مريم حسين.. كتابة البنات في “السيرة قبل الأخيرة للبيوت”

“منذ زمن لم نجلس على قهوة معًا، تحديدًا قهوة كتلك بكراسي خشب قديمة ومناضد معدنية مربعة بسيقان رفيعة طلب كوبين من الشاي سكر برّه مؤكدًا لي أن المكان نظيف وصدّقت على قوله بالفعل كان كل شيء بسيطًا ونظيفًا جدًّا أكواب الشاي تبرق من النظافة ما أعطى الشاي درجة لون أحمر مدعومة بأشعة شمس مباشرة ودافئة، كما أن اختلاط بخار الشاي بدخان السجائر أعطاني رغبة في قضم الكوب وابتلاع الزجاج عبرت حمامة بجوارنا على الأرض متجهة إلى صاحبها في مدخل بيت قديم نصف مهدوم مجاور للقهوة. يا الله.. فقط ينقصنا فايش”.

هذه السطور ، من رواية “السيرة قبل الأخيرة للبيوت”، للكاتبة، مريم حسين، والتي تجسد وفق أدباء نموذج يشبه “كتابة البنات” المصطلح الرائج في فترة نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، حين بدأت النساء تكتب عن تجاربهن الخاصة.

مريم حسين، قاصة وروائية بدأ اهتمامها بالكتابة في سن مبكرة متأثرة بوالدها الكاتب والروائي الراحل حسين عبد العليم، وكانت أولى تجاربها في كتابة الشعر وهي في المرحلة الابتدائية، ثم تحولت إلى كتابة القصة.

ونشرت أول قصة لها على صفحات جريدة أخبار الأدب، وكانت بعنوان “ثلج”، ولها مجموعتان قصصيتان هما “غزل السحاب” و”سر السكر”.

تكتب من أجل الكتابة

وفي مكتبة ديوان فرع سينما راديو، نظمت دار “المرايا” للثقافة والفنون، أول أمس ، حفل توقيع ومناقشة لرواية “السيرة قبل الأخيرة للبيوت” بمشاركة الناقد الأكاديمي الدكتور وليد الخشاب، والناقدة آية طنطاوي.

في البداية قال الكاتب والناقد الدكتور وليد الخشاب، هذه الرواية تعيد الاعتبار لصنعة وحرفية القص، تهتم بالحكاية، بالوصت الفردي والاهتمام بالتفاصيل الواعية بالأشياء، كما أنها تمزج بين الواقع والمجاز، وتلك كتابة ممتعة.

وأشار الخشاب إلى أنه من اللافت للنظر أن مريم حسين وآخرين من هذا الجيل، لا ينشغلون بفكرة التصنيف ولا يكتبون عن الواقع وقضاياه المجتمعية والسياسية الكبرى، ولكنهم يكتبون من أجل الكتابة.

وأضاف أن هذه الفكرة تعد من جماليات بعض أبناء هذا الجيل، الذين لا ينشغلون بإحداث قطيعة مع مدارس سابقة، ولم يعد قتل الأب الرمزي أو الأم الرمزية هاجسا رئيسيا، لأن الكتابة في حد ذاتها لها قيمة دون الحرص على الحصول على اعتراف ما أو إثبات شيء ما، يكتبون من أجل الكتابة.

كتابة البنات 

أما مريم، بحسب الخشاب ، فإن كتاباتها تشبه “كتابة البنات” المصطلح الذي أطلقته واحدة من الكاتبات قديما عن فترة نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، حين بدأت النساء تكتب عن تجاربهن الخاصة، وعن الجسد والعلاقات الحميمية.

وأضاف أن مصدر القيمة في “السيرة قبل الأخيرة للبيوت” هو أن الرواية تتحرك في اتجاه المكان وليس الزمان، لم تنشغل الكاتبة بوضع إطار تاريخي معين ولكنه جغرافيا، تتبع مسيرة شخصية تنتقل مع أهلها من بيت إلى بيت.

بالتالي تأتي قوة كتابة المكان والتفاصيل، وفق الخشاب ، عبر تناول جديد من مريم حسين ، للمكان كجزء من العالم وليس مجرد إطارا للأحداث، فالبيوت والشخصيات على مستوى واحد وليس هناك ترتبية لأهمية أحدهما على الآخر.

و يرى الخشاب  أن مريم تفتح مساحة أدبية جديدة ومختلفة بأن تربط جغرافيا بين الفيوم والجيزة وأحياءها الشعبية، موضحا أن هذا المسطح الجغرافي عادة ما يتحدث عنه الكتاب بشكل منفصل رغم ترابطه.

لكن حسين وفق الناقد الأكاديمي البارز ، جعلت المساحة الجغرافية عندها تختلف عن المعتاد لأن عندها رغبة التفاعل مع الأماكن بغض النظر عن رمزيتها، فهي تؤسس لكتابة مختلفة بوعيها كحكاءة، بحسب وصفه.

عقل البطلة

وقالت القاصة والناقدة آية طنطاوي :” إن فكرة الرواية خاصة جدا، حين تقرأها تجد أنه لا يمكن لأحد غير مريم يمكنه كتابتها، فهي استطاعت أن تبني على مستوى اللغة والبناء والتكوين لنفسية البطلة حتى تخرج هذه الحكاية، والتي استطاعت أن “تُفصح العامية” بطريقة سلسة ليست مدعية دون استعراض”.

وأضافت طنطاوي، أن الكاتبة أدخلتنا منذ البداية في عقل البطلة، وحكت الحكاية كما تدفقت الأفكار داخلها، وعلاقتها بالبيوت وجدرانها موضحة أن الكاتبة استطاعت التعبير عن أفكارها بطريقة سلسة وغير مباشرة، ففكرة “البيوت” والتنقل بينها هو انعكاس للبطلة التي تبحث عن الأمان، ولكنها لم تقل ذلك صراحة، ولكنها جعلت القارىء يشعر بذلك مباشرة.

توقفت طنطاوي عند “بيت الشوربجي”، واقتبست عنها: “استيقظت على صوتهم وهم يضحكون، ويسبون شخصا ما بعضو أمه التناسلي، اضطربت وغطيت ساقي بالكوفرتة.. ثم نهضت وأطفأت نور الغرفة، ربما يتلصص علي أحدهم من بصاص الشباك”، وتستكمل طنطاوي، قائلة :” هنا عبرت الكاتبة عن علاقة الداخل بالخارج فالبيت مفتوح على الشارع وهذا المشهد هو عدم الإحساس بالأمان”

وأشارت آية طنطاوي، إلى أن الكاتبة تتنقل طوال الوقت بين البيوت والشخصيات، وهناك بينهما علاقة معقدة تتماس مع البطلة الرئيسية.

أصل الحكاية 

بدورها، أكدت الكاتبة مريم حسين، أنها تكتب القصة القصيرة، ولم تفكر قبل ذلك في كتابة الرواية، وحين بدأت في السيرة قبل الأخيرة للبيوت، كانت تكتب قصة ولكنها كبرت ثم تفرعت لأماكن وبيوت وشخصيات كثيرة، فتركت الحكاية التي داخلها تنتقل عبر الكلمات.

وأشارت حسين، إلى أنها تعرف منذ البداية وطوال الوقت ومع تتابع الشخوص والأحداث داخل البيوت أن الفكرة الأساسية كانت دائما هي “المكان” حيث تنقل أسرة البطلة من بيت إلى آخر، وكيف كانت علاقتها بكل هذا، فبدأ زخم الشخصيات في التتابع داخل الحكاية يقفون فوق رأسها كي تكتب عنهم.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة