد ما فعلته الولايات المتحدة في حرب فيتنام التي اندلعت في ستينيات القرن الماضي. لذا، يشكك الإسرائيليون أنفسهم في نجاحها يوحكمون عليها بالفشل كما حدث سابقًا بمحاولة إسرائيل نقل السلطة إلى العشائر الفلسطينية المحلية في أجزاء مختلفة من وسط وشمال غزة، بينما أجهضتها حماس وخلال تلك الجهود، اغتال مسلحو حماس أو أرهبوا أي فرد من أفراد العشيرة الفلسطينية الذين صعدوا لمحاولة حكم.

إسرائيل ترفض خيار السلطة الفلسطينية

على مدى أشهر، وجه مكتب نتنياهو المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لاستبعاد السلطة الفلسطينية من أي من خططها لإدارة غزة بعد الحرب، مما أعاق الجهود المبذولة لصياغة مقترحات واقعية لما أصبح يعرف باسم "اليوم التالي". وقد نحت المسؤولون الإسرائيليون خططهم الأمنية المنقحة في غزة لجعلها مقبولة لدى نتنياهو من خلال التمييز بين قيادة السلطة الفلسطينية في رام الله، برئاسة الرئيس محمود عباس، وموظفي السلطة الفلسطينية من المستوى الأدنى الذين يشكلون جزءًا من المؤسسات القائمة بالفعل في غزة.

اقرأ أيضًا: وقف إطلاق النار في غزة.. ما يحدث الآن وما هو آت

ومع ذلك، يواصل نتنياهو علنًا رفض فكرة حكم السلطة الفلسطينية لقطاع غزة، قائلًا للصحفيين الإسرائيليين، إنه "غير مستعد لإعطاء [غزة] للسلطة الفلسطينية".

وورد أن تفاصيل الخطة الأمنية الإسرائيلية الجديدة غير مستقرة، ولكن أحد الخيارات قيد الدراسة يدعو إسرائيل إلى تدريب أفراد سابقين في السلطة الفلسطينية في الأردن والضفة الغربية لتولي المسؤوليات الأمنية في الجيوب الخالية من "حماس" التي سينشئها جيش الاحتلال.

ووفقا للتقارير، حدد رئيس مخابرات السلطة الفلسطينية ماجد فرج بالفعل عدة آلاف من المجندين المحتملين، ويقال إن القوة سيتم تدريبها تحت قيادة الجنرال الأمريكي مايكل فينزل.

المفاوضات وحل الدولتين

ومع ذلك، يحذر بعض الخبراء من أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قد لا يأذن لمسؤولي السلطة الفلسطينية وأفراد الأمن بإدارة غزة دون التزام إسرائيلي بإنشاء أفق سياسي يؤدي إلى حل الدولتين. وبالمثل، فإن مشاركة الدول العربية المعتدلة في تأمين غزة بعد الحرب وفي إعادة إعمار القطاع الذي مزقته الحرب يتوقف على التزام إسرائيل بحل الدولتين.

وقد ربطت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر ومصر والأردن وغيرها مساعداتها لغزة على مسار قابل للتطبيق نحو حل الدولتين.

منذ هجوم حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر، أعربت غالبية الإسرائيليين الذين شملهم الاستطلاع عن معارضتهم لإقامة دولة فلسطينية منفصلة، واصفين ذلك بأنه "مكافأة" على "أسوأ عمل إرهابي فلسطيني ضد إسرائيل في الذاكرة". وحتى خصوم نتنياهو السياسيين الأكثر اعتدالًا وميلًا إلى اليسار والذين أيد العديد منهم لفترة طويلة المفاوضات التي من شأنها أن تؤدي إلى تشكيل دولة فلسطينية يعارضون هذا المفهوم علنًا، كما ينقل مركز "صوفان".

ومع ذلك، تجادل الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون والقادة الإقليميون بأنه لا يوجد حل طويل الأجل للصراع المستمر بين الإسرائيليين والفلسطينيين دون تشكيل دولة فلسطينية. وقد أدت الخلافات الأمريكية مع حكومة نتنياهو حول هذه القضية وحول التكتيكات العملياتية الإسرائيلية التي تسببت في سقوط آلاف الضحايا المدنيين الفلسطينيين في غزة إلى تعقيد الطريق إلى اتفاق من شأنه أن ينهي الصراع في غزة. فهل تنجح مفاوضات الدوحة؟

 

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة