كان عندك طبقة متوسطة و”راحت”.. ما فعلته بنا سياسة الاستدانة ورفع الدعم

في سوق “التعاون” بشارع فيصل، وقفت هذه الخمسينية تنتقي من بين صناديق الخضروات الرخيصة ما يصلح من فلفل رومي للاستهلاك الآدمي. كان يفترض لهذه السيدة أن تظل بين أبناء الطبقة المتوسطة، إلا أن موجات الغلاء ورفع الدعم التي تزامنت مع انخفاضات الجنيه المتلاحقة في مقابل الدولار في السنوات الأخيرة، أجهضت كل محاولة لبقاء من هم مثلها خلف أبواب الستر.

الطبقة المتوسطة وزيادات الأجور والأسعار

“ببساطة مؤلمة راتب 7 آلاف جنيه في ظل ما نعانيه كمواطنين في هذا البلد تعني أننا أصبحنا من ذوي الدخول المحدودة.. غيرنا من عادات المعيشة، فراتبي لا يكفي حصة المواد الغذائية، فضلًا عن مصروفات السكن من غاز وكهرباء زادت أسعارها، بالإضافة إلى تعليم أبنائي.. الله يعين من يحصّلون دخولًا أقل”؛ تقول “كوثر”.

خلال السنوات الخمس الماضية، تطور الحد الأدنى لرواتب العاملين بالدولة في مصر، من 1200 جنيه ما قبل 2017، إلى 6000 جنيه في مارس 2024، مقررًا تطبيقها بعد 30 يونيو الجاري. كما لحقت هذه الزيادات -التي جاء أغلبها بقرارات رئاسية- العاملين بالقطاع الخاص (يبلغ عددهم 18 مليون عامل)، ممن تحولت رواتبهم من 2400 جنيه في يناير 2022 إلى 6 آلاف جنيه أقرت في مايو 2024، لم تطبق على أغلبهم بفعل سياسات تحايلية تلجأ إليها مؤسسات القطاع الخاص للحيلولة دون تطبيق قرارات الزيادة.

ومع ذلك، يشتكي المصريون عدم تناسب هذه الزيادات مع كم السلع التي تقرر حكوميًا رفع الدعم عنها وزيادة أسعارها، وهي القرارات التي طالت الخبز المُدعم، الذي ظل على سعر طوال عقود مضت.

رفع الدعم.. سياسة التخلي عن المواطن

ففي أوائل الشهر الجاري، أقرت الحكومة زيادة في سعر الخبز المُدعم بنسبة 300%، ليتحول من 5 قروش للرغيف إلى 20 قرشًا. يُصرف هذا الخبز المدعم على بطاقات التموين بواقع 23 مليون بطاقة يستفيد منها 64 مليون مواطن، بحسب وزارة التموين.

وقد سبقت هذه الزيادة قرارات أخرى بدأت قبل 8 سنوات تقريبًا برفع تدريجي لدعم المواد البترولية والكهرباء، وهو أمر أدى إلى تضاعف الأسعار عدة مرات، في وقت برر النظام نهج رفع الدعم بشعار “سياسة التقشف” الواجبة لمعالجة آثار الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد؛ إلا أن هذه السياسة لم تؤثر فقط على الكهرباء والمواد البترولية، بل امتدت إلى مختلف أنواع السلع الاستهلاكية من مواد غذائية وسلع معمرة.

اقرأ أيضًا: لماذا نحتاج لدعم الفقراء؟

“منذ سنوات قليلة كان سعر كيلو الفراخ لا يزيد عن 30 جنيهًا، واليوم وصل إلى 150 جنيه، كذلك اللحم وصل إلى 400 جنيه”؛ تقول “كوثر”، التي تشير في حديثها لـ”فكر تاني” إلى فاتورة الكهرباء وارتفاعاتها التي تصفها بـ”الصادمة”، تحولًا من 200 جنيه في أغلب تقدير لأعلى استهلاك سابق إلى ضعفي هذا المبلغ تقريبًا للاستهلاك نفسه حاليًا.

ومن المتوقع أن تبدأ الشركة القابضة لكهرباء مصر، تطبيق زيادات جديدة مرتقبة في شرائح الكهرباء على فاتورة شهر يوليو المقبل، التي يتم تحصيلها في أغسطس التالي بعد اعتماد تطبيق الأسعار الجديدة.

ونقلت وسائل إعلام محلية عن مصادر أن الزيادات الجديدة المرتقب الإعلان عنها ستتراوح في الشرائح الثلاث الأولى بنسبة لن تقل عن 30%، بينما الشرائح الأخرى لن تزيد على 40% ولن تقل عن 30%، وهو ما تبرره الوزارة أيضًا بضرورة مواجهة الأعباء الاقتصادية التي تتكبدها حتى تستطيع سداد التزاماتها ومستحقات وزارة البترول عليها.

كيف تتكيف الطبقة المتوسطة مع رفع آخر أغطية الحماية؟

مع هذا الوضع وتحسبًا لأي قرارات جديدة تُحمّل ميزانيتها أعباء إضافية، تحاول “كوثر” توفير أكبر قدر من احتياجات المنزل، وهو ما يدفعها إلى التنقل بين تجار الخضروات الرخيصة، بينما أجبرت أسرتها على الاستغناء عن أشياء أخرى لم تعد منطقية تناسبًا مع دخلها رغم أهميتها، ومنها اللحوم والجبن وبعض أنواع الفاكهة. “سداد مصروفات تعليم الأولاد أهم”؛ تقول السيدة المنهكة بحثًا عن بدائل في بلد يصارع مواطنوه بين فكي أزمة اقتصادية ودعم يزيل عنهم آخر أغطية الحماية.

في مارس 2022، أجرى المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية مسحًا على عينة من 6 آلاف أسرة فقيرة أو قريبة من الفقر في مصر. كان موضوع المسح: تغير أنماط الاستهلاك بعد تخفيض الجنيه، وآليات التكيف التي يتبعها المصريون للتعامل مع أزمتهم.

أظهرت نتائج البحث أن أغلب الأسر اتجهت إلى تقليص إنفاقها بنسب كبيرة على مجموعات السلع الغذائية غير المدعمة بعد موجات ارتفاع الأسعار. إذ تراجع استهلاك 85% من الأسر من اللحوم، وخفضت 75% منها استهلاكها من البيض، بينما خفضت نسبة 73% من استهلاك الدواجن، و61% منها استهلاك الأسماك، و60% منها قللت استهلاكها من اللبن.

اقرأ أيضًا: “زي الحكـ ومة”.. المصريون يواجهون الفلس بالسلف

“تنقصني على الأقل 4 آلاف جنيه تضاف إلى راتب الـ 7 آلاف جنيه الذي أحصله للوصول إلى مرحلة الاستقرار وتلبية احتياجات أسرتي”؛ تقول “كوثر” لاتي تضم أسرتها أربعة من الأبناء في مراحل دراسية مختلفة، يستهلكون باقات إنترنت مع تحول مصادر التعليم إلى الإلكتروني في أغلبها فضلًا عن الدروس الخصوصية ومصروفات الانتقال والتغذية أثناء اليوم الدراسي.

الطبقة المتوسطة تصارع وحدها

“يتطلب البقاء فوق خط الفقر إمكانية توفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية، وتشمل الطعام والمسكن والملبس وخدمات التعليم والصحة والمواصلات، شهدت جميعها زيادات كبيرة في الأسعار، ما عسّر تلبية رب الأسرة لاحتياجات أسرته الأساسية، وهو ما يعكس معاناة شريحة الطبقة الوسطى التي انزلق أصحابها إلى ما دون الوسطى”؛ بحسب عبده رشاد الخبير الاقتصادي.

عبده رشاد الخبير الاقتصادي
عبده رشاد الخبير الاقتصادي

وما تزال الحكومة مصرة على حل أزمة الاقتصاد برفع الدعم عن السلع الأساسية والذي لا يمثل سوى 11.5% من الموازنة، في الوقت الذي تستحوذ فيه خدمة الدين لسداد القروض والفوائد على أكثر من 62% من الميزانية، وفقًا للبيانات الرسمية.

ولذا، يرى عبده رشاد أن القرارات الحكومية نحو التقشف ما هي سوى تنفيذ صارم لبنود برنامج الإصلاح الاقتصادي المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي، المتهم الرئيسي بإدخال مصر في دوامة التضخم والغلاء وارتفاع الأسعار وما تبع ذلك من ارتفاعات بمعدلات الفقر، إذ يشترط الصندوق لمنح مصر قروضه تطبيق ما يسمى بـ”إصلاحات” تشمل خفض الدعم على الخدمات، والتحول إلى نظام صرف أكثر مرونة للعملة، هو ترجمة فعلية لانهيار الجنيه.

ويحذر “رشاد”، في حديثه لـ”فكر تاني”، من مخاطر اهتمام الحكومة بالإعلان عن مبررات لرفع الدعم عن السلع الأساسية دون أن تهتم بكيفية حماية الطبقة الوسطى من إجراءات إصلاحها الاقتصادي.

ويضيف أن عدد كبير من أفراد الطبقة الوسطى انحدر إلى ما دون مستوى خط الفقر متأثرين بموجات التضخم، مؤكدًا أن الحكومة لا تعتمد على استراتيجية ودراسات دقيقة في مواجهة أوضاع المنحدرين إلى الفقر، ما يفاقم الأزمة.

وتأكيدًا لذلك، تذكر دراسة أعدتها الدكتورة هبة الليثي، أستاذة الإحصاء بجامعة القاهرة ومستشار الجهاز المركزي للتعبئة العامة، أن هناك أكثر من 20 مليون مواطن (ما يعادل 35% من السكان) اضطروا إلى مواجهة موجة الغلاء وحدهم، دون أي تدخل حكومي لإنقاذهم، فصارت أوضاعهم شديدة القسوة في 2023 مع ارتفاع معدلات زيادة أسعار الطعام والشراب بنسبة 61.5%، حسب البيانات الرسمية.

ليس هبوطًا فقط في الطبقة

هالة منصور
هالة منصور

“قد تمتد آثار هذه السياسة الاقتصادية الخاطئة إلى التعليم”؛ هكذا تحذر الدكتورة هالة منصور، أستاذة علم الاجتماع، من انهيارات متوقعة في مؤشرات التعليم بمصر، مضيفةً أن من سمات أبناء الطبقة المتوسطة أنهم يبحثون عن جودة التعليم والصحة كما يبحثون عن سد احتياجاتهم من المأكل والمشرب والملبس، وهو ما تآكل حاليًا بفعل الأزمات المادية المتلاحقة التي أحاطت بهذه الطبقة، مع التراجع الحاد في قدرة المنتمين إليها على الإنفاق على تعليم أطفالهم، وهو أمر ظهر في انسحاب عدد كبير من الطلاب الملتحقين بمدارس التعليم الخاص إلى الحكومي، الذي يعاني مشكلات في البنى التحتية وفي جودة التعليم ومقدمي خدمته.

وينسحب هذا التراجع في القدرة على الإنفاق أيضًا إلى ما يتعلق بالرعاية الصحية، بما يساهم في زيادة معدلات الأمراض والأوبئة، فضلًا عن تأثيره في ارتفاع معدلات وفيات الرضع والأطفال بسبب مشاكل سوء التغذية، بحسب الدكتورة هالة، في حديثها لـ”فكر تاني”.

كان في طبقة متوسطة وراحت

وتوقع البنك الدولي ارتفاع معدل الفقر في مصر بسبب تأثير التضخم على الدخل الحقيقي للمصريين، مشيرًا إلى أن معدل الفقر في مصر بلغ 29.7% خلال الفترة من أكتوبر 2019 وحتى مارس 2023.

وفي الوقت الذي تعمد فيه جهاز التعبئة والإحصاء إخفاء بيانات بحث الدخل والإنفاق والاستهلاك ومعدل الفقر على مدار ثلاث أعوام على التوالي، حيث كان آخر البيانات المعلنة عام 2020 قبل انتشار جائحة فيروس كورونا، كشفت دراسة أعدتها الدكتورة عالية المهدي، أستاذة الاقتصاد والعميدة السابقة لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، أن نسبة الفقر المتوقعة في عام 2025 قد تصل إلى 36% من السكان في مصر.

وفي السياق نفسه، انتقد بحث تحليلي لتأثير موجات الغلاء على المصريين، صادر عن المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، الخطاب الحكومي الذي يلقي باللوم فقط على موجات ارتفاعات الأسعار بإبراز البعد الدولي للأزمة، دون التطرق إلى سياسة الحكومة التي ساهمت في تفاقم هذا الوضع، وقد زادت هذه السياسة -بالإذعان لطلبات صندوق النقد- من أعباء وحجم الدين العام، ومزجت بين التقشف وتخفيض سعر العملة وتراجع الإنفاق العام على الصحة والتعليم وأسعار الخدمات العامة، ما كان له آثار تضخمية بالغة الخطورة والصعوبة على فئات المصريين كافة.

الفقراء الجدد.. ما فعلته بنا سياسة الاستدانة

سمير عليش
سمير عليش

“الاعتماد على الاستدانة والاقتراض مقابل رفع الدعم عن الغذاء والصحة ساهم في خلق شرائح جديدة تسمى يمكن أن نطلق عليها الفقراء الجدد، ينتمي القطاع الأكبر سقوطًا فيها الآن إلى شرائح الطبقة المتوسطة التي خرجت من عباءة الدعم التمويني الحكومي ولا تجد أدوات الحماية اللازمة لتوفير أبسط مقومات الحياة الكريمة”؛ يقول الدكتور سمير عليش، القيادي في الحركة المدنية، والذي يشير إلى تدهور وضع الفقراء القدماء وتدهوره من الفقر المدقع إلى الفادح.

سهير صفوت
سهير صفوت

ويضيف “عليش” أن الدولة عليها أن تُدرك أهمية الطبقة الوسطى بكونها صمام أمان لبناء أي مجتمع، وأن السياسات المتبعة حاليًا لمواجهة الأزمات الاقتصادية غير مدروسة التبعات تزيح هذه الطبقة إلى ما هو أدنى بشكل يفاقم أزمة الفقر في مصر.

وتأكيدًا على مخاطر التخلي عن هذه الطبقة، تشير سهير صفوت، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، إلى آثار نفسية واجتماعية آخذة في التصاعد خلال السنوات الماضية بين أبناء هذه الطبقة، بشكل زاد من معدل انتشار الجريمة والعنف وفاقم من الأزمات الأسرية، وهي كلها عوامل ضد بناء أي مجتمع حديث.

التعليقات

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

موضوعات ذات صلة